الحقيقة الضائعة | من تقاليد المخزن في القصور أن يصبح العبد وزيرا.. والوزير عبدا

بقلم: مصطفى العلوي

لو كنت ملكا سلطانا – ولا فرق بين الملك والسلطان – لحرصت على الابتعاد عن طقوس القصور الملكية، بعد قراءة المذكرات التي تركها رفيق الحسن الثاني لمدة عشرين عاما، محمد بين بين (انظر الحلقة السابقة) والذي ترك لنا مشكورا، ما يكفي من الحجج والحالات، على أن طقوس دار المخزن، خطيرة جدا، لا في التوقعات المستقبلية لاحتمالات أية ثورة شعبية، ولكن فيما حكاه الرفيق بين بين، بتدقيق عن ظروف الملك السلطان، في إطار كان الحسن الثاني، يعتبره حتميا لممارسة مهامه، درسا من التعقيد، ينتهي بارتداء زي الفضيحة، لنفهم ربما، لماذا قرر الملك الجديد محمد السادس، إغلاق هذا النادي(…) الذي عاش فيه الحسن الثاني حوالي أربعين عاما، انتهت خلفياتها التي كانت ممنوعة عن الآذان والأبصار بالانكشاف المفضوح على صفحات مذكرات، نشرها واحد ممن يعتبر جزءا من ماضيها.

لذلك رأيتني مشدودا إلى جزئيات وتعابير هذه المذكرات عن وطن أصبحت فيه ((النميمة رياضة وطنية في بلادنا)) كما قال صاحب المذكرات، لأنقلها لقراء الحقيقة الضائعة بصفتها في الواقع كنوزا لم تتسرب أسرارها طوال حكم الملك الفقيد، الذي كان يعتبر أسرارها ستموت معه، ولكن أسرار الملوك والسلاطين، تنتهي طال الزمن أو قصر، بالكشف على الألسنة أو السرد كشهادات يكتبها للتاريخ واحد ممن شاركوا في تكريسها رغم أن الحسن الثاني – كما كتب رفيقه – ((يحب العتمة لم يكن يحب الضوء كثيرا، فعاش في عتمة دائمة(…) في نصف ظلمة لا يميز فيها المرء شيئا)).

والظلام المهيمن، الذي كان يعيش فيه الحسن الثاني كان يحتم عليه أن يقوي جهاز الاستماع، وهذا صديقه بين بين، بعد سنوات طويلة من الممارسة يكتب: ((كنت أملك السلاح الأكثر إثارة للخوف(…) في نظام الملكية المطلقة(…) أي أذن الملك، ومن يملك أذن الملك يساوي الملك قوة)).

ورفيق الملك الذي أصبح يحس بقوة تعادل قوة الملك لم يكن اسمه يذكر مع المستشارين أو الوزراء: ((كنت كالعادة أتبعه وأنا مقوس الظهر، مهمتي أن أضحك سيدي، لكن سيدي كان كئيبا، شارد الذهن، وقد ملأت وجهه تجاعيد عميقة كأن الآلام قد حفرتها بغتة، بالحياة الصاخبة التي سارت فيها الملائكة والشياطين جنبا إلى جنب)).

محيط الملك كان إذن، مليئا بالملائكة والشياطين كما قال هذا القطب من أقطاب القصر الملكي، رغم أن ((دخول القصر الملكي كدخول طائفة جديدة، أي أن الانتساب يكون كاملا.. ولا عودة عنه، حتى يصبح المرء تابعا للقصر يصبح الرجوع إلى الوراء مستحيلا.. وإلا فالجزاء هو الركوع أو الموت(…) فهو ميثاق يوقعه المرء مع الشيطان(…))).

الركوع أو الموت، قاعدة عاشها الرفيق الكاتب في سرده عن أسلوب الحكم بين الملك والشعب: ((كان الشعب يظن في لاوعيه(…) أن صاحب الجلالة قد يظهر في أي وقت ويأمر بإنزال عقاب جماعي، ورجاله لم يكونوا ينعتون بالرؤوفين، فكم من شخص توارى عن الأنظار(…) بتهمة التآمر على أمن الدولة، ومع ذلك كنا متأكدين من أن سيدي وبرغم الرعب الذي يبثه لا يزال يوحي لشعبه بالحب الحقيقي)).

وحديث الكاتب الرفيق عن الحب الملكي الحقيقي، يربط روايته بحادثة غريبة، حضرها الرفيق الكاتب، حين كان مرة يرافق الملك الحسن الثاني، لزيارة جناح في القصر الملكي، كان الملك يخصصه لجمع الهدايا التي يتوصل بها، وأراد يوما أن يتفقد ذلك الجناح، رفقة الكاتب المرافق بين بين، وانظروا العجب.

((كان ذلك الجناح على شكل مغارة، دفع سيدي بابها ودخلنا، ليتوقف سيدي بدون حركة لبعض الوقت حيث رأينا مشهدا صادما، حيث اكتشف أن عبدا من عبيد القصر قد رفع طرف جلابيته ليملأها بما تيسر له من علب ثمينة ورزم ملفوفة وهدايا، وعندما تنحنح سيدي، انتفض الرجل واستدار ليجد نفسه وجها لوجه أمام الملك، وكاد يغمى عليه والملك يضبطه وهو يسرق له داخل القصر الملكي المصون، وقد توقعت نهاية مروعة لذلك العبد الأسود، وأن يستدعي عبيد العافية لسلخه، لولا أن سيدي عاجله بالقول: هيا أسرع بالهروب قبل أن يباغتك الحراس)).

هكذا كانت معاملة الحسن الثاني لعبيده ومرافقيه وهو الذي يصف داخل القصر دائما ((وكر الأفاعي))، ورغم ذلك يحكي الرفيق بين بين كيف كان الحسن الثاني يتعامل مع أفاعي القصر، هذا القصر ((حيث تتتالى الأبواب إلى ما لا نهاية ويسود جو يشبه الحرب يجسده حراس يقفون بملابسهم وعدتهم وجلبياتهم البيضاء وأغطية الرأس الحمراء عمالقة مثيرون للخوف، ينظرون إلينا نحن الأقزام بازدراء، وكلما ظهر واحد من أفراد العائلة تدوى أصوات مبحوحة معلنة عن اقتراب الملك بقوة تثير القشعريرة في الأبدان)).

ويعتبر تنقل الملك من صالون إلى صالون، عملية تثير القشعريرة، كما قال الرفيق بين بين، الذي حكى جزئية من الأهمية بمكان. فقد كان الحاجب الملكي، وكان يسمى القايد موحى قد حول كل المحيطين بالملك، من وزراء وقادة وعسكريين يربطون مواعيدهم بلقاء الملك بسبابته، سبابة هذا القائد الذي كلما خرج من الجناح الخاص، ورفع سبابته على شكل ذيل العقرب، فهموا أن سيدنا غضبان ولا أمل في رؤيته.

ويحكي كاتب المذكرات الملكية، قصة تكرس أهمية سبابة الحاجب القايد موحى، عندما جاء الوزير القوي، وإن كان الكاتب يتفادى ذكر اسمه، ويكتفي: أحد كبار الوزراء، فإن الأسطورة كشفت أن ذلك الوزير هو إدريس البصري، الذي اعترضه الحاجب القايد موحى وعوق سبابته في وجهه، لكن الوزير نظرا لأهميته، قرر الدخول على الملك ليفاتحه في شأن ملف، بعد أن دخل الوزير الجسور والملك يتناول الغذاء، وهو مصر على الدخول ومال فوق كتف الملك ليهمس في أذنه شيئا ويضع ملفا أزرقا فوق المائدة، وبدأ الملك يحملق في مرافقيه الجالسين في موائد أخرى ليقول بصوت مرتفع: أبعدوا عني هذا الحيوان ولا أريد أن أراه بعد اليوم.

وحيث كان حول المقعد الملكي، حراس مقربون يتصرفون حسب التدخلات الملكية برموز متفق عليها، فقد انتظرنا أن يمسكوا بالوزير الكبير ليجروه محنيا عبر الأروقة والحدائق إلى باب القصر، وإذا بذلك الوزير – ويصر الكاتب على القول بأنه شخصية بارزة من شخصيات الدولة – فاجأ الجميع بأنه خرج يجري متوجها إلى مربط مجاور للخيول، ويدخل إلى مربط أحد الخيول وهو يقول: إن سيدي يرى أني حيوان فمكاني هنا، بين الحيوانات سأعيش معها، وتم إبلاغ الخبر للملك الذي أمر بأن يرسل إليه بعض الطعام ويترك في مربط الخيول، ويعطي الرفيق الملكي أوصاف هذا الحادث بالتفصيل، مذكرا بخطورة ما يجري في الصالونات الملكية التي وصفها الكاتب بهذا الوصف الخطير ((الصالون المريح القريب من جناح الملك الخاص عبارة عن قاعة كسيت جدرانها بالسجاد وإن كان ذلك الصالون مكانا هادئا فإنه تحاك فيه أقبح الحقارات التي يمكن للبشر بلوغها من الدسائس والوشايات، والمؤامرات المشينة، وألف خيانة وخيانة قادرة على أن تقلب حياة البشر رأسا على عقب، تقفل أمام بعضهم أبواب جهنم لتفتح لهم أبواب الفردوس، وبالعكس أن تلقى بالرتب والمناصب العالية إلى الحضيض فيصبح العبد وزيرا، والوزير عبدا، كل شيء رهن بالقرب من النور الملكي أو البعد عنه)).

مصدر هذا الاستنتاج الذي يحكي عن المحيط الملكي أن المقربين منه إضافة إلى الحاجب القايد موحى، هناك الطبيب الملازم الدكتور مورا، وطبيب الأعشاب موسى، والعراف بلال، والمؤنس المضحك بودا القزم، وخاصة المغني الذي لم نسمعه يوما في الإذاعة ولا في التلفزيون العازف ساهر ((الذي كان عازف عود متميز، وصاحب صوت رخيم، يعيش على كوكب آخر بداخل عالم مقفل من الأحلام والشعر والموسيقى، حول موائد تقاوم إغراء الحلوى المعروفة بالمعجون والمخبوزة بالعسل واللوز، وأفضل أنواع الحشيش من منطقة كتامة والتي تنتقل بيننا سرا)).

ليعترف كاتب المذكرات بأن الملك كان يغدق على هذه المجموعة من المقربين وعلى رأسهم كاتب المذكرات الذي أهداه الملك بيتا واختار له زوجة لمرافقته في البيت الجديد، مثلما زوج جميع مرافقيه بما فيهم عالم الأعشاب والمغني ساهر الذي فاجأه الموت مرة وهو في القصر الملكي، حيث خلع حذاءه بأدب وتمدد في أحد الصالونات، وأسلم روحه لخالقها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!