الحقيقة الضائعة | هل أعفي ولي العهد من الطقوس المخزنية حتى لا يتدحرج العرش

بقلم: مصطفى العلوي

لأول مرة في التاريخ المعاصر، يتوافق فاتح محرم الهجري مع فاتح شتنبر الميلادي، لمواكبة الدخول السياسي، والإداري، والمخزني، وإن كانت الطقوس المخزنية في نظر القطب الاتحادي اليازغي قد ماتت حسبما سبق أن صرح به منذ سنوات، مؤكدا أن الملك هو الذي قتل المخزن.. علما بأن طقوس تقبيل اليد الملكية، هي واحدة من تقاليد المخزن التي ألغاها الملك محمد السادس، وها هو يعفي الأكابر من تقبيل يده، في إطار الاتجاه الجديد الذي واكب الدخول السياسي الجديد، والتعليمات الجديدة التي صدرت لرئيس الحكومة العثماني، والتي مهد لها الصحفي الإسباني العارف بشؤون المغرب(…) “أناسيو شامبريرو” المحسوب في عداد الصحفيين الأجانب الغير المرضى عليهم في المغرب، والذي كتب مؤخرا أن الملك محمد السادس ألغى حفلات عيد ميلاده، ليفتح الطريق أمام ولده الأمير مولاي الحسن(…) حيث عنون هذا الصحفي مقاله الصادر في 21 غشت 2019 بعنوان: “غمزة الملك لولده”.

ليدخل موضوع الصحفي الإسباني في سياق ما قيل وما يقال(…) ((على هامش الأنشطة الأخيرة التي ارتبطت بتكليف الأمير مولاي الحسن بالنيابة عن والده في تدشين أكبر ميناء في إفريقيا، ميناء طنجة المتوسط، والنيابة عن والده في ترأس الحفلة السنوية للجيش الملكي)) إضافة إلى التعاليق الموسعة عما كتبته “الإكسبريس” أخيرا عن رغبة محمد السادس في توجيه ولده على طريقته هو(…)، وحول الطريقة التجديدية(…) التي يسلم بها هذا الأمير على والده في المناسبات العلنية الكبرى، حيث يتجاوز الأمير جزئية تقليد بوسة اليد، التقليد الذي أعفي منه الأمير، مثلما أعفي منه باقي المسلّمين في المناسبات الكبرى (انظر صور الفرق) المتناغم مع الضجة الكبرى، التي أقامتها فيدرالية اليسار مؤخرا، على رئيستها نبيلة منيب، التي واخذها حزبها بعنف على حضورها في حفل الولاء، مع تنويه نفس الحزب بحليفها عمر بلافريج الذي تغيب عن حضور مراسيم البيعة.

فهل يحضر إعفاء الأمير من طقوس البروطوكول، لوضع هذا الأمير في إطار المستقبل المطلوب؟

أم هي الحاجة الملحة للإنجازات السياسية التي غابت عن اهتمام الحكومة، حكومة العثماني، التي يواخذها الرأي الحزبي على امتناعها عن فتح أي نقاش حتى بين الأحزاب المتحالفة معها، على هامش ما سمعنا أنه التحضير للتعديل الحكومي، في زمن الفراغ السياسي الذي أصبح مهيمنا على الواقع السياسي المهين لهول المغاربة الذين أصبحوا متعودين على الفراغ السياسي في استئناس أشبه ما يكون باستئناس الجائع الذي يجد خبزة وبراد شاي ليقول هذه هي الدنيا.

لكن الدخول السياسي، هذا العام، طبع مع كل أسف بظاهرة سفيهة أطلقتها الأجهزة التي على بالكم(…) في إطار ما اتفق الجميع على تسميته بظاهرة العياشة(…) الذين يستعملون المواقع الفيسبوكية لمحاولة التأثير على الرأي العام، وإن كانت الظاهرة السفيهة التي تدخلت هذه الأيام، أسقطت المستوى لما تحت(…) حين استعمل أحد العياشة المتدخلين أسلوبا أسفل من تحت السراويل ليخاطب الرأي العام المغربي ويقول له ما معناه ((أن الأحزاب فاشلة، وأن سيدنا نصره الله هو صاحب القرار الأخير))، ولكن استعمال هذا المتدخل لكلمات وتعبيرات ساقطة فيما تحت السراويل، ليس من شأنه أن يبرئ النظام كله(…) من الاتفاق حسا ومعنى(…) مع هذا الصعلوك الذي وصف أقطاب السياسة بتعبيرات أسقط من تعبيرات جامع الفنا في خليط من كلمات يهيمن عليها حرف الزاي.. والحا.. لإقناع المستمعين إليه بأنه يدافع عن أمير المؤمنين(…).

وإن كانت هذه هي الظاهرة الإلكترونية التي استعملت مؤخرا لطبع الدخول السياسي بطابع السفاهة.. وقلة الحيا.

فإن هذا لا يبشر بخير.. مادام لا خير في السفاهة والنذالة وحركات الفجور، بينما الواقع الحقيقي مخيف جدا من مكونات هذا الدخول السياسي الذي يربط ربطا حتميا لكل المواقع المغربية، بالجسد الملكي(…) وهذا واحد من المعلقين الجادين، الصحفي مصطفى السحيمي يكتب مذكرا بأستاذ باحث في جامعة برنستون الأمريكية، واسمه “أرنست كانتور فيتش” ((وقد ألف كتابا مشهورا عن ارتباط الجسد الملكي بظاهرتين، واحدة مادية وواحدة فانية، لأن الجسد السياسي الغير فاني(…) هو الذي يمثله المجتمع المتشكل داخل المملكة)).

هذا الجسد الملكي المرتبط بالواقع المغربي منذ قرون وأجيال، ومن يدري، ربما لقرون مستقبلية أخرى، ربما مليئة بالمفاجئات، الظاهرة التي كرستها مؤخرا مذكرات رفيق الملك الحسن الثاني، العالم المؤرخ بين بين، الذي سمحت له السنوات الطويلة التي قضاها في أحضان القصر الملكي، ثلاثين عاما، ليكشف لنا في هذه المذكرات التي نشرها ولده الماحي، حقائق تتضخم عند قراءتها بين السطور، وكأنها تضخم الصورة التي كانت تظهر لما بعد الحسن الثاني(…) الذي كان متعودا على دغمشة الرأي العام المغربي، بخطبه المتقنة المتوالية لإخفاء ذلك الواقع الذي كان يراه مرافقه المؤرخ بين بين، رفيق الحسن الثاني الذي كان واحد من أولاده مشاركا في الانقلاب الذي حاول الإطاحة بعرش الحسن الثاني ليبقى بين بين هو الرفيق الذي كان يضحك سيده الحسن الثاني، بينما ولده غارق في كهوف تازمامرت.

وليكشف رفيق الملك، بين بين، خبايا الجسد الملكي الفاني(…) كما رواه الصحفي مصطفى السحيمي بعد أن وصف بين بين ذلك ((الحلم الكابوس الذي كان فيه سيدي(…) يرى نفسه)).

بل إن مذكرات الرفيق بين بين تروي عن معاناة الحسن الثاني ((حينما كان يتعمق في المستقبل المغربي(…) وسيدنا يحمل ولي عهده بين ذراعيه، ويتدحرج من قمة جبل صخري، وعر، إلى وادي من الرمال المتحركة في ذلك الكابوس المرعب، والملك يحمل طفله الباكي باذلا محاولات يائسة لإنقاذه.. ولكن عبثا(…) فقد كان الملك يغوص في الوحل عاجزا)).

هكذا كان الرفيق بين بين يرى سيده ومولاه الملك الحسن الثاني، يعاني كلما أغمض عينيه للنوم.

وكيف لا ينزعج الملك ((سيدي الذي ما عاد يغمض عينيه مرة حتى يرى عرشه في توازن هش.. يتأرجح على قضبان عالية ومترنحة وعلى وشك السقوط(…) فيفيق من نومه مذعورا وقلبه يخفق بقوة ووجهه يتصبب عرقا، أثار خوفه من السقوط(…) أرقا شديدا وزاد من سوء مزاجه المتعكر أساسا)) (مذكرات مؤنس الملك. الماحي بين بين).

هكذا كان الحسن الثاني منزعجا من أحلامه وهو يرى خبايا المستقبل المغربي، وولده محمد السادس بين يديه.

وما كان بإمكان رفيق الملك لسنوات طوال بين بين، أن يسجل هذه الجزئيات عما رأى عليه، وما حكى له الملك الفقيد، المهتز لخطورة المستقبل المغربي الذي كان بحكمته وبعد نظره يراه(…) لدرجة يحكي المؤرخ بين بين أن الملك الحسن الثاني استنجد بالفقهاء الروحانيين والبصارين المخضرمين، بل يذهب المؤرخ بعيدا في مصداقية روايته، ويذكر أنه ساهم في مساعدة القايد موحا على استحضار ساحرة تسمى طامو، والمتخصصة في فك رموز لغة الروح بعينيها المخيفتين، كما كتب بين بين الذي رآها بدون شك، مثلما رأى العراف بلال وهو يخترق الكهف الذي نقله إلى حضرة الملك الحسن الثاني، دون الكشف عن الخبايا والأسرار التي حكاها هذا العراف، عندما اجتمع بالملك الحسن الثاني.

ما كان يحلم به الحسن الثاني، عن مستقبل المغرب، كان مخيفا حقا، وإن كان الحسن الثاني بعيد النظر قد انتقل إلى جوار ربه ليترك ولده مع المغاربة وجها لوجه أمام ذلك الواقع المخيف، الذي كدر نوم الملك الحسن الثاني، ولم يكشف عنه يوما في أية واحدة من خطبه، إلى أن ساق القدر قلم رفيقه بين بين، ليسجل لنا في مذكراته هذه الجزئيات المخيفة لمستقبل أدخلت الأحلام به ملك المغرب في عالم من الرعب المخيف.

وأخطر مما رآه الحسن الثاني في أحلامه ذلك الواقع الذي بقي مرتبطا بنا(…) محتفظا بمكوناته الإحصائية التي تكرس استفحال الفقر، وتكريس الفوارق الطبقية التي يجمع المحللون على استفحالها.

ورحم الله الوزير الفرنسي في الخارجية الذي لازال حيا “هوبير فيدرين” الذي قال للتاريخ: ((إن تونس تتأخر، والجزائر تدور، لكن المغرب لا نعرف أين هو متجه)) (لوكانار. 22 مارس 2000).

وهذه جريدة “لوموند” في عدد 29 يوليوز 2019 تقول: ((إذا كانت الظروف التفضيلية لميزات الصيد البحري لازالت في أيدي كبار الجنرالات، فإن ربع السكان المغاربة لازالوا في مستوى متدني وآخرون مهددون بالفقر)).

وإن كان الفقر المغربي ليس هو الذي كان يزعج الحسن الثاني في نومه، فإن أخطر ما يهدد المغرب، هو انعدام القرار الجاد في إصلاح الأوضاع الاجتماعية والسياسية، وأخطر من ذلك، إشاعة شائعة الدنيا بخير التي تكرس تجاهل الأمر الواقع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!