ملف الأسبوع | ورقة مدريد توافق عليها الولايات المتحدة الأمريكية.. اللعبة الجديدة في الصحراء

إعداد: عبد الحميد العوني

ما إن توقف “مسلسل جنيف” حول الصحراء، عقب قرار مجلس الأمن انتقاله إلى “مفاوضات عبر المحادثات”، عاد الأمريكيون والإسبان إلى ما يسمى “أرضية مدريد” التي توافق عليها الولايات المتحدة، وتشمل مراقبة “المينورسو” لحقوق الإنسان في الإقليم دون ربطها باستفتاء الصحراويين ضمن 12 نقطة، وتشمل:

1) السماح للمغرب بتوسيع إجراءاته لمحاربة الهجرة السرية ضد أفارقة جنوب الصحراء إلى مدن العيون والسمارة في الصحراء، لوقف أي موجات بشرية أخرى إلى لاس بالماس وباقي الشاطئ الإسباني المقابل للإقليم المتنازع عليه، وتضمن هذه الخطوة للعاصمة الرباط، تمرير أبنية ومشاريع وتدخل في تعزيز سيادة المملكة على جنوبها.

2) التوقيع مع الرباط ونواكشوط على إجراءات مشتركة تتجاوز الخلافات بين البلدين المغاربيين، خصوصا في معبر “الكركرات”.

3) فتح التعاون على منطقة الساحل وتضم إحداثياته جهتي العيون والداخلة وباقي الشاطئ الأطلسي نحو غرب إفريقيا.

4) السماح للحكومة الإسبانية بمراقبة المجال الجوي للصحراء دون إذن مسبق.

5) مواصلة السماح للبحرية الإسبانية بالإبحار في الشاطئ الصحراوي دون إذن أو إخبار، مع تعزيز تكنولوجيا المراقبة.

6) تأجيل مدريد الإصدار الكامل للائحة المجنسين المقبولين في الاستفتاء بالصحراء، وحصر هذا الإجراء في الحاملين لجنسيتها بديلا كاملا عن تجنيس المغرب للصحراويين.

7) مواصلة المفاوضات تحت إشراف مجلس الأمن مع مراقبة جادة لحقوق الإنسان ضمن الصلاحيات المخولة لكل بعثات الأمم المتحدة، وهي أمور لوجستيكية لا تستدعي فتح مفاوضات مع المغرب.

8) أن لدى إسبانيا كل الحق في تأمين كل قوات “المينورسو” في كل مهامها ضمن الولاية الأممية على الإقليم المشرفة على مسلسل المفاوضات.

9) أن تفاهما بين البنتاغون ومستشار الأمن القومي الأمريكي، بمساعدة إسبانيا، في أمر توسيع مهام “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان، ويضم محاور سرية تشمل تأمين الإجلاء لكل طاقم البعثة الأممية في كل حالات المواجهة العسكرية في المنطقة.

10) أن السلاح الجوي الإسباني هو المخاطب الوحيد للتدخل لحماية المهام الأصلية لـ”المينورسو”، وتوسيعها ميدانيا بما يكفل الوصول إلى التطبيق الحرفي، أو المطلق للقانون الدولي، وهي الجملة التي استخدمها البرنامج الانتخابي لـ 28 أبريل الماضي دون ذكر تقرير المصير.

وهذه الوجهة القانونية تفيد الولاية الكاملة للأمم المتحدة، وليس لدى إسبانيا أي رغبة في تشجيع أي طرف من أطراف النزاع.

11) حرمان المغرب من أي انتشار صاروخي في الصحراء.

12) عزل التأثيرات السياسية لاتفاق الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي على تقرير الأمم المتحدة لمستقبل الإقليم المتنازع عليه.

الولاية الحكومية لـ”المينورسو”

يعلق موقع “بيريوديستاس إسبانيول”(1)، أن قرار الاشتراكي بيدرو سانشيز، رئيس حكومة إسبانيا بالنيابة، توسيع صلاحيات البعثة الأممية في الصحراء (المينورسو)، هو توسيع لسياسة حكومية في الإقليم المتنازع عليه.

وفي 347 إجراء منشورا في يوم الثلاثاء 3 شتنبر الجاري، أكد أن “الحكومة ستساند مسلسل المفاوضات عبر الأمم المتحدة، وعبر باقي الواجهات الأخرى(2)، بما يسمح لمدريد بدعم الآلية الإفريقية للاتحاد الإفريقي، وباقي المجهودات الدولية ذات الصلة”.

وهذه الجرأة المتمثلة في توسيع صلاحيات “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان، والعمل على الآلية الإفريقية لحل النزاع باسم العمل الإسباني مع الجهات الأخرى، هو خروج لإسبانيا من مربعها التقليدي، ولطالما كانت مدريد أداة للتوازن، فإن ما جاء من الاشتراكيين الإسبان، تصعيد دولي في الصحراء انتهت مدريد معه إلى الحفاظ على موقعها في ملف الصحراء، وتقدمت المملكة الإيبيرية لإبقاء الملف حيا وقادرا على التأثير في الأمن الإقليمي.

وتبعا للصيغة المستعملة حول ما يسمى “الاحترام المطلق للقانون الدولي”، فإن رؤية  الإسبان للصراع دقيقة، وتتواصل معها جهات مغربية لأسباب ثلاثة:

1) أن بعض الأجهزة المغربية لا تعارض توسيع صلاحيات “المينورسو”، في ظل توسيع الأطراف في محادثات جنيف حول الصحراء، ولإبعاد خيار المفاوضات المباشرة مع البوليساريو، يمكن للعاصمة الرباط القبول بتوسيع صلاحيات البعثة الأممية، لأنها لا تتطلب قرارا من مجلس الأمن، بل تفعيلا للعمل بمعايير البعثة الأممية، لأن معايير الانتشار تدخل ضمن العمل الموحد للبعثات في كل بقاع الأرض.

ولا يمكن مصادمة الأمم المتحدة والولايات المتحدة في هذه المرحلة الحساسة.

2) أن التعاون الإسباني ـ المغربي يخدم “هذا التوسيع” في صلاحيات “المينورسو”، دون أثار جانبية على مواصلة مسلسل الأمم المتحدة، ومهمة المنظمة العالمية في إقرار السلام العالمي.

3) أن رؤية الصراع في الصحراء اختلفت، لأن إدارة المشكل لم تعد آمنة، وقد تنتهي في أي لحظة إلى حرب ستتواصل، وقد شجع عزل موريتانيا عن المشكل، بعد ذهاب الرئيس ولد عبد العزيز من الرئاسة، في التشجيع على مواجهة عسكرية محدودة في “الكركرات” تغير من الموقف الميداني وقواعد الاشتباك، لكن قيادة البوليساريو ترغب في الحرب، لأنها، بوصف قائدها لقناة “الحرة” الأمريكية “ممر إجباري للوصول إلى حل سياسي ونهائي للمشكل”.

ولأول مرة، يتفق الجزائريون في مرحلة الجنرال قايد صالح وإبراهيم غالي، على:

ـ توسيع مواجهة “الكركرات” لحرب شاملة على الجدار الدفاعي.

ـ توسيع الحرب إلى حرب إقليمية، لاعتراف مدريد بمسؤولية القوى الأربعة في مسلسل جنيف، تتقدمهم الجزائر وموريتانيا، عن حالة السلم في الإقليم.

ويبقى تحول الثالث من شتنبر 2019، عاصفا ومطابقا لاستراتيجية الجيش الإسباني بمختلف قطاعاته، وقد ربط بين اعتراف دول الاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية وبين باقي القضايا ذات الصلة في إعلان البنود الـ 348 من طرف الاشتراكيين الإسبان.

البند 347 القاضي بتوسيع صلاحيات “المينورسو” في الصحراء تطور غير مسبوق في إدارة مشكل الصحراء

تكاد صياغة البند أو الإجراء الـ 347 القاضي بتوسيع صلاحيات “المينورسو” في الصحراء ضمن السياسة الاشتراكية والحزبية في إسبانيا تؤشر إلى:

ـ عدم تجميد قضية الصحراء منذ استقالة هورست كوهلر التي أوقفت الدينامية الدولية بشأن المشكل.

ـ عدم ربط إجراءات المغرب حول سبتة ومليلية بتنازلات إسبانية في قضية الصحراء.

وسبق للحزب الحاكم إثارة نفس الموقف في أبريل 2019، قبل استقالة كوهلر، وفي أجواء تجديد الأمم المتحدة لولاية بعثتها في الصحراء.

وجاءت الصياغة واضحة بـ”أن الحل العادل والنهائي والمقبول من الطرفين يحترم مبدأ تقرير المصير، ويؤدي إلى مراقبة حقوق الإنسان في المنطقة”، وهي الصياغة التي لم تثر المسؤولين المغاربة، لأنها لا تحدد ميكانيزم المراقبة، وتطابق حرفيا من حيث التعميم والصياغة، القرارات الأخيرة لمجلس الأمن.

ومن اللافت أن المذكرة الثانية ذكرت أن ميكانيزم مراقبة حقوق الإنسان موكولة لحوار الولايات المتحدة والمغرب، وقد حدث انقلاب على هذه الخلاصة في البند 347.

ولابد من التذكير باعتبارات منها:

1) تشجيع الحوار الإسباني ـ الأمريكي بشأن قضية الصحراء عوض ترك التوافق على الآليات للحوار المغربي الأمريكي.

2) أن إسبانيا صاغت عبارة موجهة تقول بأن “الجزائر وموريتانيا شركاء إلى جانب إسبانيا لحل الأزمة”، وتدعو إلى حوار متواصل مع العاصمتين نواكشوط والجزائر العاصمة.

3) عمل المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مع الدول الثلاثة (إسبانيا الجزائر وموريتانيا).

وتكون الإعاقة في ملف الصحراء، في نظر مدريد، متمثلة في شيء واحد: “استثناء المينورسو من مراقبة حقوق الإنسان”، لذلك، فإن التطبيع مع كل مهامها، قادر على إخراج الملف من أي استثنائية.

وطبقا لهذه التقديرات، فإن من المهم:

ـ رفع الاستثنائية عن ملف الصحراء، والسماح للأمم المتحدة بالولاية الكاملة.

ـ إن عدم سماح المغرب لبعض المنظمات غير الحكومية والنشطاء بدخول الإقليم، يزيد من تعقيد المشكل الحقوقي في الأراضي المتنازع عليها، وبالتالي، فإن حكم المحكمة العدل الأوروبية لا يزال مؤثرا في الصياغة.

توسيع صلاحيات “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان، يمنع الحرب ويدعم مسلسل المفاوضات

كشفت مصادر “الأسبوع” أن الورقة التي قدمها بيدرو سانشيز لتوضيح توصيات عمله الحكومي في الصحراء، قالت بأن “توسيع صلاحيات المينورسو لمراقبة حقوق الإنسان تمنع الحرب، وأي مساس بتخفيض طاقم المينورسو لعرقلة هذه التوصية سينقل المشكل إلى الفصل السابع، وهو ما تداوله مسؤولون فرنسيون وإسبان”.

وتبعا للموقف الإسباني الجديد، فإن لعبة إقليمية أخرى بدأت.

ويقول الصحافي ألفونسو لافاركا بأن ما حدث، هو اقتراح مفتوح لبرنامج تقدمي مشترك، وليس تحولا في موقف بيدرو سانشيز الذي يقدم الهاجس الأمني حول سبتة ومليلية ومحاربة الهجرة السرية عن الهاجس الاستراتيجي في موضوع الصحراء، وهو ما عبر عنه بشكل مباشر فرناندو غراندي مارلاسكا، وزير الداخلية الإسباني في زيارته إلى الرباط، مذكرا بما سماه “المستوى العالي من الثقة المتبادلة” القائمة بين الدولتين، وأضاف أن “هذا التعاون الجد ممتاز، يشمل قضايا حساسة، على رأسها تدبير تدفقات الهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب”.

وساهم الانخفاض الكبير بما نسبته 41.9 في المائة من الهجرة السرية بين الشواطئ المغربية ـ الإسبانية في تقديم التعاون الأمني مع المغرب على الترتيبات والإجراءات التي تمس ملف الصحراء، مؤكدا على “التعاون العملياتي والفعال” بين قوات الأمن الإسبانية والمغربية في مكافحة الهجرة، مردفا أن “الدعم القوي والتعاون الوثيق للسلطات المغربية، كان حاسما ولا محيد عنه في الحد من ارتفاع وتيرة الوافدين على الساحل الإسباني”.

ويعرف المغرب أن فعاليته كدركي تفيد تجميد الإجراءات الجديدة في قضية الصحراء.

ومن المهم في هذه المرحلة، أن يكون التعاون مع المغرب حاسما لتبريد الإجراءات المعتبرة والمتخذة في مشكل الصحراء، وهي سياسة ناجحة ونفعية تخدم الجارين، فيما تتقدم الرباط في إشارتها القوية نحو موريتانيا، خصوصا إطلاق استثمار بـ 10 مليارات درهم لإنشاء ميناء الداخلة، بما يزعزع أرقام معاملات ميناء نواذيبو الموريتاني.

وفي هذا السياق، خطت الرباط رسالتها إلى نواكشوط بشكل قاس، من خلال مرسوم حكومي يقضي بإحداث مديرية مؤقتة للإشراف على إنجاز الميناء.

ولم يعرف المتابعون دور السلطات الجهوية في هذا القرار، لكن الحكومة أعلنت بشكل واضح، أن إطلاق طلبات العروض المتعلقة بأشغال بناء الميناء ستكون في أكتوبر 2019.

هذه الرسائل الموجهة من بناءات “الكركرات” وميناء الداخلة إلى ولد الغزواني، الرئيس الموريتاني الجديد، ومن خلاله إلى الجيش الموريتاني، وفيها أن التعاون مع السلطات المغربية قدر موريتانيا كي لا تضيع مصالحها، لأن المساس بالمصالح المغربية في “الكركرات”، هو مساس بمصالح موريتانيا في نواذيبو.

وتتابع العاصمتان الرباط ونواكشوط عض الأصابع، متجاوزة الهدوء الذي أحدثته إدارة ولد الشيخ لوزارة الخارجية في بلاده.

ومتابعة من مدريد لهذه الخطوات المتصاعدة والمهددة بحرب مفتوحة تجمع البوليساريو والبحرية الموريتانية ضد القوات المسلحة الملكية، فإن الاستخبارات العسكرية الإسبانية وجدت في هذه التطورات ترتيبات لحرب تبدأ من مساس الأطراف بالخطوط الحمراء.

إن تفجير بنيات ميناء الداخلة، سيكون انتحارا للمنطقة، من جهة هو مساس بوقف إطلاق النار  لكنه يفتح الجميع أمام المراقبة الشاملة تبعا للولاية الكاملة لـ”المينورسو”، وهو ما رضخت له إسبانيا وأنبأت به من الآن، قبل انفجار الوضع القائم، ومن جهة أخرى، فإن قرار وقدرة الموريتانيين محكومان بوصول قوات البوليساريو إلى نقطة “الكركرات”، لأن إعادة انتشار هذه القوات بتعبير المنظمة المسلحة في تندوف، أو إجلاءها، من هذا المعبر التجاري، محكومة بالمفاوضات، ولذلك عادت الأمور إلى ما قبل انطلاق مسلسل جنيف.

وترتيبا على هذه النتائج الميدانية، جاءت قرارات سانشيز استباقية ومجهضة لسيناريو مماثل لـ”إكديم إزيك” نتيجة يأس القبائل والساكنة من إدارة حمدي ولد الرشيد الذي وضع في يده قرار الإقليم.

ويعرف الجميع أن قوة حمدي ولد الرشيد أو خليهنا، من تاريخهم، وفي جزء كبير منه الإسبان، ولا يمكن معارضة هذه العائلة لقرارات إسبانيا، رغم معارضتهم الجزائر لصالح المغرب، فاللعبة تخص حاليا فصل مصالح شمال موريتانيا عن المغرب، وهو قرار للعاصمة نواكشوط منذ إدارة ولد عبد العزيز للبلد لولايتين متتاليتين، ومن جهة ثانية، تعود المسألة إلى محاولة مغربية لفصل مصالح الصحراء عن موريتانيا، وهو ما تدعمه بقوة قرارات يقودها النافذون في الحكومة، يتقدمهم جيران الصحراويين (أي السوسيين).

إذن، فأوراق اللعبة مكشوفة، وتريد البوليساريو استعادة ورقة ما تسميه “الأراضي المحررة” وقد احترقت هذه الورقة مرتين، منذ إقالة هورست كوهلر، لأن مسلسل جنيف المعروف باجتراحه المحادثات الإقليمية لم يعد مثمرا، ولأن المغرب بنى في “الكركرات”، وأطلق مرسوما حكوميا لبناء ميناء الداخلة، في أجواء تعارض فيها موريتانيا هذه الإجراءات، وتهدد البوليساريو بالحرب، وهذه الإجراءات المغربية تتجاوز مخرجات مسلسل جنيف، بل تتقدم العاصمة الرباط لتجاوز نتائجه المحددة في عدم إثارة شركاء الإقليم والمسلسل التفاوضي، وأيا يكن الأمر، فإن إدارة الملف ساخنة ولا تزال كذلك، فيما الولايات المتحدة وفرنسا مختلفتان حول الوضع النهائي للصحراء.

الاحترام المطلق لضرورات القانون الدولي

إن دعم إسبانيا في البند الـ 370 للمفاوضات داخل الأمم المتحدة وخارجها مع اشتراط ما تسميه الصياغة “الاحترام المطلق لضرورات القانون الدولي”(3)، انكشاف حقيقي لاستراتيجية مدريد التي أكدت كواليسها على اتصالات مع البوليساريو لحماية الاتفاق حول الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي من الإلغاء في هذه المرحلة الحساسة من مفاوضات جنيف، التي لم تكن في حقيقتها سوى لعبة أوروبية لتمرير هذا الاتفاق بعد الإحراج الذي أكدت عليه كل الأطراف، عقب حكم محكمة العدالة الأوروبية، وقد رفضت بشكل صريح سيادة المغرب على صحرائه.

لسنا في هذه الصياغة أمام الاحترام الكامل، أو الحرفي، للقانون الدولي، بل “احترام لضروراته”، بما يجعل هامش المناورة ثابتا في هذه الاستراتيجية لتشجيع المفاوضات.

إن انكسار الديناميكية الأممية باستقالة هورست كوهلر، دفع مدريد إلى أمرين: عدم تعديل المهمة الأصلية لـ”المينورسو”: تنظيم الاستفتاء، وتمكين هذه البعثة من جميع مهامها، وفي مقدمتها مراقبة حقوق الإنسان في الإقليم المستعمر سابقا من السلطات الإسبانية.

وفي الترجمة الحرفية للاقتراح الاشتراكي، نجد أن القضية متعلقة بكل المسلسل التفاوضي، وليس بجولات محددة منه، وبالتالي، فإن الإجراء الـ 347 كان واضحا في القول بالسلطة الإدارية للمغرب على الصحراء وهي “السلطة الوصية”، وهي مفردة ذكية توازن بين السلطة المغربية والأمم المتحدة عبر بعثتها “المينورسو”، وبين السلطة(4) والسلطة الولائية، نكون أمام تقديرين:

1) العمل الأممي عبر الأجهزة المغربية.

2) العمل المباشر والميداني للمراقبة الأممية.

وبالتالي، تكون صياغة الإجراء الـ 347 صادقة، وتخدم توازن المصالح المغربية ـ الأممية في الصحراء، من خلال توصيف إدارة الجانبين، تعاونهما على أساس قانوني، من جهة، لأن الاصطلاح اللاتيني المستخدم في الصياغة “دي يوري” يشمل الإدارة عبر الحق،

وباللغة الفرنسية عبر الإدارة (أو القانون الإداري) على وجه دقيق.

ومحاولة مدريد العمل على توازن الإدارتين: الأممية والمغربية في الصحراء، هدف مدروس من زاويتين.

1) أن احترام حقوق الإنسان بميكانيزم مستقل، سيستمر في أي إدارة ذاتية أو حكم ذاتي للصحراويين.

2) أن قدرة الصحراويين العائدين من مخيمات اللجوء كما قررها بولتون، على حرية التعبير وممارسة باقي الحريات، لن تكون مكفولة بشكل عملي إلا بمراقبة أممية.

وفي هذا الصدد، لابد من الوصول إلى تفاهمات تشمل إدارة الحكم الذاتي في المستقبل.

وفي هذه اللحظة الفاصلة، يحاول الاشتراكيون الأوروبيون الوقوف إلى جانب غوتيريس، الاشتراكي الذي عرفته الأممية بصمته قبل أن يرأس الأمانة العامة للأمم المتحدة.

ولا يمكن، بأي حال، أن تفشل الأمانة العامة أمام الإدارة اليمينية لترامب، كما ولابد من تمييز المطالب الاشتراكية عن اليمينية الأوروبية في الصحراء، وقد اتخذ الإسبان شعارهم للمرحلة: مراقبة بعثة الأمم المتحدة (المينورسو) لحقوق الإنسان، فيما مناورة اليمينيين الأمريكيين قائمة على عمل البعثة على نفس مهام البعثات الأخرى، ولا يمكن أن تبقى “المينورسو” استثناءا، وقد أنهى ترامب العهد السابق بلا هوادة، عندما طالب مستشاره للأمن القومي جون بولتون، بإلحاق الصحراء بالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في إفريقيا.

المفاوضات مقرونة بمراقبة حقوق الإنسان

كل نجاح للمفاوضات في المستقبل، لن يكون دون ثقة الطرفين في الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في الإقليم، وكل مجهود خارج هذا التقدير، يرمي إلى إفشال مجهودات تطبيق ضرورات القانون الدولي على قضية الصحراء، وبالتالي، فإن هناك انكشافا ومفاجئات، لأول مرة، تدخل خمس ملاحظات هامة ودقيقة:

1) أن الاشتراكيين في صياغتهم، أكدوا على وجود حكم من المحكمة الوطنية الإسبانية على أن الصحراء تحت وصاية سلطات المغرب، وعلى ضوء هذا الحكم، تكون المراقبة الدولية لهذه السلطات الوصية إعادة تفسير للمشكل والطبيعة القانونية لإقليم الصحراء.

2) أن قدرة الأمم المتحدة “معيارية”.

3) أن مراقبة بعثة “المينورسو” لحقوق الإنسان لا تمس الولاية القضائية المعمول بها في الإقليم كسلطات إدارية.

4) الولاية الأممية ولاية سيادية حسب هذه القراءة، فيما أي مراقبة أخرى لا تقبلها كل الدول.

5) أن ربط المفاوضات بمراقبة حقوق الإنسان رؤية قانونية لإنجاح المسلسل، وضمان حق إسبانيا لأول مرة، إلى جانب الطرفين في تأمين عودة اللاجئين إلى جانب “المقيمين” على حد سواء، وتوحيد الطبيعة الواحدة للساكنة تجاه الأمم المتحدة، ولذلك، فإن عودة اللاجئين لن تكون دون مراقبة “المينورسو” لحقوق الإنسان في الإقليم.

جون بولتون: لابد لإسبانيا، المستعمر السابق، تعليل قرار مراقبة “المينورسو” لحقوق الإنسان في الصحراء، كي يتمكن اللاجئون من العودة إلى مساكنهم وأراضيهم

إن اللعبة الأمريكية تدفع إسبانيا إلى لعب الدور الرئيسي في عودة اللاجئين، لأن هذه المشكلة لم تحل منذ الاستعمار الإسباني، وهي قضية لابد من حلها عبر ضرورات القانون الدولي.

ويدفع جون بولتون إلى عودة آمنة وقانونية للاجئ تضمن حقوق الإنسان في الأراضي الأصلية، وهو القائل في جلسته الأخيرة مع وزير الخارجية الإسباني: لابد لإسبانيا، المستعمر السابق، تعليل قرار مراقبة “المينورسو” لحقوق الإنسان في الصحراء، كي يتمكن اللاجئون من العودة إلى مساكنهم وأراضيهم.

ومن اللافت أن المبادرة المفتوحة لبرنامج تقدمي مشترك، لم تؤكد على حق تقرير المصير، بل التشبث بالقانون الدولي في إدارة الأزمة الصحراوية.

وترى الصياغة، أن اسم “المينورسو” يجعل تقرير المصير ليس مبهما، بل محددا عبر الاستفتاء، فالمسألة ليست تقرير المصير، بل إنجاز مهمة البعثة وممارسة كل صلاحياتها.

وهذه الإشارة، تؤكد التحول التدريجي إلى الاستفتاء، ويدافع الجميع عنه من منطلق رئيسي، هو الدفاع عن المهمة الأصلية والقانونية للبعثة الأممية في الصحراء.

وبناء على ما سبق، فإن الأمور التي يجب تنفيذها إلى جانب مواصلة مسلسل المفاوضات مركزة في شيء واحد: مراقبة بعثة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وتطبيق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالنزاع، وهو ما يتجاوز الإطار الزمني لـ 2007 إلى الآن، كما يعتمدها مجلس الأمن.

وعلى هذا الأساس، فإن:

ـ مراقبة حقوق الإنسان، لم تعد مهمة مضافة للبعثة، بل مهمة أصلية ومساعدة للاستفتاء، وهو ما ترفضه المملكة.

ـ الأمم المتحدة عادت لها الطبيعة التنفيذية.

ـ التوازنات التي صنعها الامتناع الروسي على دعم كل الاستراتيجية التي قادها هورست كوهلر، تجعل خليفته ينتبه أكثر إلى موقف موسكو، وهو ما سيؤثر جوهريا على إدارة المشكل، ولذلك، قررت مدريد تقرير أجندتها في أجواء اختيار خليفة لكوهلر، ليكون بالتالي البعد الأممي في قضية الصحراء، قد دخل مأزقا يرى فيه الاتحاد الإفريقي أن “الاستفتاء هو القادر على تجاوز الأزمة”، وهو ما يؤطر المرحلة ويزعزع المملكة.

فرنسا معزولة، بعد دعوة إسبانيا إلى توسيع صلاحيات “المينورسو” في حقوق الإنسان، وقد اعتبرت مدريد وباريس المقترح في عهد اليميني ماريانو راخوي، غير واقعي، لكن الانقلاب الذي حدث، قد لا يسعف إدارة مانويل ماكرون في استعمال “فيتو” يخص قضية حقوق الإنسان

لن تستعمل باريس حق النقض (الفيتو) في قضية لحقوق الإنسان، وكشف مصدر “الأسبوع”، وهو دبلوماسي في الخارجية الفرنسية، أن “المسألة معقدة، وباريس ستقرر بشكل إيجابي إن كان الإجماع الدولي حول هذا التوسيع الذي لا تعارضه إدارة ماكرون، لأن توحيد الطبيعة القانونية لكل البعثات الأممية، يجعل الأدوار والمعايير واحدة في الصحراء، وفي أي نقطة من العالم”.

إن ما يجري، هو عزل لفرنسا، بعد دعوة إسبانيا إلى توسيع صلاحيات “المينورسو” لمراقبة حقوق الإنسان، وقد اعتبرت العاصمتان مدريد وباريس في 2013 الاقتراح الأمريكي غير واقعي(5)، وحاليا، يعد هذا التوافق هو ما يوحد الساكنة لتمرير الحل التفاوضي المناسب، ولا يمكن إعطاء ديناميكية واقعية لأي شعب في لحظة انقسامه بين لاجئين ومنتخبين، في إدارة محلية منشطرة أيضا بين جهة العيون وجهة الداخلة.

إن التوحيد بين انشطارات الساكنةالصحراوية، جزء من الاستراتيجية الأممية، ولذلك لم يعد لفرنسا من بد سوى الالتحاق بهذه الاستراتيجية التي تكلف المغرب مواجهة أخرى، لا تقل عما توقعه بان كيمون، الرئيس السابق للأمم المتحدة.

إن كلفة “الدبلوماسية الهجومية” التي مارسها المغرب ضد بان كيمون كانت غالية ومكلفة للغاية، ولا يمكن الركون إليها، وتبعا لهذه القناعة، يتقدم الأمريكيون والإسبان لتفعيل صلاحيات “المينورسو” على صعيد حقوق الإنسان، ومن البديهي أن يعرف الجميع أن تراجع مصداقية “الحكم الذاتي”، جاءت بعد طرد المكون المدني لـ”المينورسو”، والتي لا يمكن معها، حسب الكثيرين، عدم تفكيك البنية الإدارية للحكم الذاتي في أي لحظة، وهو نفسه ما وقع مع تعليق بند دستوري يمنح إقليم كشمير الحكم الذاتي مع حكومة مودي في الهند، رغم نظامها الديمقراطي.

إن التفكير في هذا الأفق لم يعد شيئا عمليا في كواليس الأمم المتحدة، ويدعم الكل الحضور الدائم لـ”المينورسو” في أي حل لقضية الصحراء، وأيضا إشراف الأمم المتحدة على كل الخطوات، وبالتزامات دولية لا تجعل الوعد المغربي وعدا داخليا.

وفي إطار دعم الأمم المتحدة، يريد الإسبان أن تكون لوائح القانون الدولي هي الإطار المرجعي لأي حل، وانطلاقا من هذه الترتيبات، نجد عزلا كاملا لفرنسا، بعد فقدانها الدعم الإسباني، بخصوص عدم اعتماد توسيع صلاحيات “المينورسو”.

وطبقا لمناقشة البرلمان الإسباني، في يوليوز الماضي، فإن مدريد مدعوة بشكل واسع للمساهمة بشكل واسع وإجرائي في تفكيك النزاع المسلح في الصحراء، ومحاولة استخدام “المساهمة الإجرائية” لهذا البلد في مجهودات الأمم المتحدة، يفيد أمرين:

1ـ أن إسبانيا ستكون قوة اقتراحية أو داعمة لإجراءات ميدانية لحل النزاع المسلح في الصحراء.

2ـ أن المسؤولين في مدريد معنيون بدعم كل الإجراءات، وأيضا كل المسارات التفاوضية بين المغرب والبوليساريو، بما فيها التي تجري داخل الاتحاد الإفريقي، لأنها جزء من “المفاوضات عبر المحادثات” التي عرفها مسلسل جنيف، وأن المفاوضات الثنائية لم تنطلق بعد، رغم دعوة مجلس الأمن إليها في قراراته الأخيرة.

إن التركيز على البعد الإجرائي في مقاربة الحل النهائي لقضية الصحراء، سيطر على استراتيجية الإسبان في غرب إفريقيا التي دخلت عصر جون بولتون.

مدريد تعتبر أن مشكل الصحراء “حساب متأخر” مع المغرب

في مقال “إلباييس” لفاتح غشت 2019، فإن مشكل الصحراء هو “حساب كبير متأخر” مع المغرب(6) والعالم في حالة انتظار لتسويته، وهذه الرؤية، يشترك فيها الساسة والإعلاميون الإيبيريون يمينا ويسارا.

واستحضرت الجريدة الإسبانية فرحة مدينة العيون بانتصار الجزائر، حليفة البوليساريو، في كأس إفريقيا لكرة القدم، وكيف حاول الجميع توحيد المشاعر بهذا الانتصار المغاربي لموت شابة، بعمر 24 سنة، في هذه الأجواء.

وبالعودة إلى “مشروع جيمس بيكر” 2003، فإن مجلس الأمن لم يفرض على الأطراف تنفيذه، وهو المنزلق الذي تحاول الأمانة العامة للأمم المتحدة تجاوزه من خلال المفاوضات، وجملة من الإجراءات.

ولا تزال فرنسا حليفا يمكن الوثوق به في مواجهة الضغوط الدولية المتواصلة منذ 2003، مع أربعة مبعوثين أمميين في عهد الملك محمد السادس، وفي انتظار الخامس، الذي يدرك من الآن أن الحل مع فرنسا، فيما تريد مدريد أن تكون في يدها كل المفاتيح.

ولا تعمل فرنسا منعزلة في الصحراء، لذلك، فإن مساندة إسبانيا لها جمد مراقبة “المينورسو” لحقوق الإنسان في الصحراء، لكن هورست كوهلر أعاد الوضع إلى تفعيل هذا الاقتراح الذي يواجه موقفا ملكيا في الصحراء يعود إلى 15 سنة، أي إلى 2004، يقول إبراهيم دحان لجريدة “إلباييس” مؤخرا، إنه في حواره مع الرئيس السابق للبوليساريو قال أحمد عبد العزيز: مع الحسن الثاني كرجل دولة، كان من الصعب الوصول معه إلى حل، ولا يعرف محيط محمد السادس تكلفة الحرب، مما يجعل أي اتفاق أكثر صعوبة.

وحاليا، البنية التحتية في الصحراء تغير الديموغرافيا، والمظاهرات بدأت قبيل وفاة الحسن الثاني ولا تزال، وما تغير حسب دحان، هو عمل المغرب بشكل مكثف على دعايته، واتصلت “إلباييس” بعمدة مدينة العيون حمدي ولد الرشيد، ووزير الخارجية ناصر بوريطة.. دون رد.

السكوت المغربي على خطوات سانشيز؟

تعزز الرباط اتفاقياتها حول الهجرة السرية مع مدريد، كي يمكن الضغط من خلالها لتجميد الخطوات الأحادية الجانب للاشتراكيين في مدريد.

وفي هذا التحول، يمكن أن يعمل مسؤولو العاصمة الرباط على إشارة أخنوش، الذي ربط لأول مرة بين الملفات، وعلى سكوت الخارجية المغربية عن أي تعليق، لفصلها بين “البرنامج الانتخابي” للأحزاب والضرورات الاستراتيجية للدول، وتريد العاصمة الرباط الخروج من النظر إليها كجزء من الدعاية الانتخابية في إسبانيا إلى إعادة تقدير شبه ثابت للعلاقات الثنائية، وهو أمر محقق.

وبناء على خطوات سانشيز، فإن فصل الإجراءات في الصحراء عن العمل الاستراتيجي في العلاقات المغربية ـ الإسبانية من طرف ساسة الرباط، جزء إيجابي من المناورة.

ولذلك، فإن السكوت المغربي على خطوات سانشيز مدروس، وهو لا يهتم لسانشيز والبرنامج التقدمي المشترك، بل بدأ مع احتفال الرباط بالذكرى العشرين لوصول الملك محمد السادس إلى العرش، حيث لم يتحدث الرسميون للإعلام الإسباني، إمعانا في تحصين العلاقات الأمنية والاستراتيجية بين مدريد والرباط، بعيدا عن الصحافة، مع تركيز على القنوات الموازية والسرية، وهوجزء من عدم كهربة العلاقات الثنائية عبر الأزمات الطارئة.

ويعرف الرسميون المغاربة، حسب مصادر “الأسبوع”، أن تحول الموقف الإسباني في مسألة “المينورسو”، كبير وعميق، لكنه لا يزال داخل حدود إسبانيا، إذ لا يزال خطاب مدريد في الأمم المتحدة محافظا، دون أي تغيير يذكر، وما لم يمكن لهذه الإجراءات الانعكاس الخارجي الفارق، فإن المغرب لن يسجل أي رد فعل على اعتمادات السياسة الداخلية، لكن المثير، أن اتصال ترامب والملك الإسباني، ووثائق بولتون التي تتضمن في 12 فقرة ما يريده الأمريكيون من الإسبان، يعلن عن وجود تحول كبير في موقف مختلف أجهزة المخابرات الإسبانية في قضية الصحراء.

 

هوامش:

  • Sahara: el psoepropone la ampliacion de la minorso como politica de gobierno, periodistas en espanol,com (r/3/9/2019).
  • El gobierno propone la ampliacion de la minorso como politica de gobierno, porjesuscabalierolarran, periodistas (r/5/3/9/2019).
  • «basados en elabsolutorespecto a las obligaciones el derecho international».
  • (la potencia administradota de iure, segun la ONU y la audiencia nacional).
  • Pedro sanchez eludeincluir la auto deminacion del pueblo sahrawi, alfonso lafarge,contramutis, 3/9/2019.
  • El sahara occidental, la grancuentapendiente de marruecos, el pais, 1/8/2019.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!