تحليل إخباري | هل تمهد وزارة الداخلية لسجن المواطنين بتهمة عدم المشاركة في الانتخابات؟

إعداد: سعيد الريحاني

لم تكذب وزارة الداخلية عشرات المقالات الصحفية التي تناسلت في الفترة الأخيرة التي تتحدث عن كون وزارة الداخلية شرعت في استطلاع رأي الأحزاب السياسية حول آلية إجبارية التصويت في انتخابات 2021، لمواجهة شبح العزوف الانتخابي، والذي تكرر في الانتخابات الأخيرة، ما يعطي الانطباع بأن الأمر يتعلق بـ”تسريب مخطط له”، وقد جاء في الأوراق التي بنيت على نفس القصاصة المنشورة في أحد المنابر المتفائلة والمدعومة، أن ((خطوة وزارة الداخلية تأتي بعد مبادرة عدد من الأحزاب للدعوة لاعتماد هذا القرار))، مشيرة إلى أنه ((سبق لحزبي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال أن اعتمدا مذكرات في الموضوع قبل انتخابات 2016، قبل أن ينضاف إليهما حزب جبهة القوى الديمقراطية)).

وانظروا لهذا التبرير الغريب، حيث يلجأ “مصدر من وزارة الداخلية” إلى تبرير قرار يفترض الإجماع الشعبي، برغبة حزب لا وجود له في البرلمان، هو حزب جبهة القوى الديمقراطية الذي تراجع بشكل كبير في الساحة السياسية، الأمر الذي يعني محاولة شرعنة القرار بإعطائه شهادة ميلاد حزبية، لكن إذا كان حزبا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال قد طرحا فكرة “إجبارية التصويت” سنة 2016، فلماذا رفضتها وزارة الداخلية، لتعود إليها سنة 2016؟

يؤكد القيادي الاستقلالي عادل بنحمزة، وهو واحد من الكفاءات التي لعبت دورا كبيرة في المرحلة السابقة(..)، في تصريح خص به “الأسبوع”، أن الحالات التي فرضت التصويت الإجباري عبر العالم، تبقى حالات شاذة، لا يتجاوز عددها 10 دول، وأغلبها من دول أمريكا اللاتينية، وبالإضافة إلى كونه يبدي عدم تحمسه للفكرة، فإنه يؤكد أيضا أن الحق في التصويت شأنه شأن باقي الحقوق المدنية، لا يمكن فرضه على المواطنين، ومعاقبتهم على عدم القيام به (يؤكد أن العقوبة ليست بالضرورة حبسية، ويعطي مثالا بالبرازيل التي تحرم الممتنعين عن المشاركة بحرمانهم من الحصول على جواز السفر).

نفس المصدر يعلق واثقا: ((أعتقد أن التركيز يجب أن يكون على إعادة الاعتبار للانتخابات وللمؤسسات التي تنتج عنها، فالمواطن المغربي عندما يقاطع الانتخابات، في الغالب يفعل ذلك كتعبير عن الشعور بعدم جدوى الانتخابات والمؤسسات التي تفرزها، وأنه سواء صوت أم لا، فإن ذلك لا يؤثر على الواقع، لهذا، فإذا كان الهدف هو استقطاب المواطنين للمشاركة في الانتخابات، فإن ذلك يجب أن يتم عبر منح ما يكفي من الاعتبار والجدوى للعملية الانتخابية، وجعل المؤسسات التي تنتج عنها من أصغر جماعة ترابية إلى البرلمان، تتمتع بما يكفي من المصداقية ومن السلطة في إطار ما يمنحه لها الدستور، مع إعادة النظر في القوانين التي تنظمها، وقبل الحديث عن “إجبارية التصويت”، نتساءل لماذا تم رفض التسجيل التلقائي للمواطنات والمواطنين في السجلات الانتخابية اعتمادا على البطاقة الوطنية؟ إن هذا الأمر يكشف تناقضا كبيرا في التعاطي مع ذات الظاهرة، فإذا كانت الرغبة بصدق هي استقطاب المواطنات والمواطنين للعملية الانتخابية والسياسية، فإنه من باب أولى، أن يتم التعاطي مع الحق في التصويت كحق أصيل لا يستدعي تسجيلا قبليا، بل تلقائيا، لكن مع الأسف عندما طرح ذلك سابقا، تم رفضه بشدة…)).

بنحمزة، يرى أيضا أن إجبار المواطنين على التصويت، بغض النظر عن الغاية من الدعاية له في هذا التوقيت بالذات، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها “التصويت العقابي”، ومن جهة أخرى، فهو يربط العملية بسياقها و((بكل تأكيد، لا أحد يختلف بأن الحق في التصويت هو من بين الحقوق المدنية الأصيلة المرتبطة بالحقوق السياسية وحقوق المواطنة، وليس خافيا أن هذا الحق كان مطلبا في سياقات سياسية وطنية ودولية مختلفة، إذ ارتبط هذا الحق بحجم التطور الديمقراطي في أي بلد، كما أن هذا الحق شهد في كثير من الدول، حتى تلك التي تعتبر ديمقراطية اليوم، نوعا من التمييز على أساس الجنس، حيث لم تحصل المرأة البلجيكية على حق التصويت سوى عند منتصف الأربعينات من القرن الماضي، إذن، بكل تأكيد لا يمكن لأحد أن ينفي عن الحق في التصويت بأنه حق غير قابل للمصادرة سوى عبر أحكام قضائية عندما تمس الحقوق المدنية والسياسية، لكن هل يجوز أن يفرض على الناس ممارسة هذا الحق؟ فكثير من الحقوق المدنية لا يمارسها الناس بالضرورة، ولا أحد يمكنه إجبارهم على ممارستها، لهذا هناك اختلاف على المستوى الدولي في التعاطي مع هذا الأمر، لكن الأمر الغالب دوليا، هو أن للمواطن الحق المطلق في التصرف في حقه في التصويت، لهذا نجد أن عدد الدول التي تفرض إجبارية التصويت، تبقى محدودة))، يقول بنحمزة.

بعيدا عن لغة السياسي وبلغة الحقوقي، يقول المصطفى كرين رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية: ((أنا لا أعرف أي أجندة تخريبية تعمل في إطارها هذه الأحزاب التي تريد فرض إجبارية التصويت على الناخبين المغاربة، ولكن إذا ما صح هذا الأمر، فإنه يعتبر بمثابة عملية تغسيل للأحزاب السياسية قبل عملية الدفن التي ستتم حتما في الانتخابات المقبلة، إذ أنني لا أستبعد في ظل حالة الاحتقان، أن ننتقل من العزوف الانتخابي إلى العصيان الانتخابي، وهو درجة أسوأ حتى من المقاطعة، لأنه يعني زيادة على عدم التصويت، عدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات)).

بخلاف مصدر وزارة الداخلية المشار إليه في بداية الموضوع، يرى كرين أن العزوف، هو ظاهرة سياسية واجتماعية تتحمل فيها الأحزاب مسؤولية عظمى، بل إنها السبب المباشر لهذا العزوف بعد فشلها في تمثيل المواطنين والتجاوب مع معاناتهم، واغتنت بشكل فاحش على حساب فقرهم وتناوبت في الكذب عليهم منذ عشرات السنين، لذلك، كان من الأجدر أن نلجأ إلى حل الأحزاب السياسية لفترة تستطيع فيها القوى الوطنية الحية إعادة بناء نفسها وفق برامج وهياكل بأطر قادرة على رفع تحدي الارتقاء بهذا البلد، يقول كرين.

بشكل حاسم، يعتقد رئيس المرصد الوطني للعدالة الاجتماعية أنه ((لا يمكن تبييض وجه الأحزاب وشرعنة الجرائم التي اقترفتها في حق هذ الشعب من خلال تحميل المواطن مسؤولية العزوف الانتخابي، بل لا يمكن حتى الذهاب إلى انتخابات أخرى قبل أن تقدم هذه الأحزاب الحساب سياسيا وحتى جنائيا عن جرائمها هذه لمدة عشرات السنين.. لكل هذا رفعنا منذ سنتين شعار: الأحزاب_لا تمثلنا، وها نحن نرفعه من جديد وبقوة أكبر)).

الدعوة إلى فرض “التصويت الإجباري” تعني عمليا معاقبة المواطنين على عدم المشاركة في الانتخابات، لكن هل يمكن سجن المواطنين لعدم مشاركتهم في الانتخابات؟ يبقى الجواب البديهي، هو استحالة تطبيق هذه العقوبة في بلد لم يستطع أن يعاقب حتى مخالفي مقتضيات مدونة السير، لكن مع ذلك، يبقى حل إشكالية “العزوف السياسي” ضروريا في المغرب، بغض النظر عن ضرورة الحسم في المشروع المجتمعي ككل، ومن خلاله النموذج التنموي، فـ((طيلة 20 سنة من حكم الملك محمد السادس، تحققت الكثير من المنجزات المفيدة للبلد، لكن ثمار التنمية خلال العشرين سنة الماضية، لم يستفد منها الجميع، وما نزال غير قادرين على خلق فرص عمل لشبابنا، وما تزال لدينا مناطق تعاني التهميش(..). بوسع المغاربة أن يفخروا بما تحقق، لكننا لا نستطيع تجاهل النواقص والاختلالات، ولكي نواصل التقدم، لا بد لنا من ضمان انسجام اجتماعي.. وهذا شرط أساسي)).. تصوروا أن هذا الكلام جاء على لسان مستشار ملكي، هو عمر عزيمان، في حوار مع وكالة “فرانس بريس” خلال شهر يوليوز الماضي.

هذا التقييم الجريء من طرف محيط الملك، والدعوة الملكية إلى تعديل الحكومة، والبحث عن الكفاءات التي تتطلبها المرحلة الجديدة بمبادرة ملكية للحد من “التفاوتات الصارخة” في المملكة، تم إفراغها ككل في محاولة لتغليط الرأي العام بفرض “التصويت الإجباري”، فما علاقة التصويت الإجباري بالكفاءات والمرحلة الجديدة، التي تتميز بالتطلعات نحو الحرية، أليست هذه الدعوة دعوة صريحة إلى التخلف للوراء(..) بمبرر العزوف السياسي؟

يذكر أن العزوف السياسي، وأحد عناوينه هو العزوف الانتخابي، لطالما شغل الرأي العام، وهو ظاهرة مرتبطة بعدم جدوى المشاركة السياسية، الأمر الذي ينطوي على خطورة كبيرة، و((تكمن خطورة العزوف السياسي بالأساس، في أنها تتناقض مع الديمقراطية، ذلك أن روح الديمقراطية هي المشاركة السياسية، وكلما توسعت نسبة المشاركة وتوسعت المكونات المنخرطة في العملية السياسية، كلما كانت روحها مشتعلة، وكلما تم إقصاء مكونات معينة عن الدخول في المجال السياسي، أو كانت العملية السياسية شكلية أو غير ذات مصداقية، إلا وكانت نسبة المشاركة والاهتمام بالعملية السياسية ضعيفا))، وتابع: ((الناس تشارك حين ترى أن هناك نفعا يعود عليهم، والعكس يدفعهم للعزوف، لأن المواطن يطرح سؤال جدوى المشاركة في مسار يعيد إنتاج نفس الواقع)) (المصدر: الباحث بلال التليدي).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!