في الأكشاك هذا الأسبوع

فاجعة تزيرت.. فشل منظومة الرصد واليقظة

عبد الله النملي. الأسبوع

دقائق معدودة كانت كافية لتحويل مباراة في كرة القدم إلى فاجعة حقيقية ببلدة إمي نتيارت نواحي تارودانت، بعدما داهمت السيول الجارفة القادمة من مرتفعات الأطلس ملعب “تزيرت” لكرة القدم بدوار أيت نضيف، حيث أودت بحياة ثمانية أشخاص وجرح آخرين.

الحادث الذي وثقته الهواتف النقالة، وجرى تقاسمه على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبثته كبريات المحطات الفضائية العالمية، شكل صدمة واسعة للمواطنين الذين استنكروا ترخيص السلطات المحلية لإنشاء ملعب لكرة القدم في مجرى الوادي، ولازالت الأسر المكلومة تلملم جراحها إثر هذه الكارثة الطبيعية، ولازالت نشرات الأخبار تتداول أرقام الضحايا ومعطيات المفقودين وكذا عدد المنكوبين واستمرار حالة الهلع، ويبدو أن السلطات المحلية ترفض الاعتبار من كل الكوارث التي ضربت مختلف قرى ومدن المغرب بسبب عدم احترام مقاييس البناء، أو إنجاز بعضها على أراض غير صالحة تماما، والدليل، أن بعض المشاريع لا تزال تجسد على مستوى الأودية والأنهار، نتيجة أخطاء التوسع العمراني الذي يزحف على مجال غير مجاله، وعدم مراعاة المجاري الطبيعية للوديان في تصاميم التهيئة، وعدم احترام مسافة الأمان من الأنهار، رغم تحذيرات الخبراء ومكاتب الدراسات، ما يجعل شبح الموت يتربص بآلاف المغاربة.

واعتبرت “الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان”، أن سبب فاجعة ملعب “تزيرت”، يعود إلى فشل النظام الذي أحدثته كتابة الدولة المكلفة بالماء ووزارة الداخلية سنة 2018، حول اليقظة الرصدية، والذي كان من أهدافه التحذير من الظواهر الجوية والبحرية القصوى، وقالت الرابطة في بلاغ لها: “إن الحكومة اعتبرت أن هذا النظام سيتيح إمكانية اتخاذ قرارات استباقية لفائدة المواطنين، وكافة مستعملي المعلومة الرصدية، من أجل التصدي للظواهر الطبيعية كالأمطار الغزيرة، والرياح القوية، والتساقطات الثلجية، وموجات الحر، والبرد والأمواج العاتية”، واستغربت الرابطة عدم فعالية ما أسمته “الكم الهائل من البرامج والدراسات والبحوث، واللجان الوطنية والإقليمية التي ترتبط بتدبير الكوارث الطبيعية”، مطالبة بـ”التحقيق في مدى تكوينها وعلى مدى استعدادها، وعلى مدى إمكانياتها البشرية واللوجستيكية، وعلى مدى سرعة تفاعلها مع الأحداث، وعن الميزانيات الضخمة المرصودة لها”.

وعلى إثر هذه الفاجعة، طالبت الرابطة، بـ”إنشاء مكتب وطني مستقل لتدبير ورصد الكوارث الوطنية وتطوير مصالح الوقاية المدنية بالمغرب”.

وأمام هول فاجعة تارودانت، وما خلفته الفيضانات من ضحايا وخسائر فادحة، وترك الساكنة تواجه مصيرها، اعتبرت بعض الدوائر الفيضانات الأخيرة قوة قاهرة، جعلتها تتحرك متأخرة وبوسائل بدائية، الأمر الذي خلف استياءا عميقا لدى الجميع، والحال أن الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العامة مسؤولة عن أضرار الفيضانات، بالنظر لكونها لا تعتبر قوة قاهرة، لأنها كانت متوقعة، حيث كانت هناك نشرة للأحوال الجوية، صادرة عن مديرية الأرصاد الجوية تقول إن المناطق المتضررة ستشهد هطول زخات رعدية قوية تعقبها سيول، لكن السلطات لم تخبر المواطنين باحتمال وقوع فيضانات، يشهد على ذلك فيديوهات توثق تواجد عناصر من القوات المساعدة بمحاذاة الملعب الذي شهد الفاجعة، دون قيامهم بإشعار المواطنين بالخطر المحدق بهم، خاصة أنه كان من الممكن تفادي سقوط أرواح بشرية من قبل السلطات، لو أنها فعلت وسائل الإنذار مع إخلاء السكان من أماكن الوديان، وهذه الالتزامات ليست مستحيلة، كما أن عدم قيام الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العامة بذلك، كل في ما يخصه، يجعلهم في حكم المرتكب لخطـإ جسيم، وهذا التوجه هو الذي سار فيه حكم المحكمة الإدارية بالرباط الذي جاء فيه: ((وحيث أن السياسات الوقائية يجب أن تشكل أساس تدخل الدولة في مجال إنجاز البنية التحتية والتهيئة القروية الفلاحية المائية، ولاسيما بناء سدود أو قنوات كبيرة لصرف المياه، وذلك بهدف الحماية الدائمة للسكان والمراكز والأنشطة الاقتصادية والفلاحية الموجودة في المناطق المهددة بالفيضانات، وحيث أن الأمطار الغزيرة والاستثنائية المسببة للفيضان، لا تشمل قوة قاهرة، وإنما قرينة على ترتب المسؤولية، لكون وقوعها من الأمور المتوقعة وليست قوة قاهرة أو سببا أجنبيا للإعفاء من المسؤولية))، وعليه، فإن الجماعة ملزمة بتعويض عائلة الضحايا بسبب إحداث ملعب في مكان غير آمن ومعرض للخطر، والحكومة مدعوة لاعتبار فيضانات تارودانت واقعة كارثية وتعويض الضحايا بواسطة صندوق التضامن الذي يوجد تحت وصاية وزارة المالية، خاصة وأن المغرب يتوفر على المخطط الوطني للوقاية من الفيضانات منذ سنة 2002، وقد كشف هذا المخطط عن 391 موقعا مهددا بخطر الفيضانات، وحوالي 90 موقعا في حالة حرجة تستدعي التدخل العاجل لحماية السكان وممتلكاتهم، ومن الخلاصات التي خرج بها المخطط، أن 94 % من الفيضانات ناتجة عن تعمير غير منظم، وأن 50 % من الفيضانات هي نتيجة لسوء التحكم في نظام جريان لعدد من الأودية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box