ملف الأسبوع | مخطط داخلي يخلط بين معتقلي حراك الريف و”إكديم إزيك” لمواجهة الانفصال في المملكة وإعادة توصيف مشكل الصحراء

إعداد: عبد الحميد العوني

تلاءمت الضغوط الممنهجة بين مخطط داخلي يخلط الأوراق بين حراك الريف ومشكلة الصحراء، من خلال معتقلي حراك الريف وأحداث مخيم “إكديم إيزيك”، لمواجهة توجهات الانفصال في المملكة، وآخر خارجي، نجحت بموجبه العاصمة مدريد في فصل سبتة ومليلية المحتلتين عن “إقليم الريف التاريخي”، بعد تكريس فصلهما عن المغرب في المخططات الأمنية لمحاربة الهجرة السرية الممولة بفعل الحراك بـ 32 مليون دولار من الداخلية الإسبانية، كي يتأكد أن ما يجري بشمال المغرب، من ميزانية داخلية، وتابعة لوزارة في المملكة الإيبيرية؟

وأيضا قول وزير الخارجية الهولندي: “لن نعارض اعتقال حاملي الجنسية الهولندية في المغرب بسبب الحراك”، وهو ما يدعو إلى التنازل عن الجنسية المغربية، ليسمع العالم الصدى، ويأتي رد الفعل من سجن فاس بتنازل الزفزافي ورفاقه عن جنسيتهم وإسقاط رابط البيعة مع الملك.

إن تحويل الريف إلى “كاتالونيا” المغرب، في نظر بعض الغربيين، والمعتقلين على خلفية أحداث “إكديم إزيك” أو حراك الريف إلى انفصاليين، هو سيناريو يقره الأمريكيون عبر “السي. آي. إي”، ومدعوم من فرنسا التي لم تسمح بتوسيع حراك الريف إلى حراك ديمقراطي يشمل باقي الأقاليم المغربية رغم رغبة اليسار الموحد وجماعة “العدل والإحسان” في هذا السيناريو.

 وحاربت المخابرات الهولندية (12535) تحويلا ماليا صغيرا ومتوسطا، لوقف دينامية الاحتجاج شمال المغرب خوفا من نقله إلى سبتة ومليلية، وباقي الريف التاريخي، وأوقفت المخابرات الإسبانية لجوء الريفيين أو هجرتهم إلى ترابها بـ 88 في المائة، وهذه الخطوات زادت راديكاليتها عبر دول الجوار الرافضة لسيناريو مماثل لخروج الجزائريين إلى الشارع في المغرب، خصوصا وأن الجيش في الجزائر لا يريد الدخول في فترة انتقالية ضبابية أو تعديل الدستور على الطريقة السودانية، لكن العاصمة الرباط في نظر “السي. آي. إي” دخلت في “روليت” يسعى إلى فصل جديد بين السيناريو “الكرومانيودي” الذي ينتمي إليه أمازيغ المملكة، لقولهم أنهم “جنس وعرق” غير مغربي، وأن المغرب لفظ عربي يجب تمزيغه؟ وبين سيناريو الفوضى، عندما نجد مغاربة يرفضون بيعة الملك وجنسية بلادهم، فكانت القفزة بما يتجاوز كل الراديكاليات التي عرفها المغرب منذ الاستقلال.

—————————–

+ تفاصيل أزمة غير مسبوقة

عرف الجميع أن عقدة ملف الريف ليست في نشطائه، بعد إفراج 42 في المائة منهم، بل في قادة حراكه، بعد أن أرسل القصر رسالة واضحة لاستقباله الجنرال الوراق، الرجل الثاني في الجيش، بالحسيمة الرافضة للعسكرة، وتجاوز الملف المطلبي ليوم 3/5/2017، ونقل الاتحاد الاشتراكي، الطرف المدني في مواجهة معتقلي حراك الريف، من المحاكم إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وبهذا الامتداد إلى مؤسسات الوساطة، حصر المندوب الوزاري لحقوق الإنسان، شوقي بنيوب، مسطرة العفو في شخص الملك.

وسحب أي دور للبرلمان في هذه التسوية، دفع إلى عودة “الأصولية المخزنية” بنفس القدر الذي عادت فيه الديناميات الداخلية للمغرب إلى “أصولياتها بشكل سافر” يهدد البلد بمقدمات حرب أهلية.

لقد أثبت حراك الريف فشل النموذج التنموي الحالي، قبل أن يتأكد “فشل التحديث الذي يقوده القصر”(1) كما نشرت وسائل إعلام إسبانية، خصوصا وأن بناء طبقة وسطى في العالم القروي، وعبر إعادة توزيع أراضي الجموع التي لم تمس منذ 1919، لم ينجح، وهي خطوة تجعل أي فشل لهذا المخطط، فشلا للدولة، وقد اعترف الخطابان الملكيان الأخيران بخطورة استمرار انهيار الطبقة الوسطى، معلنا إنشاء لجنة لتحديد النموذج التنموي القادم.

وإن كان حراك الريف يرفض الأحزاب أو “الدكاكين السياسية” حسب شعاراته، وهو اصطلاح عالم الاجتماع، الاتحادي المرحوم محمد جسوس، فإن إعادة كل الأوراق إلى الملك، ليست لعبة الموالين، بل المعارضين أيضا، بما يثقل ويكشف السلطات التنفيذية والشمولية للقصر، ورفض الجنسية، هو محاولة لتجاوز معادلة “القصر جيد والطبقة السياسية غير جيدة” كما كتبت منية بناني الشرايبي.

لقد انفلت ملف الريف من القصر، ولا يمكن الاستمرار في هذه اللعبة القائمة والتي جعلت الانتفاضات في حقيقتها أزمة مياه، لا يمكن أن تكون معلنة لزراعة الحشيش في الشمال، وهي متواصلة في زاكورة وجرادة، رغم محاولة فصل كل حراكات المملكة عن حراك الريف، وتدفع الدولة فاتورة “أن يكون هذا الحراك استثنائيا”.

لقد أتقنت الرباط تسويق المشكلة ولم تتقن البحث عن الحل، بفعل “العناد” الذي مارسه الطرفان إلى حد بعيد وبشكل غير عقلاني، يتقدمه الخوف من “جمهورية الريف لعبد الكريم الخطابي” بين سنة 1921 و1927، ولم يتصالح القصر مع هذا التاريخ، إذ رفض عودة رفات أميرها (ولم يستخدم لفظ رئيسها في كل الوثائق) من دولة مصر، أو تمويل عمل سينمائي حول هذه الشخصية، كما فعل القذافي مع عمر المختار، يقول والد الزفزافي.

إن محاولة الملكية السيطرة على كل بنيات الذاكرة الجماعية في عهد الحسن الثاني، فكرة محورية حاليا، ومحاولة تصوير حراك الزفزافي بأنه “امتداد لجمهورية الخطابي”، هو جزء من الانغلاق الظاهر على دوائر القرار، وقد تجاوز حراك الريف سقف الجمهورية والملكية في الصراع، إلى تكريس وعي أممي أو محلي شوفيني جامح يؤكد أن الذين طالبوا بإسقاط الجنسية المغربية عن حالتهم، يريدون الريف “هوية دولة”، وأن الوضع خرج عن السيطرة، نحو نضال شعوب المغرب من خلال الصحراء والريف، وهو تحول بحد ذاته، منذ بداية الاستقلال، وهذا المنزلق لم ترغب الصقور في صفوف النظام في تجاوزه، بل تمسكوا بالمزيد من “التشدد والتصلب”.

لم يعد “الحكم الذاتي” و”الجمهورية” خيارا مقبولا بعد انقلاب حكومة مودي في الهند على الإدارة الذاتية لكشمير، لذلك، فالتصعيد المناطقي والاستقلالات الجهوية، جزء نافذ من الأزمة المتصاعدة في العالم، وفي داخل المملكة، من المواجهة المزدوجة لما يسمى “الأغلبية”، فالأغلبية في الشارع التي ناصرت الزفزافي، واجهتها الأغلبية الحزبية التي تقود الحكومة، ولم يكن من بد للموالاة سوى نعت الأغلبية التي تنازعها في الشارع بـ “الانفصال”.

لا شيء يوضح “المرونة” لدى الطرفين المتقابلين، والسباق حول “الوطنية المغربية” انزلق إلى راديكالية تقودها السياسات الرسمية ومعارضيها على “طرفي نقيض”، كما قالت رسالة المعتقلين إلى الرأي العام، فقد أنهى الحراك قيادة الريفيين لحزب الدولة (الأصالة والمعاصرة) من إلياس العماري إلى حكيم بنشماس، وكاد أن ينهي قيادة الريفيين، في شخص لفتيت، لوزارة الداخلية، وبعض الدوائر الحساسة لمواجهة المعارضين من هذا الإقليم، لكن المسألة تحولت إلى تطرف في السياسات والمواقف، وسيزيد ثمن ما يسمى بـ”تطرف الدولة”، لأن خسائر منهج المصالحة، أقل من مواصلة تصعيد الخطاب الراديكالي بين الدولة والمجتمع.

وقد ينحرف ما تدعوه مريم كاتوس: “السحر الدفين للمجتمع المدني”(2) في مجتمع غير عادل، يعرف عدم توازن في توزيع الثروة، بما يؤدي إلى تكوين فريق أو لوبي معدل (قابل للتعديل) وضيق الأفق، ولا تخرج الحكومة عن هذا التموقع.

 

+ هل نعيش انحراف الدولة ؟

إن الدولة التي لا تستطيع محاربة الفساد، لا تتمكن من بناء نموذجها التنموي، بعد تركيز الجيل الجديد من الاحتجاجات على رفض “السياسوية” التي رفضها نظام ما بعد الحسن الثاني، فاقترن الوضع بفهم عميق لرهان واحد: توزيع الثروة، لذلك، فرفض “السياسوية” ليس انحرافا مجتمعيا، بل تجاوز لمشكل الصراع حول طبيعة النظام، والانتقال إلى مقاومة سياسته الريعية، المبنية على الولاء.

وحاليا، يدعو التصور الملكي إلى تعديل الحكومة وتشكيلها من كفاءات، والتركيز على التكوين، في أسلاك التخرج بالنسبة للشباب، بما فيها التجنيد الإجباري في صفوف الجيش المغربي.

إن ما يحدث، هو صراع في التموقع بين منظومة قيم محافظة تدعي الحداثة، وأخرى حداثية براغماتية لا تؤمن بالليبرالية السياسية، وتؤمن بالتوحش التجاري.

لم يعد للنظام حقل المناورة التقليدي، ولم يتمكن من بناء مناورة جديدة، فالتفكيك يصيب حزب الدولة، ونموذجها التنموي، وأيضا باقي تفاصيل سياستها، ومن الثابت في تقرير للكونغريس، أن التحدي الاقتصادي في المغرب، يساوي “تحدي الإرهاب”(3)، وإن تمكن المغرب من تجاوز “الضربات العنيفة” ضد مؤسساته، فإن تحدي انحراف الدولة بتوسيع الفجوة الطبقية، والفجوة المجالية بين الجهات، قد يؤدي إلى رد فعل مجتمعي متمثل في الهجرة، وخسارة بناء جسور مع مغاربة العالم، لأن المغاربة الشباب، يريدون أن يتحولوا ويعيشوا في الغرب ويزوروا بلادهم في العطل.

إن رؤية “ديكنانتو” في الوثيقة “إ. س” في “ويكيليكس” برقم 21937، تؤكد أن تحدي التنمية المجالية المستدامة وتحويل الليبرالية السياسية إلى رؤية دولة، هما الدعامتان الحقيقيتان للفعل المجتمعي كي لا تنحرف الدولة، بانبثاق مغرب جديد لا يمكن تقديره بدون إصلاح سياسي، إلى جانب الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي تواجه 55 اتفاقا تجاريا مع الخارج.

وبين إطلاق نموذج استثماري مغربي جديد ودعوى “نموذج مجتمعي جديد” يفرض شراكة جديدة على مستوى توزيع الثروة، تظهر رهانات المملكة أكثر تعقيدا، لأن طبقتها الحاكمة الريعية لا تريد دفع ثمن التحول، فما يحدث، أن الفشل في حزب الدولة يؤشر إلى مساس مباشر بـ”اللوبي”، لأن الجدار السياسي لحماية الريع، انتهى.

وقد اقترح الأمريكيون في 2008 على العاصمة الرباط البدء بإقرار “باراديغم” جديد أصبح حديث الحراك في الشارع منذ حراك 20 فبراير 2011 وإلى الحراك الأخير في منطقة الريف، ومن العجيب أن يرد المغرب على اقتراح واشنطن بإنشاء حزب الأصالة والمعاصرة، طبقا لبرقيات “ويكيليكس”(4).

من جهة، فإن ديناميكية المناخ الاستثماري لم تتطور إلى ديناميكية تنموية عادلة مستدامة وفاعلة، وأن الفجوة بلغت 350 في المائة بين تحرك الديناميكيتين، فيما وصل العجز إلى عدم خلق 440 ألف منصب شغل (ناقص 80 في المائة)، وهو رقم قياسي مع احتساب المهن “القليلة الأجر”، وإن كانت كثيرة الإنتاج، أو لديها طلب اجتماعي واضح.

المغرب، بجملة موحية في التقرير السري، يزيد صفيحة شمسية لإنتاج الطاقة الكهربائية بدلا عن خلق فرصة شغل للشباب، و34 ألف صفيحة عوض 34 ألف وظيفة، هي رأس الجليد في هذه الأزمة المستفحلة، تضيف الفقرة الخامسة من التقرير.

من جهة أخرى، فخلق موجة من الإجراءات المسماة “إصلاحات” مالية قضت بإنتاج مركز قاري في شمال إفريقيا مع 11 متطلبا، لم يكن فعالا منذ سنة 1990 في مدينة الدار البيضاء، لأن الدولة تمول “مهمات القطاع الخاص” وحدها، وبمال الشعب.

إن الحالة مربكة إلى حد بعيد، يتأكد معها انحراف الدولة عن مهامها، لأن تحويل الدولة إلى شركة يتطلب أن تكون مجهولة الاسم، وقد عدل رجل الأعمال ترامب في رئاسته لبلاده، بشكل واسع، السياسة الاقتصادية، لكن عوض أن يرى الاقتصاد الأمريكي شركة محدودة، رآها هولدينغ يحمي مصالح الولايات المتحدة مباشرة.

إن أمريكا تتجه إلى الحمائية، رغم استفادتها الكبيرة من العولمة، والمغرب يتطرف في الانفتاح إلى 55 اتفاق شراكة، دون ضبط التحديات الناتجة عن عجوزات الميزان التجاري، لذلك، فما يجري، يصل إلى درجة مأزومة لا يمكن معها صنع المستقبل.

وانطلاقا من تراجع “المخطط الأخضر” المعول أن يخلق مليونا ونصف المليون وظيفة، وباستثمار سنوي يصل إلى مليارين من الدولارات، يكتشف الجميع أن المخطط غير مندمج، ولم يتمكن من إنقاذ النموذج التنموي المنبثق عنه.

يقول التقرير المتابع، أن اللجوء إلى التجنيد الإجباري لإنتاج توازن في فئة الشباب بين المؤيدين والمعارضين، هو إعادة تقدير أدى إلى وضع هذه الفئة داخل انقسام شديد قد يجبر التوازنات الاجتماعية الحالية إلى المزيد من الاضطرابات، إن أتم الشباب تجنيده وخرج من الثكنات.

وتمكين دوائر القرار من مهلة زمنية، هو ما يشكل الجزء الصلب من المعادلة التي لا تقبل سوى النجاح، وبالتالي، فإن إعادة تدوير الأزمة، هو الحل المعروف والمرفوض في نفس الآن.

وبناء على التوصيف الذي تمارسه كل المؤسسات، فإن الرسميين يساعدون في هذا المنحى دون المساهمة في إنتاج الحلول.

 

+ فشل “الدمقرطة”و”اللبرلة” مع أول حكومة للمعارضة في فبراير 1998

يشير تقرير الكونغريس، المحرر من طرف كارول سيكدالوفيتر، من قسم الشؤون الخارجية والدفاع الوطني، إلى أن عدم إتمام حكومة اليوسفي لمهامها أو إفشال إصلاحاتها، سيكون كارثيا في 2020، لأن النموذج التنموي المغربي إما أن يتغير بطريقة سلسة أو يتدخل الشارع لإنشاء نموذج جديد، وأي التفاف، سيؤزم الوضع بشكل واسع.

ومرة ثانية، تفشل الليبرالية القصوى مع حكومة بن كيران، ذي المرجعية الإسلامية، إلى حدود يمكن معها القول: إن النموذج الذي لم يتمكن من استيعاب الإصلاحات الاشتراكية والإسلامية الليبرالية، لن يكون قادرا على استيعاب مطالب الشارع الاجتماعية والاقتصادية، يتقدمها توزيع الثروة.

وفي ظل الفشل المزدوج لإصلاحات الاشتراكيين والإسلاميين الليبراليين، فإن لا أحد منهم تمكن في رئاسته للحكومة من تدبير الإدارة العمومية، أو تحصين قراراته، وبالتالي، سيكون الوضع في المستقبل مختلفا لما حدث، إذ لا تجديد في المناورة، وأيضا على صعيد بناء الحلول التي ينفرد بها القصر.

ويحاصر معتقلو حراك الريف بيئة العمل المألوف في دوائر الدولة والحكومة، من خلال مطالبهم بإسقاط الجنسية المغربية، فيكون فشل الحكومات مزدوجا من الطرفين: الملك والشعب، لكن تأكيد الفشل في النموذج التنموي الحالي، يستتبعه الفشل في مكملاته السياسية والحزبية، لذلك، فإن محاولة إنتاج “خطة عمل” خارج الحكومة، وتحت إشراف القصر، هي مناورة أخرى في تطور الأزمة.

يقول التقرير بلغة صادمة: إن عدم إتمام حكومات المعارضة في المغرب لبرامج أحزابها، هو إقرار بأن المغاربة سيهاجرون، وبطريقة انتحارية، ستكون اللعبة السياسية متطرفة ضد معارضيها.

وحاليا، ومن داخل اللعبة، يتطابق الاشتراكي والإسلامي والليبرالي ضد “الحراكيين”، من حراك 20 فبراير 2011 وإلى حراك الريف.

وتحول القرار المحلي عن طريق سياسة القرب إلى وزارة الداخلية، التي استعادت قوتها بـ 20 في المائة رغم وجود “نظام جهوي، لامركزي”.

ويكون “الشيء المحلي”(5)، هو القادر على تأطير لعبة شديدة التعقيد، فرأي الكونغريس تحت الرقم 245 لـ 9 نونبر 1997 يقول أن حكومة اليوسفي داعمة لإجراء الاستفتاء في الصحراء، وأن تغيير موقف القصر دفع إلى تنصيب حكومة التكنوقراطي جطو.

وأيا يكن السبب المباشر لإبعاد اليوسفي وإبعاد بن كيران عن حكومة ثانية، فإن المنهجية الديمقراطية لم تكن صارمة في كل الأحوال، وتذهب تقديرات أخرى:

1) إلى عدم وضوح الرؤية الاقتصادية، مما دفع الليبرالية المغربية إلى التوحش.

2) عدم إدماج الشباب في دائرة القرار المحلي، الجهوي والمركزي.

ومن ثم، فإن الرغبة في إعادة تقدير الوضع العام يذهب أبعد في:

1) زيادة الانتحار، بما فيه الانتحار السياسي، وهو ما يعرقله الإيمان المسلم والتقليد المغربي.

2) رفض التقليد السلطاني أو المخزني، ولأول مرة، يتجاوز “الحراكيون” العدليين المعروفين بمعارضتهم لإمارة المومنين، برفض “رابط” البيعة.

وهو ما شكل عند الملكيين المغاربة، صدمة إضافية، لأن المسألة لا تتعلق بالعلم الوطني أو توجيه الخطاب إلى السلطات العليا، بل إلى نقض ما يجمع بين العرش والشعب.

 

+ نقض رابط البيعة في ثورة الملك والشعب

كان الزمن مدروسا عند الزفزافي ورفاقه، وجاء ردا على عدم العفو عنه بدون شروط، فانتهى الأمر إلى نقض البيعة والتنازل عن الجنسية المغربية.

ولا يمكن الإبقاء على جنسية من رفضها، ولذلك، فالدخول في الإجراءات القضائية يجعل:

1) ناشطي حراك الريف ضحايا مزدوجين، لأنهم تحت الإكراه البدني.

2) عدم الاستجابة لطلبهم، فيه صعوبة، وقد يجعلهم تحت الإكراه النفسي.

وما يحدث، هو مأزق مركب للدولة، ومأزق لمفهوم المواطنة، الذي بدأ برفض الجنسية، وسيكون هذا المطلب معرقلا لتحولات منها:

1) أن بناء جسم منتخب للجهة، في النظام الجهوي، أصبح مستبعدا، عكس ما اقترحته اللجنة الاستشارية التي رأسها المستشار الملكي عمر عزيمان.

2) المظاهرات السلمية في الشارع لم تعد جزءا من إدارة الوضع المحلي.

3) أن الحكم اللامركزي أصبح درعا وقائيا مجمدا، لأن السلطات المنتخبة والوسيطة فشلت في إدارة التفاوض الاجتماعي، ونقل النظام الثقل إلى المؤسسات الوسيطة، وفي اتفاق 25 أبريل إلى النقابات، لإعادتها إلى المشهد، لكن الوضع تجاوز بشكل كامل كل اللعبة التقليدية، وبالتالي، فإن الزفزافي يضرب في مقولات جامعة: أن المغرب أمازيغي، ويتجاوز إسقاط الجنسية، وفي هذا الاعتبار، فالنشطاء الريفيون بالنتيجة ليسوا مغاربة حال إسقاط الجنسية عنهم، وهذه الخطوة الراديكالية تجعل الدولة في حال الاستجابة أو رفض الاستجابة لما طلب منها، في مأزق نادر، وتقديم الريف على الأمازيغية تصدع داخلي سيعاني منه الأمازيغ، داخل المغرب، بعد دعوى مطابقة الدولة والمجتمع الأمازيغيين للدولة والمجتمع المغربيين.

والقدرة الجديدة على فصل الريفيين عن المغرب، هي رؤية ليست خطوة معزولة من طرف الزفزافي ورفاقه، لذلك فإن:

1) ترسيم اللغة الأمازيغية، تصدمها دعوة أمازيغ معتقلين إلى سحب الجنسية.

2) الكيان الأمازيغي في شمال المغرب، لم يظهر إلا بعد الاعتقالات في حراك الريف.

3) الصدام مع ذاكرة الخطابي، أفشل خيار المصالحة الذي تبنته الهيئة التي أسسها الملك.

ومن خلال هذه القدرة، لم يعد للدولة ملجأ إلا “المقاربة الأمنية”، فيما الأمازيغ عاد خيارهم هو الانتصار للهوية خارج إطار الدولة الحالية، وهو ما يضع المغرب في مقابل أمازيغييه مستقبلا، وسيكون عمقه سوسيا، في مقابل الصحراء على صعيد الجغرافيا، جنوبا، وفي مقابل الشمال، من خلال الهوية، لأنها غطت بشكل كامل محاكمة الزفزافي، و200 معتقل آخر، لوقف حراك شمال المملكة.

وإقليميا، ينعزل الأمازيغ بشكل قاس في ليبيا، وفي الجزائر، بعد تجاوز “رمزية” العلم الأمازيغي في حراك عزل الرئيس بوتفليقة، وفي المغرب بسبب مطالب أمازيغ معتقلين بإسقاط الجنسية عنهم، لذلك، فقراءة الأمريكيين تؤكد أن الأمازيغ يكررون دورهم التاريخي بشأن الانكفاء لضمان الاستمرارية، ولا خيار لأي انتحار سياسي للجماعة الأمازيغية أو أفرادها.

ويذكر هؤلاء، أن ما يحدث حاليا من توسيع لتدريس الأمازيغية، وفرنسة التعليم، يمتص أي رد عنيف من هذه الفئة، لكنها تكرس بعدا جديدا عبر توسيع:

1) السيناريو العرقي (الكرومانيودي) أو الجنس البربري بتعبير كارلتون سكون، وهي منتشرة في أوساط الحراك من تبني الإسلام الذي يضمن لهذا الشعب هويته ولغته وكيانه.

2) السيناريو الجغرافي – السياسي (الجيو سياسي)، إذ لم نر إعادة تقدير منطقة الريف ككيان مستقل من جمهورية عبد الكريم الخطابي إلى حراك الريف.

3) السيناريو السياسي، إذ الحراك غير وجهة التظاهر من نموذجه التعددي الحزبي، كقيمة مضافة له، وقد أبان عن أزمة في صناعة الأفكار والبرامج إلى أزمة أخرى في نموذجه التنموي واعترفت دوائر القرار بهذا الفشل.

والانتقال إلى تفعيل الأبعاد الثلاثة على الأرض، هو “تحدي” كامل بالنسبة للحكم، وهو ما يؤكده التقرير الأخير للكونغريس الأمريكي حول المغرب، لقوله أن مشكل الأمازيغية تحول إلى مشكل بين أطراف الدولة المغربية والنخبة، لم تحسم ولم تنجح في خيار الجهوية، واعتماد المملكة على اللامركزية واللاتمركز في ظل تركيز الثروة في فئة محدودة، ميكروسكوبية، هو رهان لا يجد مدلوله الواقعي.

ويذهب الخطاب الرسمي إلى رفع “نبرة” الانتقاد أيضا، لكن القرار مرجعي، ويعود بحكم الإرادة لا غير، إلا إطلاق معتقل ورفض العفو عن آخر.

وخلق هذا البعد النفسي أزمة متواصلة بين أحفاد جمهورية معلنة قبل قرن في منطقة الريف، وبين أحفاد عرش يحكم المغرب من القرن السابع عشر، وستدفع المنطقة ثمنا غاليا إن لم تتمكن الأطراف من الوصول إلى تسوية.

 

+ كيف تنبأ الأمريكيون بسعي الزفزافي ورفاقه إلى إسقاط الجنسية المغربية ؟

إن البرقيات السرية لـ”08 الرباط 398، 08 الرباط 400 و 08 الرباط 422″ حول مصادر التطرف، تأتي من السجون المغربية، وأن “السجين” يتحول إلى متطرف، ويمكن أن ينتهي بإسقاط الجنسية المغربية، ليس فقط للالتحاق بـ”دولة الخلافة” – كما في حالة داعش – بل أيضا للإجابة عن الرغبة في إنشاء دول عرقية في المنطقة عبر مناضلين وحراكات مدنية، ولذلك، فإن حراك الريف الذي انتهى بإسقاط الجنسية عن مناضليه في سجون المملكة لا يخرج عن 10 نقط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يؤكد أن المزيد من عدم التسوية، إيذان بالاستثمار أكثر في التطرف (العرقي أو الديني) أو هما معا، بدءا من حالة البشتون في أفغانستان شرقا وإلى الريف المغربي غربا.

ويجري مستقبل الإقليم الريفي على سكة معادلتين:

– الإسبانية، التي يكرس المغرب عمليا وترابيا وأمنيا تدبيرها لمدينتي سبتة ومليلية.

– الجزائرية، لمحاصرة قايد صالح مطالب الأمازيغ في تيزي وزو، برفع نبرة الخطاب الوطني، وضرب ما يسميه أذناب الخارج بكل أشكالهم.

وفي مواصلة المغرب التضييق على الحركات الاجتماعية، وفصلها عن التي لها أبعاد أخرى، فضلت دوائر القرار إطلاق كل مناضلي جرادة من السجون، تماشيا مع قربهم الجغرافي من الجزائر التي تسامح المتظاهرين، ولأن أي وصل بين الاحتجاجات في المغرب والجزائر، حالة ممكنة، إن تقدمت الأمور إلى مدن الحدود مع الجارة الشرقية.

وتبعا لسياقات الانفصال – الديني والعرقي – المرتفع في المنطقة، فإن الولايات المتحدة نصحت بعدم توتير المواجهة مع حراك الريف، والدعوة إلى التسوية قبل منع مظاهرات الحسيمة.

ويشير تقرير من برقية أخيرة: أن التسوية مع الزفزافي، لم يكن مرحب بها، وأن رفض الوساطات دفع إلى تبني هذه الخطوة، وهو ما يعيد الريف إلى عزلته التاريخية من عشرينات القرن الماضي، بعيدا عن التسوية الثقافية المنجزة بخصوص لغة الأمازيغ وثقافتهم، إلى جانب التسوية الترابية.

ويكاد استحضار الجانب العسكري أن يكون قويا، لأن ظهير العسكرة لم يكن موجها للساكنة، وإنما أيضا للجارة الإيبيرية في سبتة ومليلية.

وفعلا، تذهب التطورات إلى ما يشبه الأزمة التي خرج فيها علي الهمة من وزارة الداخلية لرئاسة حزب قبل أن يعين مستشارا للملك، فور تراجع حراك 20 فبراير، ويقود من داخل القصر، انعكاسات حراك الريف، وقد عقده بشكل كبير دخول الملف إلى المحاكم.

وحاليا، يناقش الجميع أزمة انتقال آخر من داخل آلية الحكم، لأن 3 سيناريوهات تخلى عنها الملك، ويريد أن يشكل لجنة للنموذج التنموي على غرار لجنة الجهوية، ولجنة تعديل الدستور، لكن النتائج لا تؤسس للحل، فالمشكلة ليست هي المزيد من الوقت، لأن القدرة على معرفة النتائج على المدى المتوسط، تسيطر على الأجواء العامة.

لقد خلق المغرب من داخل النخب الأمازيغية صداما دفينا بين حكومة يسيطر عليها السوسيون، وبين الريف، ولذلك، فإن رد الفعل الناتج عن طلب إسقاط الجنسية المغربية موجه لأكثر من جهة، وليس للقصر وحده، وحاليا تريد جهة في الدولة ذهاب بنشماس عن منصبه أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة، على طريقة إلياس العماري، وإنهاء الريفيين لمشروع الحزب الملكي من 2007 إلى 2011، ومن المهم تعويض السوسيين بحزب الأحرار ليأخذ دور (البام)، وتبعا لذات السبيل سيذهب لفتيت، وأرادوا بمرضه أخيرا أخذ المفتاح الأخير من الريفيين، وليس من الحكمة وضع الريف في تيار واحد يتقدمه الزفزافي، حسب تقرير داخلي، يريد دعم هذه الكارزمية من خلال التصعيد الذي يخدم إقصاء جهة الريف من المعادلة، يقول تقرير موصوف بالسرية.

ولا يمكن للنظام، بأي حال، اللعب بالنار، يقول الأمريكيون، لأن تقسيم الولاء والتوازن يطبع القيادات العسكرية والأمنية، وهي تتجه إلى “الكفاءة”.

ويحاول الملك بناء حكومة “كفاءات” تدعمها الأحزاب لتجاوز المحاصصة المبنية على النزوع الجهوي، فالتسوية بين أخنوش والعثماني، هو القرار في الحكومة، يقول المصدر، وبعد الخلاف المتصاعد بين بن كيران والأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة، تعززت التسوية، فلم يعد ممكنا تحويل قضية “عروبة التعليم” إلى ما حدث حول مدونة الأسرة، لأن التعبئة في حزب العدالة نزلت مع العثماني إلى 40 في المائة، ونزلت شعبية بن كيران بـ 35 في المائة، حسب التقديرات الغربية.

 

+ الصدام في الريف ليس خيار معتقلي الحراك

تطرف السلمية لدى قادة حراك الريف، دفعهم إلى التنازل عن الجنسية المغربية، لرفضهم عودة الأمور، خارج السجن، إلى التصعيد.

وكان مهما لدى الزفزافي أن يتخذ خطوة تتجاوز عبد الكريم الخطابي، لقتل الأب السياسي، لكنه قتل اللعبة التي لم تعد بسقوف أو خطوط حمراء، لذلك، لا يمكن توقع “رد الفعل” بعد حصر العفو في شخص رئيس الدولة، حسب المندوب الوزاري لحقوق الإنسان، وحصر العفو في مسطرة واحدة فجرت الأمر قبل إنضاجه.

إن نفي الاعتقال السياسي عن الزفزافي، هو ما أفاض الكأس مرة ثانية، فتجريم حراك الريف من طرف مؤسسات الوساطة، انتهى بـ”تنازل معتقلين في سجن فاس عن جنسيتهم”.

و”من السهل الاختيار بين أن تكون مجرما أو تكون مغربيا”، قال معتقل بارز في الحراك نقلا مصدر موثوق لـ”الأسبوع”.

لم يكن الأمر مفاجئا، فالكل استعد لهذا التصعيد، ويعرف الطرفان أن مخارج الوضع معقدة، فالقادة المعتقلون يفضلون خيارهم السلمي، لأن هذه عقيدتهم وهو ما يطابق القانون الدولي الإنساني، فيما رفض الجنسية خيار مستقل ردا على تجريم التظاهر السلمي، مع فشل الدولة المغربية، بكل أجهزتها بما فيها المؤسسات التي فشلت في الوساطة طيلة شهور الحراك، وبعد اعتقال قادته، ومن المهم أن نؤكد أن صورة الصراع تغيرت وإلى الأبد.

 

+ نهاية لعبة سياسية دامت من الاستقلال إلى الآن

إن التطورات السياسية الأخيرة تنهي لعبة سياسية من الاستقلال وإلى الآن، ولا أحد يستطيع تأطير لعبة أخرى، أمام عدم الوثوقية التي عززتها انتقادات الخطابات الرسمية للأحزاب والنموذج التنموي، وباقي القضايا، فالكل يموت في هذه الانتظارية التي تطبع المشهد، من داخل اللعبة ومن خارجها، ومن داخل السجن وخارجه، لذلك، فسيناريو آخر، سيكون خروجه قسريا من أحشاء النظام ليتمم إنقاذ الوضع.

هوامش:

 

1- marruecos: La crisis del rif y el fracaso las politicas «modernization de Palacio», sin permiso.info, 10/1/2018.

2- myriam catusse, le charme discret de la société civile, ressorts politiques de la formation d’un groupe dans le Maroc «ajusté». revue internationale de la politique comparée, 2002, 9(2) p: 297.

3- 9/11 terrorism: Global economiccosts, Wikileaks.

4- sml, strategic marocco synopsis, Wikileaks.

5- la chose locale.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box