الحقيقة الضائعة | المشكل هو الأزمة بين الملك والأحزاب

محمد اليازغي يفسر ضخامة المسافة بين الأحزاب والحسن الثاني

والدكتور الخطيب يشرح كيف غدرت الأحزاب بمحمد الخامس

وإدريس الشرايبي يكتب: محمد السادس هو آخر حظوظنا

بقلم: مصطفى العلوي

بعد سكوت طويل تكلم القطب الاتحادي محمد اليازغي، على هامش كتابه عن “الصحراء هويتنا”، في موضوع لا علاقة له بالصحراء، وإنما يتعلق بالأمر الواقع(…) الذي هو أكبر شساعة من الصحراء، الموضوع الذي يمتد على طول الحدود السياسية على مدى السبعين سنة التي مضت من تاريخ استقلال المغرب، وسيمتد سبعين سنة أخرى، ربما، مادام الأمر يتعلق بالصراع من أجل الحكم(…)، الصراع الذي كان في نتائجه أشبه بالنتيجة التي حصل عليها المغرب في الملعب المصري، صفر لمثله، أوسع من الصحراء إذن وأحق بها من اهتمام المجربين أمثال محمد اليازغي. هذا المغرب الذي ليست الصحراء إلا جزءا منه، وهو الذي بحكم طبيعته ومعطياته الجغرافية وتاريخه العظيم كان بإمكانه أن يكون قد تحول وهو على مرمى حجرة من أروبا، إلى بوابة إفريقية أروبية يسعد شعبها بهذه الازدواجية ويعيش السعادة المتناهية، مستلهما من ماضيه المجيد، المرتبط عرشه بحفيد الرسول الحسين بن فاطمة بنت الرسول، ومكوناته الاقتصادية والثقافية من موروثات أقطاب العلم والأمجاد الذين تهافتوا على تاريخه انطلاقا من فتوحات طارق بن زياد، ومما رواه سعد بن أبي وقاص، أن الرسول عليه السلام قال: ((لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)).

وها نحن بالكثير من المجاملات(…) نتهافت على الاحتفال بالذكرى العشرين، لتنصيب محمد السادس خليفة للحسن الثاني، الخلافة التي تهافت الكتاب والصحفيون الأروبيون في بداياتها على المراهنة على فشل التجربة، لدرجة جعلت واحدا من الكتاب المرموقين، إدريس الشرايبي، في كتاب باللغة الفرنسية بعنوان: «Le passé Simple» يكتب: ((إن محمد السادس هو آخر حظوظنا(…) وأنا أتساءل عماذا سيفعل بنا هو ومجموعة أصحابه في الدراسة))، كما نقلت تصريحه هذا المجلة الفرنسية الراقية “الفيغارو ماكازين”.

وقد تحلى السياسي اليازغي ببعض الجرأة وهو يحكي على متابعته لتجربة التناوب التي خاضها الملك الحسن الثاني، متنازلا علنيا، عن نفوذه لفائدة الكتلة الاتحادية(…) كحدث تاريخي فريد المثال في تاريخ الملكية المغربية بمشاركة أكبر معارض اتحادي للنظام الملكي، عبد الرحمان اليوسفي، ليوهمنا الملك المظلوم(…) بأنه قرر التنازل عن النفوذ الملكي، لفائدة تناوب، فرضته الظروف، لولا أن اليازغي، وبعد مرور حوالي ثلاثين سنة على هذه التجربة كشف لقرائه الحقيقة الثابتة وليست الضائعة، وهو يحكي في كتابه الجديد عن خبايا مفاوضات تأسيس حكومة التناوب، ما لم يحكه القطب اليوسفي في ثلاثة أجزاء من مذكراته “أحاديث في ما جرى”، ليكشف اليازغي: ((إنها في رأيي عدم ثقة الملك في قيادة أحزاب الكتلة وهذا صحيح، أتصور أن الحسن الثاني من المنطقي(…) لم تكن له الثقة الكاملة بنا، كما كان الحال بالنسبة إلينا(…) حيث لم نكن نثق به أيضا(…) ثقة كاملة)) (المساء. 17 يوليوز 2019).

فأي تعامل أو تكامل كان يمكن أن ينتظره المغاربة من ملك وكتلة، لا يثق أحدهما في الآخر، خصوصا وأن التعامل في انعدام الثقة يتحول إلى صراع، وليس إلى تعامل من أجل إنقاذ البلاد.

لنرجع بذاكرة الشعب، إلى ذلك الخلل الذي كان يهيمن على التعامل الملكي الحزبي(…) منذ حصول المغرب على استقلاله إلى اليوم، وقد يستمر إلى الغد، حتى لا نواخذ الملك محمد السادس على تمسكه بعقيدة أبيه وجده، في المعاملات السياسية والحزبية.

وهذا سياسي أكبر تجربة، ربما من السياسي اليازغي، كان يسمى الدكتور عبد الكريم الخطيب، يخلد لنا في تصريح له عن جذور هذا الصراع، بين الملك، كل ملك، والأحزاب، كل الأحزاب، وقد ترك لنا في مذكراته أسباب هذا الصراع ومسبباته التي من الصعب أن تزول(…) من مسار التعامل بين كل ملك، ملزم بتقديس مهمته وكل حزب، مهما كانت مكوناته، حتى ولو كان إسلامي المراجع والمبررات.

فالدكتور الخطيب، وقد عاش ما حكاه، وهو يروي مبكرا تلك الأيام التي فرضت فيها الظروف، على الأحزاب، أن تفاوض الأجهزة الفرنسية عندما كان السلطان محمد الخامس مسجونا(…) من أجل الوفاء لشعبه(…) وأقطاب الأحزاب أحرارا، يتفاوضون مع المحتل، فيما سمي مفاوضات “إيكس ليبان” من أجل استقلال المغرب، والدكتور يحكي: ((انتهت مفاوضات إيكس ليبان بتكوين مجلس للوصاية على العرش(…) دون رجوع محمد الخامس، وتفيد مذكرات بعض الفرنسيين المشاركين(…) أن ثلة من المفاوضين الحزبيين المغاربة وغير المنتمين، كانوا يفكرون في تكوين نوع من الحكم لا يرضي محمد الخامس، ويقولون إنه عندما يطلع هو على ما اتفقنا عليه(…) سينسحب من تلقاء نفسه، ويترك العرش)) (مسار حياة. الدكتور الخطيب).

وبدون التعمق في مذكرات المسؤول الفرنسي وقتها عن المفاوضات “إدكار فور” الذي أصبح يتوسع في ظروف الاحتفاظ بالملك محمد الخامس في فرنسا(…) إلى وصفه بتدخل الجنرال “دوكول” الذي استدعى مستشاره “كرانفال”، ليقول له: خذ محمد الخامس في طائرة وأرجعه إلى الرباط رغم كل شيء.

تبقى جميع المصادر الفرنسية متفقة على انتهازية الأحزاب المغربية، الاستقلال، علال الفاسي الذي بدأ في تحالف مع الرئيس بورقيبة لتأسيس دولة شمال إفريقيا(…) وحزب الشورى المغربي، حزب بن الحسن الوزاني، الذي حصل على تسميته في وسائل الإعلام الفرنسية بالحزب الجمهوري(…) لنفهم حرص الحسن الثاني بعد الاستقلال على تقوية اتجاه جيش التحرير والحركة الشعبية، الحزب الذي ولدت في أحضانه فكرة النضال الملكي من أجل البقاء.

بقاء طبع كل خطوات الحسن الثاني الذي كلما فقد الثقة في حزب من الأحزاب التي يؤسسها(…) لمواجهة الأحزاب التقليدية التي شاركت فيما يعتبره مؤامرة “إيكس ليبان”، كلما زاد يقينا بأن الملكية يجب أن تجاهد من أجل البقاء.

وكم هو بعيد عن مخططات الحسن الثاني، ذلك المسار الهزلي الذي آلت إليه الأحزاب التي كان مفروضا فيها أن تتعامل مع حق الملكية في الوجود، ذلك المسار الدراماتيكي الذي وصلت إليه الأحزاب في حاضرنا، وأحسن وصف لواقعها ما كتبه مؤخرا، الصحفي سليمان الريسوني الذي كتب: ((حزب العماري ولد في سرير السلطة وحزب الاشكر “الاتحادي” توفي في أحضانها)) (أخبار اليوم. 17 يوليوز 2019).

هكذا، بمنتهى البساطة، تتساقط وسائل الأحزاب السياسية مثلما تساقطت عدة عناصر حمائية(…) أخرى، مادامت السياسة، كوسيلة للبقاء(…) تحتاج إلى أجهزة ووسائل، ولا أقصد بالأجهزة تلك التي تخطر ببالكم، والتي يسميها بعضهم بالقوة الخفية، ولكن التواجد السياسي كوسيلة لبقاء النظام يحتاج إلى أكثر من الوسائل المستعملة الآن(…) وخاصة ونحن نعيش افتقادا لذلك الجهاز الذي كان الحسن الثاني يعتبره قيادة العمليات(…) الممثل فيما كان يسمى الديوان الملكي، والمستشارون الذين كانوا يشكلون على مدى سنوات طويلة، مقدمة الركب الملكي في مواجهة الصراع السياسي.

ورغم تكريس الحسن الثاني لظاهرة وزراء السيادة، واحتفاظ محمد السادس بهذه الظاهرة في أضعف حالاتها(…) فإن افتقاد الساحة السياسية على مستوى القصر الملكي لعنصري المستشارين الأقوياء في الديوان الملكي، والوزراء الخطرين في وزارات السيادة، يعتبر فراغا لا يوازيه إلا ذلك الفراغ الذي تعاني منه الحقيقة السياسية الحالية في المغرب، وقد تحول إلى مسرح بدون ممثلين، ورواية بدون مخرجين، وأفلام بدون موزعين.

ورحم الله حيا، الوزير السابق بنسالم حميش الذي كتب مؤخرا: ((لا بقاء للخليفة إذا لم يبدل باستمرار طاقم القائمين على سره، والحافظين له كما يبدل الثعبان جلده)) (كتاب مجنون الحكم. بنسالم حميش).

وقد كشف أحد الضباط العسكريين الذين شاركوا في ثورة جمال عبد الناصر، أن أحد أسباب انهيار نظام الملك فاروق كانت تشكيلة لديوانه على الطريقة التالية: ((كانت حاشية الملك من سبعة أشخاص ينظمون سهراته ويعينون الوزراء، وكبار الموظفين ويبيعون الرتب والألقاب، ويقومون بمهمة السمسرة والعمولات لأنفسهم، وللملك أيضا)) (كتاب سقط النظام. محسن محمد).

بينما رصيد العوامل السياسية الكامنة وراء أسباب الصراع من أجل البقاء بالنسبة للملكية، رغم أنها تنطلق كما قال الدكتور الخطيب، من أحداث مفاوضات “إيكس ليبان” وقد اتخذتها الأحزاب السياسية المغربية فرصة لتجاوز الإخلاص والوفاء لملك ضحى بنفسه من أجل استقلال المغرب، فانقضت تلك الأحزاب على الاستقلال ونسيت القطب الذي ضحى بنفسه من أجل ذلك الاستقلال، لنفهم ضخامة صعوبة كل تعامل بين الملك والأحزاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!