إحدى ندوات مهرجان "ثويزا" المثير للجدل

تحليل إخباري | مثقفون يصرخون ضد “الشعوذة الثقافية” واستعمال المال العام لمهاجمة المقدسات

إعداد: سعيد الريحاني

انقطعت منذ مدة أخبار إلياس العماري، الرئيس السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، باستثناء بعض البلاغات المحتشمة التي يظهر فيها اسمه كرئيس لمجلس جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، غير أن الأمر لم يكن كذلك خلال الأيام الأخيرة من شهر يوليوز، حيث أن العماري الذي أوقف نشاطه على “الفيس بوك”، عاد ليظهر كمسير لإحدى ندوات مهرجان “تاويزا” في طنجة، وبينما لم يعرف موضوع اللقاء، كتبت بعض المواقع عن تلميحات إلياس العماري، وهو يقول لأحد الحاضرين: ((.. سأرد على الدكتاتورية الكبيرة بدكتاتورية صغيرة))، كما نقلت نفس المواقع حوارا مقتضبا بين مسير الجلسة العماري، وأحد الحاضرين الذي قدم نفسه بـ”مولاي احمد” وأنه جاء من تافيلالت، ليرد عليه العماري، أنا اسمي “مولاي إلياس”(..).

والواقع أن اسم العماري سيتردد في عدد كبير من قصاصات الأخبار وتعليقات المواقع، ليس بسبب هذا التصريح، بل بسبب التداعيات الإعلامية التي خلفها المهرجان الذي يرعاه إلياس العماري، مهرجان “تاويزا”، الذي فتح أبوابه من جديد أمام نشطاء من نوع خاص، منهم الكاتبة التونسية هالة الوردي، صاحبة الكتابين “الخلفاء الملعونون” و”الأيام الأخيرة لمحمد”، هذه الأخيرة جاءت إلى طنجة خصيصا لتشكك في وجود الرسول صلى الله عليه وسلم، وينقل عنها أحد المواقع بأنها تساءلت بكل جرأة ووقاحة: “هل النبي محمد حقيقة أم أسطورة”؟!!

نفس المصدر يشرح: ((فقد قالت الباحثة في معرض إجابتها عن سؤال أحد الحاضرين: هل كان محمد رجل دين أو رجل دولة؟: هو كان الإثنين، لأن هذا لا يمنع ذلك، ولكن سامحني أسألك سؤال مستفز شوية، لأنه سؤال حقيقي بالنسبة إلي ويدخل في موضوع الندوة هاته، هل محمد حقيقة أم أسطورة؟ هل هو موجود فعلا؟ هل وجد فعلا؟ ما هو اسمه الحقيقي؟ وأين ولد؟ وهل مات في المدينة؟)) (المصدر: موقع هوية بريس 27 يوليوز 2019).

أسلوب التشكيك في عقيدة ملايين المسلمين المغاربة لم يقف عند هذا الحد، بل إن نفس المصدر ينقل عن الكاتبة قولها بأن المصادر الإسلامية كتبت بعد وفاة الرسول بـ 200 سنة على الأقل، بينما ((هناك مصادر بيزنطية وقبطية وإغريقية تقريبا معاصرة لفترة الرسول، وهناك نص مكتوب بالإغريقية، هي رسالة بعثها تاجر لأخيه الذي يسكن قرطاج، بعث له سلامات، وسأله عن أحوال العائلة، ويحكي له عن أحوالهم في غزة، وقال له: ها هو جاءنا واحد، يقولون له محمد ويدعي النبوة، وجاءنا ويحب أن يحتل القدس، وهذا الحديث صار عام 634، يعني عام 634 الرسول ما زال حيا ويحارب في غزة.. وهذه نقطة استفهام، وهذا لأقول لك أن سؤالك وجيه، رجل دين أم رجل دولة؟ هل كان قاسيا وشرسا أم حليما؟ لأنه شخصية مليئة بالتناقضات، أنا أمشي معك أبعد، أحب أن تكون جريئا (تخاطب من طرح عليها السؤال)، واسأل نفسك: هل هو حقيقة أم أسطورة؟)) (نفس المصدر).

هكذا تحدثت هالة، بكل حرية وأمان، في بلد يقول دستوره بأن: ((الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية)) (الفصل 3)، ليبقى الغرض “الاستفزازي” من هذا اللقاء واضحا، من خلال المنصة التي جمعت محاضرين آخرين، جلسا بكامل أريحيتهما إلى جانب هالة الوردي وهما أحمد عصيد، زوج الناشطة مليكة مزان على شريعة الإله ياكوش، حتى إشعار آخر(..)، وهو الناشط المعروف بتشكيكه في نسب الدولة العلوية، وقد كان يجلس إلى جانب “مشكك آخر” ويتعلق الأمر بالناشط المصري خالد منتصر، المعروف في مصر بازدراء الدين، وبمعاركه مع الأزهر والإخوان المسلمين(..).

اللقاء الذي حمل عنوان “الحقيقة والأسطورة.. رهانات تنويرية”، يمكن اعتباره أحد مظاهر التطرف، الذي يمهد لتطرف أكبر، بسبب حمولة الاستفزاز، وهذا ما يفسر الردود العنيفة التي تبعث هذا اللقاء من لدن شيوخ السلفية المغاربة، وعلى رأسهم الشيخ حسن الكتاني الذي قال: ((لا عذر لأحد اليوم في النوم العميق ورسول الله صلى الله عليه وسلم يهان، فيمكنكم أن تشعلوا مواقع التواصل ضد المجرمين))، وهناك أيضا تصريحات الشيخ الفيزازي الذي وصف أصحاب الندوة بالزنادقة حيث قال: ((لا مجال للرد على زنديقة تجرأت على خير البرية.. هنا بلد إمارة المؤمنين، وهنا بلاد المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، وبلاد آلاف المساجد العامرة والمدارس القرآنية الأصيلة والعتيقة، وبلاد شعب يحب دينه ونبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، فلا عشنا ولا كنا إذا سمحنا لمن ينكر وجود رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يأكلون من طعامنا ويشربون من مائنا ويمشون في أسواقنا.. فإذا عجزنا عن محاكمة هذه التافهة التونسية فلا أقل من طردها إلى غير رجعة.. بقي زنادقة الحي.. لا حل معهم إلا القضاء، وتفعيل قانون زعزعة عقيدة مسلم.. فإنهم لا فكر لهم ولا رأي، وليست لهم من مهمة سوى مدّ الدواعش بأوكسجين استمرارهم على درب الإرهاب المظلم)) انتهى كلام محمد الفيزازي، رئيس “الجمعية المغربية للسلام والبلاغ”.

اللقاء كان كافيا ليخرج، شيخين من شيوخ السلفية عن اللياقة، ليهاجما المنظمين، فما بالنا بباقي المواطنين العاديين، الذي سيتفاعلون مع هذا الكلام بشكل أخطر(..)، ولعلها المرة الأولى التي يجد فيها لوبي مهرجان “تاويزا” نفسه في مواجهة مفتوحة مع عدد كبير من المعلقين، ويمكن الإشارة في هذا الصدد للباحث إدريس الكنبوري الذي قال بأن ((مهرجان تاويزا بطنجة بدأ يأخذ موقعه بشكل جيد.. التجربة أبانت أنه مهرجان مهمته الأساسية خدمة أجندة معينة وهي تشجيع الشذوذ الثقافي وتسويق أقلية صغيرة لديها مقدرات كبيرة.. المهم جدا في المدعوين إلى المهرجان أنهم يكررون الدعوة إلى التنوير ويطالبون المثقف بالانخراط وأن يتحلى بالجرأة.. أنا مثقف عربي مغربي أنخرط الآن وأعلن بجرأة أن هذا المهرجان الممول من المال العام يجب أن يكون ساحة للنقاش الفكري الجريء، وأن يدعى إليه المفكرون من التوجهات المختلفة.. عندما أرى أن المهرجان يستجلب كل عام ممتهني الشعوذة الثقافية المتخصصين في مهاجمة مقدسات بلدي من حقي كمفكر ومثقف غيور على بلده ومقدساتها أن أقلق)).

يذكر أن مهرجان “تاويزا”، يدخل في إطار الإرث الذي خلفه اللوبي المناهض لإمارة المؤمنين داخل حزب الأصالة والمعاصرة، والذي بدأ بالتفكك(..)، لذلك لا غرابة أن هذا المهرجان هو الذي كان وراء فتح الباب لنوال السعداوي التي تدعو إلى مناقشة الله، وتعتبر الزواج عبودية(..)، وهو نفسه المهرجان الذي استضاف سابقا المصري يوسف زيدان الذي وصف صلاح الدين الأيوبي بالحقير، وكذب وجود المسجد الأقصى والقدس(..).

هكذا إذن، وبالتزامن مع عيد العرش تم فسح المجال أمام المشككين للنيل من مقدسات الدولة، ليطرح السؤال عن الغاية من تنظيم لقاء “متطرف”، سبق أن قال مسيره أحمد عصيد بأن رسالة الإسلام، “رسالة إرهابية”، والكل يعلم أن الغاية من هذا الاستفزاز الثقافي هي محاولة إثارة النزعات الطائفية، بين المتدينين وغير المتدينين، والأمازيغيين والإسلاميين، لأن استمرار هذه الوحدة يزعج اللوبيات التي تعمل على تفكيك أسس الدولة المغربية، كلما سمحت لها الفرصة، سواء من خلال تجنيد المثقفين، أو المهرجانات أو التسرب إلى الأحزاب السياسية(..).

يذكر أن المعلومات عن مهرجان “تاويزا” وتمويله، لا تجد طريقها للعموم باستثناء بعض التعريفات العالمة من قبيل أنه مهرجان ينظم بشكل دوري ومنتظم منذ 15 سنة، ويعرف بالاحتفاء الدوري والمنتظم، بالكاتب العالمي محمد شكري، بالإضافة إلى معلومات عامة وردت في بلاغ الإعلان عن الدورة 15 التي نظمت مؤخرا، حيث يقول المنظمون:  ((إن مهرجان “تاويزا” المنظم من طرف “مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية بطنجة”، يتجدد كعادته، بانتظام دوراته، وتنوع برمجته، ومجانية كل فقراته، وذلك وفاء منه لجمهوره، ودعما للسياحة والثقافة والتنمية بعمالة طنجة – أصيلة، وبعموم أقاليم جهة طنجة – تطوان – الحسيمة))، ليطرح السؤال عن أي ثقافة يتحدث المنظمون ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!