الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في بيت مدير "الأسبوع" مصطفى العلوي

الحقيقة الضائعة | الأجهزة التونسية عندما أبعدت مولاي هشام

بقلم. مصطفى العلوي

 

 

واحد من التونسيين الذين حزنوا على وفاة الصديق، الباجي قايد السبسي، هو الصحفي التونسي الذي يعرف المغرب كثيرا وعاش في المغرب طويلا، الصحفي منصف السليمي، وقد كتب على صفحته في الفيسبوك: ((في منتصف التسعينات، تعرفت شخصيا على الباجي قايد السبسي في منزل صديق مشترك هو مدير الأسبوع، مصطفى العلوي)) وذكرني بذلك الغذاء في بيتي ببوزنيقة، وقد شاركه فيه صديق آخر هو الوزير الحالي عبد الكريم بنعتيق، حيث كان النقاش طويلا حول المغرب وتونس، المحكومان معا بالتواجد في منطقة واحدة، وإن كان السليمي يتذكر: ((كان القايد السبسي في تلك الفترة يجتاز مرحلة ظل في مسيرته السياسية، بسبب غضب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وتوجسه منه، على غرار شخصيات عديدة أبعدها بن علي من المشهد السياسي وفرض عليها حصارا لمجرد إحساس من طرف دائرة السلطة، وهواجس رجل الأمن)).

وحكاية رجل الأمن هاته(…) تقرب المرحوم السي الباجي من تاريخه السياسي، سواء في بلده تونس، أو حتى في المغرب، حيث أدرجت الأحداث هذا السياسي المخضرم، في عمق الشارع السياسي المغربي.

وكان بين مئات المتدخلين بعد موت الرئيس الباجي قايد السبسي واحد من وزرائه الأخيرين، وقد قال لقناة التلفزة الرسمية التونسية، إن السي الباجي مات بحرقة عجزه عن التغلب على الأجهزة التي لا تحترم حقوق الإنسان.

هكذا رئيس دولة كالكثيرين من رؤساء الدول، يكونون رهائن في أيدي أرباب الأجهزة الاستخباراتية التي تلعب بأوراق أخرى(…) وهي التجربة التي سأحكي تفاصيلها عن صديقي الرئيس التونسي وقد فرضت علينا الأيام، أن نرتبط بصداقة دامت منذ سنة 1980، منطلقة من الاهتمام الصحفي للسي الباجي الذي كنت أزوره في تونس، عدة مرات منذ كان وزيرا لخارجية الرئيس بورقيبة، وهو مستشاره الذي لاحظت أياما وأنا أسكن مع زوجتي في بيت السي الباجي وعائلته، أنه كان لا يتناول معنا الإفطار في الصباح، لأنه يحرص على أن يكون كل صباح حاضرا في بيت الرئيس بورقيبة، لأن التعمق في الأمور، حسب تجربته، لا يكون بين الرئيس ووزيره(…) إلا ساعة يكون الرئيس في حمامه يحلق لحيته..

والتجارب من هذا النوع، هي التي مهدت لهذا التهافت من طرف أقطاب الدول، على حضور جنازة الرئيس الباجي، الذي حكى الرئيس الفلسطيني كيف أن الفلسطينيين في أوج صراعهم مع الإسرائيليين جعلوا من تونس مقرا لهم، وحكى الرئيس الفرنسي ماكرون كيف أن الباجي يعتبر نموذجا راقيا لرئيس الدولة.

وأذكر مرة، وأنا في أوج صراعي مع الوزير القوي إدريس البصري، أن الفرصة الصحفية مهدت لي أن أسخر من وزير الداخلية وأجهزته(…) عندما كان الباجي يمثل كوزير للخارجية رئيسه بورقيبة في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد بفاس في شتنبر 1982، واتصلت به تلفونيا لأسأله عن أحواله، فحكى لي بأنه متضايق من برودة النقاش في هذا المؤتمر، الذي كشف الملك الحسن الثاني في ندوة صحفية عقدها بمناسبة هذا المؤتمر، تفاهة المؤتمر عندما قال في جوابه لأحد الصحفيين: ((إن الإعلام سلاح خطير عندما يكون غائبا، كما أنه سلاح فعال عندما يكون حاضرا)) وكأنها حكمة تنطبق على شكاية وزير الخارجية التونسي، عندما أبدى لي رغبته في مغادرة النقاشات الفارغة لهذه القمة العربية، وفعلا قلت له: تخرج من قاعة المؤتمر، وتتوجه نحو مطعم الفندق وتخرج من الباب الخلفي للمطبخ المؤدي إلى الشارع لتجدني بسيارتي في انتظارك.

وقد كنت أعرف أن رجال شرطة البصري كانوا يضربون حصارا على المؤتمرين لولا أن الوزير السي الباجي خرج من مطبخ الأوطيل ووجدني في انتظاره، ليشكل غيابه أزمة لدى أجهزة الأمن.

وقد أخذت صديقي السي الباجي في جولات طويلة، انتهت بنا مساء في بيت أحد أصدقائي، وكان يسمى القادري حميد الذي نظم لنا عشاء بجوق محلي وسهرة استمرت إلى حوالي منتصف الليل عندما رن جرس الباب ليجد القادري حشدا من رجال الأمن يسألونه هل الوزير التونسي عندك، وعندما أجابهم نعم، خرجت لأجد النخبة المتميزة من رجال الجهاز البصري وكأنهم سجلوا انتصارا عانوا من أجله الكثير، فبعد أن اختفى الوزير الباجي من المؤتمر، ولم يجدوه في غرفته، حكى واحد من رجال البوليس بأنهم تلقوا أوامر من الرباط بالبحث عنه، حيث أن واحدا منهم في حي دار دبيبغ لاحظ وجود سيارة تحمل رقم الرباط، فسأل عن صاحبها ليكتشف أنها سيارتي، وليقول لي أكملوا سهرتكم سأخبر الرباط بالعثور على الوزير الغائب.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي أرد فيها الصاع صاعين للوزير البصري، فقد وصل للمغرب مرة، وزير داخلية الأردن، القطب الخطير ندير رشيد الذي طبع الأحداث طويلا في زمان الملك حسين، وكانت تربطني به صداقة كبرى، جعلتني أستدعيه للعشاء في بيتي، بحضور وزراء مغاربة وسفراء دول عربية، كلهم كانوا سعداء بالحضور في مأدبة واحد من أقطاب المخابرات الأردنية، حتى الوزير البصري كان يعمل المستحيل من أجل التقرب إليه ولكنني لم أستدعه للمأدبة التي نظمتها في بيتي، واكتفى البصري بإرسال رجاله الذين تفرقوا كالذباب في باب بيتي بزنقة غيساسة قريبا من مسجد للاسكينة، وقصة هذه الزنقة، أن الوزير البصري عندما عين(…) أحد أصدقائه رئيسا لبلدية الرباط أمره بترصيف الحي كله باستثناء زنقة غيساسة لأني كنت أسكن فيها، وفعلا انتهت عملية الترصيف للحي كله، وبقيت زنقة غيساسة في أبشع حالاتها، وجاء وفد صديقي وزير الداخلية الأردني وبعد انتهاء السهرة، وخروج الوزير الخبير المشهور في مجال المخابرات(…) لاحظ تواجد عدد من رجال عرف أنهم من الأمن، فقال لي بصوت مرتفع: يا مصطفى يظهر لي أني سأبعث لك من يصلح هذه الزنقة، وهكذا لوحظ في الأيام الموالية أن الأوامر صدرت لترصيف زنقة غيساسة.

ونرجع إلى السي الباجي، الذي قال وزيره إنه مات بغصة عجزه عن التخلص من الجهاز الذي لا يحترم حقوق الإنسان، وكأنه يذكرني بالقصة التي حصلت منذ بضعة شهور حينما اتصلت بالسي الباجي، لأخبره بالعناية بأحد أصدقائي الذي سيصل إلى تونس لقضاء عطلته، وهو الأمير مولاي هشام، وفعلا وصل الأمير وبينما هو في مسبح الفندق، تقدم منه بعض رجال الأمن، وطلبوا منه مغادرة تونس، ليكتب الأمير في موقعه الإلكتروني، أن الأجهزة المعلومة(…) هي التي نسقت مع الأجهزة التونسية(…) ليظهر فيما بعد أن وزير الداخلية التونسي هو الذي تلقى التعليمات من أطراف مغربية(…) ليصدر السي الباجي مباشرة أوامر بإبعاد وزير داخليته، وهذا كل ما استطاع السي الباجي فعله بعد فوات الأوان، ومغادرة الأمير لتونس، وربما كان وزيره الذي عزى السي الباجي بعجزه عن التغلب على الأجهزة التي لا تحترم حقوق الإنسان يقصد التذكير بهذه الحادثة.

وقد تتبعت كثيرا معاناة السي الباجي، في أيام الرئيس زين العابدين بن علي، الذي لا شك أنه بكى.. عندما شاهد جنازة الباجي وهو الذي غادر تونس هاربا، وكان السي الباجي يراجع تحت أنظاري المقالات التي ينشرها في بعض الصحف، وهو الذي كان في عهد الحكم الفردي لزين العابدين بن علي، يكتب عن رغبته في انتقال تونس إلى العهد الديمقراطي لا رغبة في حكم تونس، فقد كان يعرف أنه تقدم في السن، ولكنه كان يخاف على المستقبل التونسي، الذي يعرف خباياه منذ كان مديرا للأمن الوطني، ووزيرا للداخلية أيام الحبيب بورقيبة، رغم أن التصويت رشحه لرئاسة البرلمان في عهد زين العابدين بن علي، لأذكر مرة أني كنت برفقته في البيت الجديد الذي بناه في حي سكرة رفقة حرمه الفاضلة السيدة سيدونة، التي نادرا ما يجود الزمن بمثيلاتها، حينما رن تلفونهم ليسألهم إذا ما كان الصحفي المغربي مصطفى  متواجدا عندهم، وعندما أخذت سماعة التلفون قال المتكلم إنه مدير ديوان الرئيس زين العابدين بن علي، يتمنى مني أن أزوره في مكتب السيد الرئيس، وأشار لي السي الباجي بالقبول، ورحت فعلا إلى الرئاسة، حيث استقبلت بحفاوة كبرى ليقول مدير الديوان السي عبد الوهاب، بأنه يعرف مساري الصحفي في المغرب، وأنه هناك ميزانيات ضخمة لتمويل برنامج دعائي لفائدة الرئيس زين العابدين، لأشكره وأخبره بأن العمل في جريدتي لا يترك لي الوقت لأي نشاط آخر.. وقد ضحك السي الباجي وهو يكتشف هذا الجانب الجديد في نشاط الرئيس زين العابدين، لتبقى ذكرياتي مع هذا الفقيد، من الجمال والحكمة، لتتراكم متمنياتي أن يعطي القدر لهذه الشعوب المتخلفة نماذج من السي الباجي الذي كان يحب المغرب، والمغاربة لدرجة أن زوجته السيدة سيدونة، لبست جلبابا مغربيا أبيضا يوم استقبالها للمعزين في الحفلات الكبرى التي أقيمت بمناسبة وفاة زوجها الرئيس بصفته أول رئيس تونسي تقام له الجنازة الرسمية، التي لم تقم لا للرئيس بورقيبة، ولا لمن خلفه على رئاسة تونس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!