تحليل إخباري | نهاية حزب العدالة والتنمية بخيانة تنظيمية لمرجعية الحزب والتنكر لبن كيران

انتحار سياسي على طريقة الاتحاد الاشتراكي

إعداد: سعيد الريحاني

وقع حزب العدالة والتنمية بداية هذا الأسبوع، رسميا على بداية نهاية مهمة التدبير السياسي التي فوضت له(..)، بتصويته على القانون الإطار المتعلق بالتعليم، الذي يفرض تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، وتعد هذه الضربة، الثانية من نوعها يوجهها الحزب لزعيمه السابق رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، منذ إسقاطه من منصب الأمين، لفسح المجال أمام سعد الدين العثماني لتشكيل حكومة لا يحكم فيها(..).

وقد لخص الباحث عمر الشرقاوي، الذي تلقى تدويناته المتخصصة في نشر غسيل حزب العدالة والتنمية رواجا كبيرا على موقع “الفيسبوك”، الحكاية التي حصلت يوم الثلاثاء الماضي بـ”الخشيبات”، حيث قال: ((اليوم عقدت لجنة التعليم بمجلس النواب جلسة للتصويت على قانون الإطار المتعلق بالتعليم، اللجنة وفق النظام الداخلي تتكون من 44 عضوا من بينهم 14 عضوا من البيجيدي.. خلال الجلسة حضر 30 عضوا من بينهم 14 عضوا من البيجيدي، يعني تقريبا النصف.. وخلال التصويت على المادة الثانية، التي تثير مشكل لغة التدريس، امتنع 12 برلمانيا من البيجيدي عن التصويت، واثنان منهم صوتوا برفضها، في حين أن هذه المادة تم تمريرها بـ12 صوتا فقط، وهو ما يعني أن البيجيدي كان بإمكانه إسقاطها بالتصويت عليها بالرفض، لكنه فضل الامتناع وتكليف أبو زيد (المقصود البرلماني المقرئ أبو زيد) برفضها، والعثماني بالرفض، لكي يسجل الموقف فقط ويترك المادة تمر، فالنتيجة النهائية للتصويت على هاته المادة التي خلقت بوليميكا كبيرا، أظهرت أن البيجيدي ضحك على المغاربة.. تصوروا أن المادة وافق عليها 12 وامتنع عن التصويت 18، منهم 14 عضوا من البيجيدي.. إنها سياسة الأكل مع الذئب والبكاء مع السارح)).

هكذا إذن تحولت مشكلة حزب العدالة والتنمية إلى مشكلة مصداقية، وإلا فما معنى أن يقف الحزب وراء “بلوكاج” انطلق منذ شتنبر 2012، بإحالة مقترح القانون المذكور على البرلمان، وفي الأخير وبعد تجييش الشارع ضد اللغة الفرنسية في التدريس، يصوت “صاغرا” أمام ضغط لم يعرف مصدره، مقابل الاستمرار في الحكومة.

ولاشك أن كثيرا من المغاربة، سيتأسفون على غياب روح المسؤولية الحزبية، بعد أنعش ظهور مفاجئ لبن كيران على “الفيسبوك”، يدعو فيه زميله في الحزب إلى عدم التصويت على القانون الإطار للتعليم، حتى لو كلف الأمر سقوط هاته الحكومة، أنعش آمال المتعاطفين في إمكانية الحفاظ على الحزب لمواجهة الفراغ السياسي الذي يهدد البلد بأكمله(..).

بعيدا عن كلمات بن كيران التي قال فيها للعثماني: ((إن حزب الاستقلال فاز منذ 30 سنة بشرف إقرار تعريب تعليم المواد العلمية، فلا تسمح أنت بأن يلاحقك عار إعادة فرنستها))، و((إنك إذا قبلت بهذا القانون، فلن تستطيع يوما أن ترفع رأسك أمام المغاربة)).. فإن اصطفاف رئيس الحكومة العثماني إلى جانب تمرير القرار المذكور، يعني أن رئيس الحكومة اختار خفض رأسه في مواجهة التقلبات، والحفاظ على الامتيازات الوزارية، التي لم يكن ليحلم بها لولا الدور الذي قام به الأمين العام السابق بن كيران، ولكن المجموعة الوزارية، المدعومة بمجموعة برلمانية، اختارت حتى الآن التنكر لزعيمهم السابق، مقابل التملق لتيار عزيز أخنوش(..).

ما حصل مع العثماني، وما يؤشر على نهاية وشيكة لحزب العدالة والتنمية، سبق أن حصل في المغرب والنموذج غير بعيد، فعبد الرحمان اليوسفي سبق أن لخص الأمر في وجود قوة ثالثة، كانت قادرة على إجهاض كل شيء: ((لقد أفضت عملية إنشاء قوة ثالثة بالمغرب، إلى جعل الانتقال الديمقراطي أصعب، على الرغم من أن الحركة الوطنية انخرطت في هذا الانتقال منذ تقديمها لوثيقة الاستقلال في 11 يناير 1944، بموافقة ومباركة المغفور له محمد الخامس، لهذا السبب كانت إقامة الديمقراطية بالمغرب غداة الاستقلال ترتبط بإبعاد القوة الثالثة من مراكز القرار، ووضع حد لهيمنتها.. لقد بدأت القوة الثالثة في شغل جميع المناصب والوظائف حتى داخل القصر وفي كل دواليب الدولة، وهو الأمر الذي أدى إلى حدوث أزمة سياسية في البلاد)) (المصدر رسالة عبد الرحمان اليوسفي في محاضرة بروكسيل سنة 2003).

اليوسفي كان ضحية التراجع عن المنهجية الديمقراطية، التي جسدها تعيين إدريس جطو وزيرا أول، وها هو العثماني بنفسه يؤشر على التراجعات الديمقراطية التي ستعجل بنهايته، لأن الأمر متعلق بتراجع تنظيمي عن مبادئ الحزب، كما أن الضغط الذي تعرض له العثماني، إن وجد، لن يكون مصدره معروفا اليوم، وربما يكتب التاريخ غدا، أن العثماني وإخوانه باعوا حزبهم مقابل الوهم، ومقابل التخلي عن ملكة الحلم، وربما يكرر العثماني ما قاله اليوسفي في آخر تجربته الحكومية التي كان من نتائجها تدمير الاتحاد الاشتراكي: ((لقد كان قبولنا بقيادة تجربة التناوب مخاطرة أخذنا فيها في الحسبان المصلحة الوطنية وليس المصلحة الحزبية؟ واليوم، وقد انتهت هذه التجربة بدون أن تفضي إلى ما كنا ننتظره منها، بمعنى التوجه نحو الديمقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام.. إننا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام متطلب وطني يلزمنا بالانتظار سنتين على أمل أن نرى إمكانية تحقق الحلم في انتقال هادىء وسلس نحو الديمقراطية، ونتمنى أن لا نفقد في المستقبل القريب ملكة الحلم والقدرة عليه)).

وكانت موجة تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، ومفادها الشروع في “فرنسة التعليم”، قد بدأت مع وزير التربية الوطنية السابق رشيد بن المختار، الذي سبق له أن أصدر مذكرة إلى مديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين تقول: ((تصحيحا للاختلالات التي تعرفها المنظومة التعليمية، وخصوصا منها تلك المتعلقة بتكامل المواد التعليمية في السلك الثانوي التأهيلي، فقد تقرر ابتداء من العودة المدرسية المقبلة (2016/2017)، تدريس مادتي الرياضيات والعلوم الفزيائية باللغة الفرنسية، بشعبتي العلوم والتكنولوجيات الميكانيكية والعلوم والتكنولوجيات الكهربائية)).

هكذا إذن، لم يقم العثماني ورفقاؤه سوى بتطبيق مذكرة بن المختار الذي ينتمي للوبي المعروف بعدائه للغة العربية، والأدهى من ذلك، فكل ما تشاهدونه في البرلمان، هو مجرد مسرحية، ذلك أن تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، تم الشروع فيه منذ مدة دون حاجة لإذن الحكومة، والمثال على ذلك، ما قامت به بعض المديريات الإقليمية، مثل مديرية القنيطرة التي قررت تعميم تدريس المواد العلمية والمعلوميات باللغة الفرنسية، بالنسبة للمستوى الأول والثاني بجميع الثانويات الإعدادية، وكذا تعميم التدريس باللغة الفرنسية في الجدع المشترك آداب وعلوم إنسانية بمؤسسات الثانوية، وشمل القرار المؤسسات العمومية والخصوصية.. ولم يجد أحد من يسمع صرخة الآباء الذين قالوا أن ((التلاميذ غير مؤهلين في هذه المرحلة لتدريسهم المواد العلمية والمعلوميات باللغة الفرنسية، ما قد يرفع من نسبة الهدر المدرسي، ويعيق تمدرس نسبة كبيرة منهم)).

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فقد تكون فرنسة المواد العلمية، مجرد مقدمة لسقوط كبير في الاختبارات بالنسبة للتلاميذ المغاربة، علما أن المستفيذ الوحيد الظاهر في هذه الصفقة حتى الآن، هو لوبيات طبع الكتب المدرسية، والصفقات المرتبطة بذلك، ما يعني أن الأمر مجرد صفقة كبرى على غرار صفقات “المخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم”(..).

يذكر أن الصوت البارز الوحيد الذي عارض تعليم المواد العلمية بالفرنسية، هو البرلماني المقرئ أبو زيد، الذي طالما اعتبر أن الفرنسية أضحت “أداة إقصاء” لفئات واسعة من الشعب المغربي، و”أداة هيمنة وتمكين” للنخبة الفرنكفونية كذلك.

الإدريسي، سبق أن أوضح أيضا أن الفرنسية تعد إحدى العقبات الرئيسة أمام أبناء الفئات الشعبية الواسعة للولوج إلى المناصب والارتقاء الاجتماعي، حيث قال إنه ((رغم أن أبناء النخبة الفرنكفونية لهم ذكاء متوسط، إلا أنه هم من يلجون المعاهد والمدارس العليا للهندسة وغيرها، بينما تجد أبناء الفئات الشعبية متفوقين في مواد التخصص مثل الرياضيات والفيزياء والعلوم، لكنهم قد يرسبون في الامتحان بسبب اللغة الفرنسية)).

إن التماهي مع كلام المقرئ أبو زيد، قد يؤدي إلى فهم خطير لموضوع فرنسة التعليم، أي أن الأمر يتعلق بمؤامرة ضد الشعب تلتقي خيوطها عند اللوبي الفرنكفوني، وهذا يعني نهاية حزب العدالة والتنمية أولا، ونهاية التيار الشعبي ثانيا(..).

تعليق واحد

  1. الطالبي محمد

    بعيدا عن السياسة و غوغائيتها سؤال بسيط هل يمكن لطالب تابع دراسته للمواد العلمية بالعربية ان يتم ويتابع دراسته بعد دلك في اي نقطة من العالم المتفوق علميا وتكنولوجيا اي في العالم الغربي من فرنسا مرورا الى المانيا واوروبا ككل وكندا وامريكا …
    هل يمكن لشخص مشغوف بالبحث العلمي تلقى تكوينه بالعربية ان يساير موجة البحوث والدراسات العلمية التى تنشرها وترعاها الاكاديميات المتخصصة والتى تبقى لغتها الاساس الانجليزية…
    الا يعني التقوقع داخل _شعاع_ اللغة نوعا من التزمت المشفوع بغطاء من المزايدات في مفهوم المواطنة وما شابه ..
    المندفعون لموالات القوى الاستعمارية والمهيمنة ليسوا بالضرورة متعلمين ولا علاقة للعلم بالتوجهات والميول الفكرية..
    خدوا العلم ولو في الصين …قولة لم يصاحبها شرط ان يكون دالك باللغة العربية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box