الحقيقة الضائعة | عندما أعلن الدرقاوة المغاربة تأييدهم للثورة الفرنسية وسلاطين العالم وصفوا منظمي الثورة الفرنسية بأنهم جماعة من الكلاب

بقلم: مصطفى العلوي

رغم أن الثورة الفرنسية التي تحل ذكراها في كل شهر يوليوز، والتي انتهت بسقوط الملكية الفرنسية، كانت أهم حادث عالمي حصل سنة 1789، إلا أن المغرب في ذلك الزمان، الذي صادف نهاية عهد السلطان مولاي اليزيد ولد السلطان محمد الثالث، وبداية عهد السلطان مولاي سليمان كان أبعد نقطة عن فرنسا، حسا ومعنى، فإن السلطان مولاي سليمان، وبحكم التضامن الملكي، وبمجرد تربعه على العرش المغربي، أبى إلا أن يعلن تضامنه مع الملك الفرنسي القتيل، لويس 16، ومستهينا بالخلفيات التي مهدت لتلك الثورة التاريخية، ليكتب في يناير 1793 رسالة ملتهبة ضد الثورة قال فيها: ((لقد بلغني أن كل سلاطين أروبا، جمعوا قوتهم واستعدوا لإعادة عرش فرنسا إلى يد ولد الملك الذي اغتيل بكل بشاعة(…) وأعلن للملإ أنني أساندهم، راغبا في أن ينفذوا ما عزموا عليه، من أجل سعادة البشرية، وأني مستعد للتعاون معهم، وأعلن منعي حتى لا يدخل لأراضينا كل هؤلاء الفوضويين والأوباش(…) الذين لا يعترفون بعاهلهم الشرعي)) (رسالة منشورة في كتاب: الاتفاقيات المغربية الفرنسية، المنشور سنة 1895).

وكانت رسالة السلطان المغربي، مدرجة في إطار التضامن الذي حصل وقتها بين ملوك العالم، وأقواهم، السلطان العثماني، الذي وصف سفيره إعدام الملك الفرنسي بهذه العبارات: ((بما أن الفرنسيين قد فقدوا ملكهم، فقد صارت أغلب المناصب بأيدي رعاع الشعب وهم ليسوا أكثر من عصابة من الثوار، مجموعة من الكلاب)) (كتاب النظرة الإسلامية. خالد زيادة، 1983).

ولم يكن السلطان المغربي مولاي سليمان، وهو يبحث عن طرف لإنقاذ الملكية الفرنسية المنهارة، يتوقع أن تنطلق في بلاده، ذلك الزمن، حركة شعبية مغربية لدعم الثورة الفرنسية، الزمن الذي لم تكن فيه صحف ولا أحزاب، وإنما كانت الجماهير الشعبية منظمة في إطار ما يسمى الطرق الصوفية، حيث كانت الطريقة الدرقاوية هي التي أعلنت دعمها للثورة الفرنسية، وانطلاق اتجاهات بزعامات متنوعة من أجل إعلان ثورة في المغرب، وكانت المنشورات كلها تتعلق بما سمي في ذلك الوقت “ثورة فرنسا وثورة درقاوة”، وهي المنطلقة من الأفكار المؤيدة لحركة سبق أن أطلقها الشيخ العربي الدرقاوي، الذي بدأ معارضته في أيام الملك عبد الله بن إسماعيل، بدءا بإعلان الدرقاوي مقاطعته للسلطان مولاي سليمان، في تحالف مع قطب صوفي آخر، التجاني ((اللذين كانا لا يخفيان عدم ارتياحهما لرسالة هذا السلطان الذي يريد إنقاذ الملكية الفرنسية)) (أطروحة الخريج محمد وراضي عن التصوف الطرقي).

وكان هذان القطبان الصوفيان ينطلقان في معارضتهما للسلطان المغربي من معارضتهما للزخرفة والتبذير الذي يطبع التقاليد المغربية.

وتكمن أهمية القطبين الدرقاوي والتجاني في كون بذورها الثورية واكبت السلاطين العلويين حتى أدركت عهد السلطان مولاي حفيظ 1907، حيث تبنت الطريقة الكتانية نهج درقاوة والتجانيين في دعم المواقف الشعبية، وإن كانت الظروف الاجتماعية قد تطورت، إلا أن المعارضة الكتانية في بداية القرن العشرين، كانت أقرب إلى الرأي العام وأكثر أثرا على وضعية السلطان، في ذلك الزمان الذي كان فيه الاستعمار الفرنسي يمهد لاحتلال المغرب، وكانت الحركة الكتانية المعارضة، أقوى بكثير من حركة المعارضة السياسية التي نعرفها الآن.

وقد زاد في ضخامة المعارضة الكتانية، واقع السلطان مولاي حفيظ الذي كان يسمى سلطان الجهاد رغم أن جهاده في الواقع، كان ضد أخيه مولاي عبد العزيز، إلا أن المعارضة الكتانية كانت منكبة على حتمية إصلاح الملكية، كشرط لقبول بيعتها(…)، البيعة التي حملت في ذلك التاريخ اسم البيعة الفاسية المنطلقة أساسا من ((ضرورة العدول عن بعض السياسات دون تقديم البديل(…) وكانت هذه الدعوة إلى ضرورة استشارة الأمة، عبارة عن ثورة(…) على نمط حكم مطلق يتفرد فيه السلطان بسلطة القرار، وشكل أعضاء حكومته مجرد خدام، لا يقطعون أمرا ولا ينفذون حكما إلا بأمر السلطان)) (الزاوية الكتانية. د.زهير شمشوب).

لتنطلق الأجهزة السرية في ردة فعل، ولتشيع في الأوساط الشعبية ((أن الكتانيين يدعون إلى إقامة ملكيتهم(…) بالمغرب)).

وأهم ما في إشكالية المعارضة الكتانية للسلطان هو أن هذا السلطان مولاي حفيظ لم يكن ليتقبل هذه المعارضة، ويعارضها أمام الملإ، من قبيل قوله مرة لهذا الكتاني زعيم الحركة: ((إذن، أنت تريد أن تكون سلطانا للمغرب، لا أنا)) إضافة إلى الأحاديث والجلسات التي كانت تنظم بمحضر السلطان، فرصا لتبادل وجهات نظر السلطان ومعارضيه، ليظهر من خلال هذه المناقشات(…) أن الحركة الكتانية سبق لها إطلاق شعائرها منذ أيام المناظرة الكتانية في 1897، تزامنا مع ما أسموه الثورة الفاسية(…) الفترة التي أطلقت فيها شعارات المعارضة السلطانية، لنظام المخزن ((الذي قسم أصحاب النفوذ إلى ما أسموه: أصحاب الخنجر وأصحاب الشكارة))، وأصحاب الشكارة هم الوزراء الذين يعملون تحت السلطات المباشرة للسلطان، لتنقسم المواقع المخزنية بدورها إلى “بلاد السيبة” و”بلاد المخزن”، والفاصل بين السيبة والمخزن هو الموقف من البيعة، التي يكتب المؤرخ “مارتن”، أن نتيجتها في أعقاب المناظرة الكتانية، هي نفوذ الوزير الصديق للسلطان الحسن الأول، باحماد الذي عمل بعد موت السلطان القوي على تعيين أصغر أولاده وأضعفهم سلطانا على المغرب، ليبقى الحكم بيد باحماد الرجل القوي، وهون المخطط الذي مهد لدخول الاستعمار الفرنسي، إضافة إلى الغموض الذي لف موت الحسن الأول.

وقد أكدت كل المصادر الصحفية أن أقطاب الاستعمار الفرنسي دخلوا في ذلك الصراع، بين السلطان والمعارضة الكتانية، وخرقوا أصول الحماية وحدود النفوذ الفرنسي، ليلعب الفرنسيون دورا مصيريا في التخلص من المعارضة الكتانية، وأخطر من هذا أن الفرنسيين كانت لهم يد في اعتقال زعيم المعارضة محمد الكتاني، وفي إعدامه الذي كانوا شهودا عليه.

فقد نشر الابن الأوحد، لزعيم المعارضة الكتانية الشهيد الكتاني، محمد الباقر الكتاني، نقلا عن وزير خارجية المغرب في تلك الظروف، عبد الكريم بنسليمان أنه كتب: ((أن الاحتلال الفرنسي هو ضمانة للحصول على حقوق متأخرة)).

لذلك يبقى للتاريخ، هذا التدخل الفرنسي، الذي انتهى باغتيال قطب المعارضة الكتاني، حين حصل أنه: ((في بداية مارس 1909، وكان السفير الفرنسي رينيو يتفاوض مع مولاي حفيظ، نظمت مقابلة لعقد اجتماع للسفير مع المعارض الكتاني حين دخل عليه السفير رفقة الترجمان بن غبريط، وبحضور أخ الشهيد عبد الحي الكتاني، قال السفير للقطب الكتاني هل تريد أن تكون سلطانا، فأجابه: لا. فقال له السفير لأن السلطان يريد أن يقتلك))، وتؤكد المصادر أن السفير قال لقطب المعارضة إن السلطان يريد أن يقتلك، كما أن القنصل الفرنسي “هنري كايار” هو الذي كان يتجسس على القطب الكتاني عندما أراد الفرار إلى أطراف فاس، في بني مطير، وحضر لحظات اعتقاله هو وأفراد عائلته ليكتب الصحفيون الفرنسيون: ((واعتقلت النساء في دار السكة والمريدون في سجن الدكاكن، وصودرت الأملاك والأمتعة)).

وقد كتب الباقر الكتاني أن الشهيد قبل اعتقاله قام بزيارة ذات مغزى كبير، حين قضى أسبوعا في ضيافة الزاوية الدرقاوية التي سبق في بداية الموضوع أنها أول زاوية أيدت الثورة الفرنسية، وقد أعطى القطب الكتاني لزبانية عبيد العافية(…) قصد ضربه بالسياط ألفي جلدة، لم يتحمل إلا خمسمائة جلدة، أغمي عليه بعدها، ليموت شهرا واحدا بعد جلده، ليكتب الفرنسيون أن السلطان أمر بجلد الشيخ ولم يأمر بقتله.

ليذكر المارشال ليوطي في مذكراته: “ليوطي والمؤسسات” أن السلطان مولاي يوسف أعلن انتماءه للطائفة الدرقاوية، عنوانا على عدم ثقته فيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!