تحليل إخباري | هل تتحول صفقة بيع فلسطين لإسرائيل إلى أزمة عنصرية في المغرب؟

إعداد: سعيد الريحاني

سأل أحد الصحفيين دبلوماسيا كبيرا في المغرب، لماذا لم يقم ترامب، رغم مرور ثلاث سنوات على انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، بتعيين سفير له في المغرب، فقال: “يجب أن نحمد الله أنه لم يهتم بهذا الأمر”، وكان الدبلوماسي المغربي يلمح إلى “طريقة الابتزاز” التي باتت تنهجها الإدارة الأمريكية بشكل فج في عهد الرئيس ترامب.

ورغم أن عدم وجود سفير أمريكي في المغرب لا يثير من الناحية العملية أي إشكال، بفضل استمرار العمل داخل السفارة الأمريكية بشكل عادي، فإن التحركات الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط، ولعبة تضارب المصالح، فرضت وضع المغرب في دائرة ضيقة، قد تجلب له عدة مشاكل مستقبلا، لاسيما بعد ظهور مؤشرات تبرم المغرب من الصفقات “الترامبية” نسبة إلى ترامب، حيث أن المغرب رفض عمليا التماهي مع “مؤتمر البحرين”، لخطورة ذلك على مستقبل القضية الفلسطينية، بل إن الصحافة المغربية، أكدت أن المغرب لم يشارك في هذا المؤتمر الذي انطلق يوم الأربعاء الأخير إلا عبر “موظف” لا علاقة له بوزارة الخارجية، كما يؤكد ذلك كلام متحدث باسم وزارة الخارجية المغربية، والذي قال: “إنه بدعوة من حكومتي البحرين والولايات المتحدة الأمريكية، يشارك إطار من وزارة الاقتصاد والمالية، في أشغال الورشة حول السلام والازدهار التي تحتضنها العاصمة البحرينية المنامة، يومي 25 و26 يونيو 2019”.

المغرب إذن، والذي يوجد على رأسه الملك محمد السادس رئيس “لجنة القدس”، يقاطع مؤتمر البحرين، بشكل عملي، بل إن المشاركة تمت عبر موظف في وقت يتحدث فيه باقي المشاركين العرب عن تمثيليات على أعلى مستوى، لاسيما عن الجانب السعودي والمصري.. علما أن المؤتمر عرف مشاركة 39 دولة، ويحضره الإسرائيليون، لكن الحذر الأمريكي جعلهم يختزلون الحضور الإسرائيلي في مجموعة رجال أعمال إسرائيليين، بضغط من ترامب.

ولاشك أن السعودية، المتماهية كليا مع السياسة الأمريكية التي تخفي تحتها المشاريع الصهيونية، تضع نفسها في موقف جد محرج وهي تدعو بشكل مشترك مع أمريكا لمؤتمر اقتصادي في البحرين، والكل يعلم أن ترامب لا يريد من ذلك إلا مزيدا من الإهانة لحكام السعودية، حيث أنه لا يتردد في القول إن ملايير الدولارات التي تدفعها السعودية، تكون مقابل حمايتها، “السعودية دولة غنية جدا ليس لديها شيء سوى المال”.. هكذا يتحدث ترامب، ويصف من سبقوه للرئاسة بـ”الأغبياء”، لأنهم لم يفعلوا مثله.

ويا لها من مفارقة، فالسعودية التي تتزعم اليوم صف الترويج لـ”صفقة القرن”، وأساسها “بيع القضية الفلسطينية” وإعدام مبادرة السلام العربية، نسيت أن من أطلق المبادرة العربية هو الملك عبد الله بن عبد العزيز، ملك السعودية، وقد كان هدف المبادرة ولازال، هو “إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دوليا على حدود 1967 وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل”.

ولمعرفة ما يجري في البحرين، تكفي قراءة تعليقات الفلسطينيين: “كيف يمكن لأحد أن يصدق أن من يفرض علينا حصارا اقتصاديا ويمنع عنا أموالنا، بات يرغب في دعوة دول العالم إلى ورشة اقتصادية هدفها جمع الأموال لمساعدتنا(..). إسرائيل والولايات المتحدة هما أساس المشكلة التي تدعيان بأنهما ترغبان في حلها”.. هكذا تحدث رئيس الوزراء الفلسطيني.
“أخطر ما يمكن أن يحصل في ورشة المنامة التي هي عبارة عن حفل زفاف لا يحضره المعني بالحفل أصلا، سواء كانت العروس أو العريس، كما قال ساخرا أحد المعلقين الإسرائيليين، ليس أن تعلن واشنطن، بالتنسيق الكامل مع إسرائيل طبعا، خطتها للتسوية المعروفة إعلاميا بصفقة القرن، ولكن أن تتبرع الدول العربية بمسايرة هذا التصور، سواء بالموافقة العلنية أو السرية، الضمنية أو المباشرة، لأنها بذلك تكون في وضع بالغ السوء، فهي لا تكتفي وقتها بمخالفة ما سبق أن تبنته ووافقت عليه، هي نفسها، في إطار الجامعة العربية منذ سنوات، وإنما تتقدم خطوة إضافية، نوعية في سوئها، بالموافقة على شيء نيابة عن الفلسطينيين وقيادتهم بدون رضى منهم ولا تفويض.
هذا بالضبط ما كان قد حذر منه الدكتور صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عندما صرح بأنه “إذا كان لبعض العرب أن يقدموا تنازلات فليقدموها من حسابهم وليس من حساب الفلسطينيين. إذا ما فعلوها، وقد يفعلها بعضهم فعلا ضمن سياق سياساته الأخيرة الطائشة، فإنهم بذلك إنما ينتقلون من مربع خذلان الفلسطينيين في السنوات الماضية إلى مربع الوقوف ضدهم بالكامل” (المصدر: القدس العربي/ في المنامة لا أحد يضع الكوفية الفلسطينية).

وربما يقول قائل أن ما يجري في المنامة بعيد عن المغرب، ولا ينعكس على الأوضاع داخل البلاد، بل العكس هو الصحيح، فمؤشرات الانتقام الأمريكي والضغط على المغرب، تظهر جليا من خلال تصريحات جاريد كوشنير، صهر ترامب، وهو في نفس الوقت مستشاره الخاص، والذي أصر على ذكر المغرب بالاسم كمشارك في اجتماع المنامة.. هذا من الناحية الخارجية، أما داخليا، فإن صفقة بهذا الحجم، استدعت تحركات لم تفرق بين اليساري والإسلامي في مسيرة حاشدة بالرباط، ولأن أكثر المواضيع خطورة، هي المواضيع القادرة على توحيد الصف: من اليسار ومن اليمين ومن الإسلاميين، لذلك لا ينبغي استصغار الموضوع.

يمكن القول أن أحسن تلخيص مبسط لـ”صفقة القرن” ولجانبها التجاري، جاء على لسان مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، حول وجه “الخداع” والجانب التجاري في مؤتمر المنامة، ويتلخص ذلك حسب ملخص أعده حسن بناجح، القيادي في جماعة “العدل والإحسان”، المتحالفة مع قوى اليسار المغربي في رفض الصفقة كما يلي:

1) رقم خمسين مليار دولار الذي ذكر هو لمدة عشر سنوات أي بمعدل خمس مليارات سنويا فقط.

2) رقم خمسين مليارا كما ذكر كوشنير، يحتوي أفخاخا خطيرة، فنصف المبلغ المذكور، حسب تصريحات كوشنير، أي خمسة وعشرون مليار دولار، سيكون قروضا بفوائد وليس منحا، وهذه القروض ستثقل كاهل الفلسطينيين إن نفذت الخطة بمزيد من الديون التي ترهقهم أصلا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن 11 مليار دولار من المبلغ المذكور، ستكون من رأس المال الخاص الذي سيسعى للربح وليس لدعم الاقتصاد الفلسطيني، ومن المشكوك فيه أصلا، أنه يمكن جمع هذا المبلغ.

3) أربعة وأربعون بالمائة، أي حوالي نصف الخمسين مليار (28 مليار) لن تعطى للفلسطينيين، بل ستصرف في الدول العربية المجاورة (مصر والأردن ولبنان) بهدف توطين اللاجئين وتصفية حقوقهم الوطنية في العودة، ولإنهاء وجود وكالة الغوث الدولية، وهي في الواقع محاولة لسلب التبرعات التي تقدم حاليا لوكالة الغوث لدعم اللاجئين الفلسطينيين وتحويلها إلى أموال في خطة كوشنير لتصفية حقوق اللاجئين بعد تدمير وكالة الغوث وخدماتها الصحية والتعليمية.

4) بالتالي، فإن المنح المقترحة للفلسطينيين، لن تتجاوز ثمان مليارات دولار لعشر سنوات، بمعدل 800 مليون سنويا، وهو ما تدفعه في المعدل الدول العربية والأوروبية للسلطة الفلسطينية حاليا، أي أن المساعدات الموعودة هي نفس المساعدات الموجودة، ولكن سيتم تقييدها بـ”جعلها مشروطة بتنازل الفلسطينيين عن القدس وعن حقهم في دولة، وعن فلسطين بكاملها، بقبولهم لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية لإسرائيل”.

5) ما طرحه كوشنير من مشاريع مقترحة لغزة، موجه لفصل غزة بالكامل عن فلسطين، ولربطها بالكامل بجزيرة سيناء المصرية، وهذا يستدعي يقظة فلسطينية ومصرية إزاء محاولات تحويل غزة إلى مشكلة مصرية وفصلها بالكامل عن فلسطين.

هذا من حيث الجانب التجاري، أما من حيث محاولات تحويل أزمة “صفقة القرن” إلى أزمة مغربية، فإنه يكفي تتبع تعليقات النشطاء الأمازيغ على المسيرة المناهضة لهذه الصفقة في الرباط، وتكفي قراءة ما ورد على لسان “عراب الحركة الأمازيغية” أحمد الدغرني، الذي قال: “إن الهيئات اليسارية والإسلامية التي دعت لتنظيم هذه المسيرة التضامنية مع فلسطين، لا تهتم بما يجري في المغرب، وتركز فقط على ما يجري في دول الشرق الأوسط”، معتبرا أنها تعتمد على استراتيجية إقحام المغرب في ما لا يعنيه، كمشاكل العراق وفلسطين، والتي هي مشاكل لا نهاية لها، حسب تعبيره. هكذا تحدث الدغرني قبل أن يضيف: “إن الذي يقول ويتشبت بما يسمى المصير المشترك، يريد أن يجعل الرباط كالعاصمة العراقية بغداد”، أي عاصمة للإرهاب، حسب قوله، فهل تكون هذه مؤشرات تحويل “صفقة القرن” إلى أزمة عنصرية في المغرب؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!