الحقيقة الضائعة | في بلاد كثر فيها الملوك والسلاطين.. الملك لا يقول لصديقه اشتري لي حزبا من السوبر مارشي

بقلم: مصطفى العلوي

ونستمر في استعراض الظروف المأساوية لانقراض الأحزاب المغربية، وقد أبدع أقطابها على اختلاف ألوانهم في التسابق نحو الغياب، والإبداع في السكوت، منطلقين في بحثنا هذا من زريعة الأمل التي نثرها المجرب الحسن الثاني في التراب المغربي، حين قال في مذكراته: ((هناك طريقة لاختراق الصمت الشعبي وهي قراءة الصحف، لأن الصحف غير صامتة حتى عندما تكون الأمور إيجابية فإن الصحف تقول العكس)) (مذكرات الحسن الثاني. إيريك لوران).

ونبدأ بالحزب الذي أسسه صديق آخر للملك السابق، الحسن الثاني، صهره أحمد عصمان، الذي أسس بدوره في ذلك الزمان الغابر، حزب التجمع الوطني للأحرار، بنية دعم صديقه الملك الحسن الثاني، وحيث أن ذلك الحزب تأسس بدوره في أركان القصر الملكي، حيث الأردية الحريرية والقفاطين المتموجة، وهي تجلب أنظار الراغبين في المناصب التشريفية، وكان تأسيس هذا الحزب مطبوعا بالمؤثرات الأخلاقية المخزنية التي كانت روابطها الحازمة، متأثرة بعظمة الأميرة الفقيدة للانزهة، زوجة رئيس الحزب عصمان، وقد ماتت في حادثة اصطدام في عز شبابها، حيث افتقدها المغرب، فيم كان زوجها ينهل من حليب الخلود المخزني، من معادنه ومنابعه التي بقيت متأثرة بأيام الملك محمد الخامس، فكان من السهل أن يستقطب هذا الحزب مائة وخمسين نائبا برلمانيا كانوا يرفعون أيديهم للتصويت البرلماني بدوافع التقرب والتأشير بأيديهم في اتجاه صاحب العرش، بطريقة تجعل حسابات هذا الحزب لا تعود لأمجادها إلا بإدارة مؤسسة عصمان، يا حسرة، وقد بقي في غيبته الطويلة حاضرا بنبله مهيمنا على هذا الحزب بتجربته، لأن حزب الأحرار تأسس على أطراف القصر الملكي أصلا، لدرجة جعلت رفيق الملك وقتها، الجنرال الدليمي ينبه صديقه الحسن الثاني إلى جعل الحزب حزبين، حزب للقصر يرأسه صهر الملك، وحزب للشعب يرأسه النقابي أرسلان الجديدي، صاحب مقولة “صيفطني صاحب الجلالة”.

وتم اقتسام الحزب حزبين، بشكل جعل الحسن الثاني عند تكريس عملية التقسيم بمحضره، خمسة وسبعين مع عصمان، وخمسة وسبعين مع أرسلان، يقول لعصمان مقولته التي أسالت دموع الصديق العزيز: هل تسمع يا عصمان، والله لو لم أكن ملك المغرب لدخلت مع حزب أرسلان.

من الصعب إذن اعتبار حزبي(…) الأحرار حزبا واحدا أو تحويله إلى مؤسسة شبه بنكية تباع في بورصة الدار البيضاء، لأن الملك العظيم لا يمكن أن يقول لصديقه: اشتر لي حزبا من السوبر مارشي لأحقق به الأغلبية، وهو ما يفسر الأسلوب السلبي الذي يتعامل به قدماء الأحرار مع المشتري الجديد(…) الذي لا يجهل أن الملك الجديد محمد السادس فكر في بداياته في إعادة التجربة الحسنية الشبه تقليدية(…) بعيدا عن الخلط بين السياسة والسوبر مارشي، عندما كلف الحسن الثاني مبكرا صديقه ومستشاره أحمد جديرة بتأسيس حزب الملك، حزب الفديك، حين كان جديرة يمارس دوره المنطلق من أن الجمع بين دور صديق الملك ومستشاره، يفرض اختلافا في الرأي لمصلحة العرش(…) وكثيرا ما قال جديرة للملك علنا: إنني غير متفق معك، ومرة رمى المستشار الصديق على الطاولة الملكية استقالته، ونترك الصيغة الأصلية للحسن الثاني كما كتبها في مذكراته: ((ويوما في 1966 قال لي المستشار جديرة في قلب مجلس الوزراء: مولاي، مع كل احترامي وتقديري، فإني لا أملك الوسيلة للدفاع عن أفكاري، فقلت له: صديقي العزيز أعرفك منذ سنة 1945 ولم أكن لأقبل تشغيل من لا يرتاح ضميره للعمل معي.. وإذا أردت الذهاب فاذهب)) (مذكرات الحسن الثاني. إيريك لوران).

وهي الظروف التي جعلت الحسن الثاني لا يتوقف بمجرد انسحاب صديقه من المسؤولية، فكلف صديقه الآخر.. وأصدقاء الملوك كثيرون(…) وعصمان واحد منهم، بتأسيس حزب جديد، ولكنه لم يقل له اشتري لي حزبا جديدا، لأن الأحزاب ليست سلعة تباع في السوق، خصوصا في هذا المغرب ذي الشعب الذي تغلب عليه الانتهازية، والطاعة والخضوع لمن هو حاضر(…)، وانظروا مليا في صور الصفحة الأولى، والناس يتهافتون بتقبيل أيادي الحاضرين.

وقد وضع أسس التعاقد الحقيقي بين الملك الحقيقي والشعب، حكيم قديم نقل عنه التاريخ أنه قال:

ومن لم يذذ عن حوضه بسلاحه

يشرد ومن لا يَحكم الناس يُحكم

وكانت المبادرة الجديدة أيام الملك محمد السادس في ظروف أكثر أهمية وخطورة(…) عندما حتم العهد الجديد ربط الملكية بالديمقراطية والتحضير لإعلان دستور 2011، فكلف صديقه ومستشاره علي الهمة ليستغل جانبه السامباتيك(…) لربط الماضي بالحاضر، وإن كانت المهمة أصعب مادامت العناصر السياسية المنتظرة أصعب، وحتى على مستوى السن(…) والتجربة الأكبر..

وهذه الأوراق المتناثرة تحمل أسماء علال الفاسي، وعبد الرحمان اليوسفي، وامحمد بوستة، وكريم العمراني، وعبد اللطيف الفيلالي، والمحجوبي أحرضان، ومولاي أحمد العلوي، والدكتور الخطيب، والمعطي بوعبيد، والمحجوب بن الصديق، والدكتور بنهيمة، وإدريس البصري، واللائحة طويلة، فقد حاول المستشار الهمة أن يتجاوز هذا الماضي، ويربط مخططاته مع الشبان الجدد على الساحة السياسية، وخاصة المقربين إلى الاتحاديين وأغلبهم في الواقع لا يؤمنون بالملكية المخزنية(…) التي كان فؤاد الهمة جزءا منها، ليعلن بدوره تأسيس حزب جديد(…) حزب الأصالة الذي أصر على إعطائه طابعا جديدا، متناسيا المقولة المغربية: الماضي لا تفرط فيه، ليحصل الفراغ السياسي الذي أرغم فؤاد الهمة على الانسحاب بسرعة من هذا الحزب، الذي غلب عليه أصحاب البيزنيس(…) بينما لا سياسة مع البيزنيس، وها أنتم ترون كيف أن البينزيس هو الذي قضى على هذا الحزب.. وحوله من حزب الملك إلى حزب العمري وبنشماس.

مواكبة مع المخطط المرسوم لإضعاف الأحزاب الأخرى، لنصل إلى الواقع المرير: لا أحزابهم ولا أحزابنا.

ورغم أن ظروف الربيع العربي التي واكبت عهد محمد السادس، وزادت ظروف المغرب تعقيدا عندما تم إبعاد القطب إدريس البصري، الذي كانت بأيديه مفاتيح ثلاثين عاما من التجارب(…) التي جعلته يؤرخ بأن المغرب مجرد دوار، يجب التعامل معه على هذا الأساس، فإن الإحساس بالفراغ، الفراغ حسا ومعنى، الفراغ الذي زاده ابتعاد الملك عمليا عن التدخل في شؤون التوجيه، لدرجة استفحلت حتى أصبح المعارض الأول للتدخل الملكي في شؤون الحكومة، عبد الإله بن كيران يشعر بخطورة الفراغ على الملكية وعلى المغرب، فأصبح يردد في كل تصريح بأن الملك يجب أن يملك ويحكم، الظاهرة التي فتحت الأبواب على مصراعيها(…) بعد إغلاق الأبواب التي أشرعها الحسن الثاني في التدخل بخطاب ملكي تجاه أي حادث، خصوصا بعد انطباع الحاضر الجماهيري في الدول المتخلفة كلها بظاهرة الاكتساح الإسلامي، وقد كانت العوامل الأمريكية تجاه المغرب سريعة حين خصت هذا البلد الذي يعتبر نموذجا للدول المتخلفة(…) حين استقبلت إحدى مؤسساتها التوجيهية المسماة CSID، المسؤول في حزب العدالة والتنمية، الدكتور سعد الدين العثماني، في واشنطن يوم 9 مايو 2006، وأعطته صفة “الديمقراطي المسلم لسنة 2006” لتدعم منظمة “كارينجي” في نشرتها رقم 71، أكتوبر 2006، أن المغرب يتوجه من أسفل السافلين إلى التحول الديمقراطي، وهو الواقع الذي كان أول رافض له بقايا حزب الأصالة، الذي سبق أن أسسه المستشار فؤاد الهمة، والذي هو بنفسه لم يتمالك أعصابه، وأعلن معارضته لكل اكتساح إسلامي، لتفتح الأبواب مشرعة أمام الاتجاهات المختلفة، إن لم نقل الصراع العصري الذي فسره مؤخرا.. ومنذ أيام فقط، عبد الإله بن كيران الذي فجرها بصراحة وقال ملمحا إلى الذين يؤشرون لإبعاد الإسلاميين: ((إن من يريد فصل الدين عن الدولة عليه أن يقوم بثورة ويقتلع الملكية لأن الملك أمير المؤمنين)) واقتلاع الملكية يعني إعلان الجمهورية.

وها هي الفاعلة الاجتماعية خديجة الرياضي تقول: ((من الصعب أن تعبر الناس عن رأيها، كان هناك إسلامي(…) يقول أن النموذج الجمهوري قد يكون أفضل للمغرب، وحوكم هو والصحفي الذي أجرى معه الحوار، بينما هناك غموض حول تدبير الثروة في المغرب والتي لا نعرف أين تذهب، حيث نحن بلد غني لكن السواد الأعظم من المغاربة يعيشون الفقر)) (جريدة البوبليكو. 3/3/2019).

لنفهم كيف أن الفاعل الصحفي المؤثر خالد الجامعي يعنون أحد مقالاته بقوله: ((أخاف اليوم(…) على الملكية لأنه لم يعد لها بارشوك يحميها)).

خوف يبرره الفراغ السياسي نتيجة ضعف الأحزاب المغربية وغيابها طبعا.

تعليق واحد

  1. الطالبي محمد

    البارشوك كناية عن الاحزاب تكسر واعوج ولم يعد صالحا واكثر من دلك اصبح يمثل عبئا ومظهرا مشينا يرافق حياتنا اليومية…فما الدي تقدمه الاحزاب لاجيال اليوم …الاجيال التى يبقى سمتها الابرز الواقعية …فما الدي يهم مواطنا
    _ينظر الى مستقبله وما يتطلبه هدا المستقبل من امكانات و ووو…__من ايديوجيات البعض وسفه البعض الاخر ومسرحيات بعض المنتخبين وتمثيليات بعض لبرلمانيين بينما واقعهم هو البحث عن المصالح الشخصية والصراع حولها والسعي وراء المناصب ليس من دراية او قدرة على التطوير بل اساسا لما توفره تلك المناصب امتيازات ومداخيل ….بل وبسؤال مباشر مادا يعني ان يتقدم منتخب الى المواطن ليطالبه بالتصويت عليه لانه يصلي ويترشح الاخر لانه لا يصلي وياتى ثالت بشعار المعقول وهو اخر ما يمكن ان يجده المرء هنا وينبري غيرهم باسطوانة من زمان اصل الكائن البشري…….الخ بينما لا احد منهم يملك ادنى فكرة او حل لمعضلة من المعضلات التي يغيشها المجتمع …
    تصور وزيرا يقول وبلسانه وامام الجميع ان البطالة لا حل لها عنده وان الصحة ملف متشابك وان الزيادة في الاجور شيء مستبعد وا التعليم ملف كبير لا يمكنه الحديت فيه … ثم ولكنه على العهد ومستعد للجهاد في سبيل البقاء والاستملرار على را’س الحكومة والدفاع عن الاستحقاقات والمكتسبات الحزبية….الخ
    الايدعو هدا الى رمي هدا البارشوك في مطرح النفايات
    شباب اليوم في غالبته متعلم يريد من يعامله على هدا الاساس …على اساس برامج حزبية بنائة وواضحة عما يمكن للحزب ان ياتي به في مواجهة البطالة والنسبة المستهدفة عما يمكن ان يحققه في الاصلاح الضريبي عما يمكن ان يعمله في قطاع الصحة الى اخره اما الخوض في نقاشات بيزنطية فلا يمكن ان يزيد المر الا تازما ..فغياب قضية يجعل الانسان في مواجهة الفراغ فما الدي يمكن ان نحاسب عليه اي حكومة في الوضع الحالي لاشيء اللهم الا ان كان هناك سرقة او رشوة او ما شابه …فانعدام برنامج يستوجب المسائلة يولد الفراغ وبالتالي تواجد الملكية في الواجهة ……اما الاحزاب فقد قضت وترها..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box