في الأكشاك هذا الأسبوع
عائلة أوفقير في صورة جماعية نادرو بعد الهروب من السجن

تحليل إخباري | كيف قطعت ألعاب المخابرات شعرة معاوية بين الملك محمد السادس وعائلة أوفقير؟

هل التقارب الذي يخدم مصلحة المغرب لا يخدم مصلحة النافذين؟

إعداد: سعيد الريحاني

 سبق أن قدمت فاطمة أوفقير للصحافة كشفا بمجوهراتها المسروقة منذ سنة 1972، أي السنة التي فشل فيها الانقلاب، ومنها اثنين “بروش” من الذهب الخالص، مزينين بالأحجار الكريمة، وأمثالها من أنواع أخرى(..)، وسلاسل وعشرات الأحجار الكريمة واللؤلؤ، وحزام ذهب نسائي، وعدة أساور ذهبية.

وليس غريبا أن تمتلك زوجة أقوى رجل في المغرب، هذه الممتلكات التي كانت تحصل على جزء منها كهدايا، حيث نقلت الصحف على لسان فاطمة أوفقير، قبل وفاتها، قصة هذه المجوهرات: ((بالنسبة للمجوهرات المكونة من الزمرد واللؤلؤ، فقد أهداني إياها شاه إيران، والعاهل الأردني، الحسين رحمه الله، بالإضافة إلى ما منحني إياه المغفور له الملك محمد الخامس والملك الحسن الثاني، والرئيس الأندونيسي سوكارنو، بل إنه كنزي الذي يعتبر محصلة عشرات الهدايا التي أغدقها علي العديد من رؤساء دول العالم في كل مناسبة يحلون فيها ضيوفا على المغرب، أو أثناء تنقلاتي إلى جانب زوجي أو العاهل المغربي))(..).

المتهم الأول في الاستيلاء على مجوهرات الراحلة فاطمة أوفقير، كان هو زوج ابنة أخ الجنرال أوفقير، واسمه عمر عكوري، وهو أحد رجال ثقة أوفقير، وكان معلوما أن أوفقير لا يدخل في المشاريع بشكل مباشر بل عبر مقربيه(..).

لم تكن محنة الراحلة فاطمة أوفقير مع محاولات فاشلة لاسترجاع مجوهراتها، إلا جزءا من معاناة كبرى عنوانها “نهب جميع ممتلكات عائلة أوفقير”، وقد حكى رؤوف أوفقير، الابن البكر للجنرال القوي، في كتابه “الضيوف”، والمقصود بالضيافة “عشرون سنة في سجون الحسن الثاني”، ملخص هذه المأساة كما يلي: ((باختصار، اعتقدنا بسذاجة، أن الصفحة ستطوى نهائيا بعد موت الحسن الثاني، وأننا سنستعيد كامل حقوقنا في بلدنا، ولكن هيهات، ها قد مرت أعوام على موت الملك.. وقبل وفاته، كان قد شكل مجلسا لحقوق الإنسان، لكي يتمكن ضحايا الدولة من الحصول على تعويضات، وقد واصل ابنه الملك محمد السادس السير في هذا الطريق، وهكذا تم تعويض العسكريين الناجين من سجن الأشغال الشاقة ماليا..)).

وكانت التقارير السوداء الصادرة عن المخابرات قد عمقت أزمة عائلة أوفقير، ليحكي رؤوف: ((كان الناطق الرسمي باسم القصر، حسن أوريد، يدعي صداقتي، قبل أن يعين في هذا المنصب، وعبره وبفضل أوزين أحرضان، تم الاتصال بين الملك وبيني قبل وفاة والده، كتبت رسالة إلى الملك محمد السادس لأقدم له تعازي، وأؤكد أن له دعمي وتعاطفي معه في المهمة الكبيرة الملقاة على كاهله، عبرت في هذه الرسالة عن الأمل الذي كان يحدوني، بتبوئه للعرش، وبرؤية عائلتي وقد استعادت أخيرا حقوقها الكاملة، وبأن نكف عن كوننا منبوذين في بلدنا، وفي معرض رده وبصوت حسن أوريد، أكد لي محمد السادس تفهمه وتعاطفه، ووعدني الملك بمقابلة معه، وفي يوم الموعد، وقبل تنفيذه بنصف ساعة، ألغي فجأة، وقد علمت فيما بعد أن الاستخبارات كانت قد أعدت ملفا مختلفا لمنع ذلك التقارب)) (نفس المصدر).

رؤوف، بصفته واحدا من أبناء أوفقير، موجود الآن حيث هو، بعيدا عن وطنه، ويؤدي ضريبة جريمة ارتكبها والده، وهو لا يملك في الواقع سوى أكوام من أحكام قضائية، ومذكرات مرفوعة للقضاء حول الثروة المنهوبة لعائلته، ويزداد الطين بلة، عندما نعرف أن رؤوف لا يجيد اللغة العربية ولا يفهمها جيدا، ليطرح السؤال عن شرعية هذه الأحكام التي لم تنصف عائلة أوفقير وكلها صادرة بلغة عربية لا يفهمها الضحايا، الذين تفرقوا في حال مزرية بعدما ترعرعوا في القصر، ((قد لا تصدقون ما أحكيه لكم من معاناة حقيقية، لكنني أدعوكم كي تنتقلوا مثلا إلى الشقة التي تكتريها إحدى بناتي في الدار البيضاء، (مصدر الكلام حوار سابق مع فاطمة أوفقير) والتي تقدر سومتها الكرائية بـ 3500 درهم للشهر، وكيف كان سيكون مصيرها الشارع)) (المصدر: حوار سابق مع فاطمة أوفقير).

هكذا إذن، عوقب الأبناء بجريمة والدهم.

تصوروا محنة الراحلة فاطمة أوفقير وهي تحكي للقضاء كيف أنها “قامت خلال شهر ماي 2003 بمحاولة شراء ثلاثة شقق، وأنجزت مع “متهم” وعدا بالبيع لدى موثق عدلي، وبعد التوقيع سلمت الموثق ثلاث شيكات بمبلغ 240 ألف درهم، و114 ألف درهم و642 ألف درهم، علما أن ثمن البيع الإجمالي للشقق هو 5508000، غير أن المقاول المعني لم يف بالتزاماته، و((أنه ورغبة منها في الاستقرار بمراكش، قامت شخصيا باستكمال الأشغال، وصرفت أموالا طائلة من أجل ذلك، وعندها بدأ المتهم يتهرب من إنجاز العقد النهائي، كما بلغ إلى علمها أن الشقق خلال سنة 2012 ستباع في المزاد العلني لكون شريك المتهم تقدم بدعوى للتصفية القضائية..)).

قد يقول قائل أن القضاء وجد ليحل مشاكل من هذا النوع، لكن الملف الذي تفوح منه رائحة المؤامرة، سيجعل من سيدة صرفت كل أموالها للحصول على سكن لأبنائها، ضحية لا تستحق أي تعويض، وكل ما جادت به قريحة القاضي، هو أن المتهم سيعاقب بستة أشهر حبسا موقوفة التنفيذ، أي “لا شيء”، أما التعويض فلم يتعد في نظر المحكمة الموقرة، سوى 1000 درهم (انظر صورة من هذا الحكم رفقته).

قضية مثل هذه لا يمكن أن تمر بعيدا عن أعين المخابرات، خاصة وأن الصحافة سبق أن أشارت إلى وقوف أجهزة وزارة الداخلية على مسلسل النهب، ((من المجوهرات، إلى العقارات، تمكن فريق البصري وعلابوش من معرفة تفاصيل تدبير العمارات الثلاث التي تمتلكها فاطمة أوفقير بوسط العاصمة الإدارية الرباط، وكيف أن هذه العمارات تم تدبير مواردها من طرف عمر العكوري منذ يوليوز 1974، وكيف أن هذا الأخير قام ببيع عمارتين من أصل ثلاثة، العمارة الأولى توجد بشارع محمد الخامس بالرباط، والعمارة الثانية موجودة بنفس المدينة في شارع الينبوع، والعمارة الثالثة توجد عند تقاطع شارع محمد الخامس وزنقة الإسكندرية..)).

وانظروا لمفارقات الزمن، العائلة التي عاشت في قلب القصر، لا أحد يستطيع تحديد مصير أعضائها، بل إن الجميع تبرأ منها، اللهم بعض المحامين الذين صرحوا بعد فوات الأوان، بأن ((معاقبة عائلة الجنرال، كانت خطئا ارتكبه الحسن الثاني، لأنه لم يجد من يقنعه بأن العائلة لا دخل لها، ولأن هناك في محيط الملك من كانوا يريدون تجريد عائلة أوفقير من ممتلكاتها والاستيلاء عليها عن طريق الزج بأفرادها في السجن(..))).
قصة أوفقير، الذي راحت حياته بين تهمة قتل بنبركة، ومحاولة الانقلاب على الحسن الثاني، وقصة العائلة التي تعرضت للاستباحة، بعد النفوذ والجاه، تستحق أن تتحول إلى سيناريو درامي، يبدأ منذ اليوم الذي بدأت فيه المشاكل بين الحسن الثاني وجنراله القوي، وفي ذلك عبرة من الزمان، وهو ما لخصه رؤوف أوفقير في استجواب صحفي كما يلي: ((بدأت مشاكل والدي مع الحسن الثاني في بداية 1969، وتعمقت أثناء تولي أحمد العراقي رئاسة الحكومة، وهي الحكومة نفسها التي أدت إلى انقلاب الصخيرات عام 1971 على ما أعتقد. أعلم أن والدي فاتح الحسن الثاني في موضوع الفساد المستشري داخل الحكومة وحاشية القصر، وقال مخاطبا الملك: “إننا نحن الضباط أقسمنا لوالدكم محمد الخامس أن نعمل على تقوية العرش ومحاربة أعداء البلد، وأننا سنحمي البلاد من كل الأزمات، لكننا الآن نرى أن جهودنا تذهب سدى، ونلاحظ تفشي الفساد بشكل كبير”. واتسع الخلاف بين 1969 و1972، فتفجرت قضية رجل الأعمال بن مسعود، لكن حديث أوفقير عن الفساد جعل محيط الملك يحتاط منه، وبدأوا يوغرون صدر الملك الحسن الثاني بضرورة تقويض سلطات الجنرال، وهكذا كان، حيث أبعد الكولونيل نعيمي والشلواطي والغازي والحاج بلعال، عدا الدليمي، الذي تعزز دوره منذ تبرئته في قضية بنبركة، وصارت مهمته منذ اندلاع الخلاف بين الحسن الثاني وأوفقير، هي مراقبة تحركات هذا الأخير.. الجنرال أوفقير لم يكن قويا بالدرجة المتداولة، كان عسكريا وينفذ الأوامر من دون أي تردد، لذلك كان له أعداء كثيرون. بعد انقلاب الصخيرات، كان والدي يراقب الوضع، إذ أن الحسن الثاني أمر بأن يتحكم محافظو الأقاليم بسلاح الجيش)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!