الحسن الثاني والجنرال اوفقير

تحليل إخباري | الجنرال أوفقير بين تهمتين: اغتيال الزعيم الاتحادي بنبركة وتدبير انقلاب على الملكية

إعداد: سعيد الريحاني

كانت الطائرة الملكية التي تحمل على متنها الملك الراحل الحسن الثاني، يوم 16 غشت 1972، قد وصلت إلى أجواء مدينة تطوان، قادمة من فرنسا، حيث قضى الملك في قصر “بيتز”، وهو نفس القصر الذي يسافر إليه الملك محمد السادس إلى حدود اليوم، مدة تناهز أسبوعين، وكانت الطائرة قد نزلت قبل أن تواصل مسيرتها في برشلونة الإسبانية، حيث تناول الحسن الثاني وجبة الغذاء مع وزير الشؤون الخارجية الإسباني حينها، غريغوريو لوبيز براڤو، وكان ربان الطائرة هو محمد القباج، أخ أحمد القباج، هذا الأخير أسس بعد نجاة الحسن الثاني من محاولة الانقلاب التي كانت مدبرة في هذا التاريخ(..)، الشركة العقارية العملاقة المعروفة بمشاريعها الضخمة، وآخرها مساهمتها في تشييد “البراق”، ولعله من غرائب الصدف، أن يكون اسم “البراق” القطار فائق السرعة الذي ساهم في تشييده شقيق الربان محمد القباج، هو نفسه “البراق” الاسم الذي أطلق على العملية الجوية التي كادت أن تنهي فترة حكم الحسن الثاني(..).

بين الإشاعة والحقيقة، نسبت محاولة الانقلاب الثانية للجنرال محمد أوفقير، وكل ما بقي في ذهن عدد كبير من المغاربة، هو صورة الحكاية التي تقول بأن ست طائرات “إف 5″، حاصرت طائرة مدنية في السماء وأطلقت عليها أعيرة نارية، قبل أن يخدع القباج مهاجمي الطائرة، عندما طلب من ميكانيكي الطائرة أن يعلن موت الطيار وإصابة الملك بجرح خطير، بينما كان الحسن الثاني قد أخذ مكانه في قمرة القيادة إلى جانب القباج، الذي بدأ يفقد أعصابه معتقدا أن الطائرة لن تنزل سالمة على المدرج، ولكن الحسن الثاني كان يطمئن الربان بهدوء نادر.

هذه القصة، هي التي تم تعميمها على المغاربة، إلى حدود اليوم، ولكن هل يعقل أن تعجز ست طائرات حربية على إسقاط طائرة مدنية؟ إنها إحدى عجائب المحاولة الانقلابية الثانية التي نسبت للجنرال أوفقير، أحد رجال ثقة الملك محمد الخامس وبعده الملك الحسن الثاني، هذا الأخير كان قد كلف أوفقير بتصفية الأجواء في المغرب، بعد “مجزرة الصخيرات”، المحاولة الانقلابية الأولى التي فشلت فشلا ذريعا (انقلاب 10 يوليوز 1971)، و((لكن الأيام كشفت أن الانقلاب الثاني على الملك الحسن الثاني (انقلاب أوفقير)، ولد من رحم انقلاب الصخيرات، ومدبر هجوم الانقلاب الثاني، الكولونيل أمقران، الذي جاء بطائرة الهيليكوبتر ليحلق فوق أحياء الصخيرات وأمواتها، رجع إلى قيادته في قاعدة القنيطرة، ينتظر تلفون شريكه الجنرال أوفقير، الذي سلمه الحسن الثاني مقاليد الأمور، دون أن يعرف بدون شك إنما أعطى للجنرال أوفقير مفاتيح القوة التي ستضرب طائرة الحسن الثاني في الفضاء سنة من بعد، وأن أمقران الذي حلق فوق قصر الصخيرات يوم 10 يوليوز 1971، هو الذي ضرب الطائرة الملكية سنة من بعد))  (المصدر: كتاب “الصخيرات.. المجزرة السياسية” لمؤلفه قيدوم الصحافيين ومدير جريدة “الأسبوع” مصطفى العلوي).

ولمن يريد أن يأخذ الدروس من الزمن، يكفي أن يعرف أن أوفقير لم يكن شخصا عاديا، فهو وزير الدفاع ووزير الداخلية، بل إن الصحافة كانت تصفه بـ”معالي وزير الدفاع الماجور العام للقوات المسلحة الملكية”، وقد كان من الطبيعي أن يكتسب الرجل كل هذه الهالة، بتفويض من الملك الراحل الحسن الثاني، الذي طالما نصحه أوفقير، بضرورة محاربة الفساد في المحيط الملكي، بشهامته العسكرية، قبل أن يولد الصراع بين الرجلين، في زمن كان يتوق فيه أوفقير إلى رؤية “ملكية قوية”، والواقع، أن الجنرال أوفقير هو الذي مهد لوفائه للملكية، بأن كان هو من أقنع بيير جولي، وزير الشؤون التونسية والمغربية في حكومة إدغار فور، بضرورة التخلص من بنعرفة الذي أصبح يشكل عالة على الفرنسيين أنفسهم، تم ذلك في اجتماع في بلدة “درو” (Dreux) في غرب فرنسا، عندها، أوكل جولي المهمة إلى أوفقير قائلا: ((أمنحك موافقتي، ودعمي وتشجيعي، وما عليك إلا أن تعود إلى المغرب وتضع بنعرفة في طائرة)).. فكانت هذه الحادثة هي التي مهدت لعودة محمد الخامس إلى عرشه، لينطلق مسلسل الوفاء للملكية، حسب ما حكته زوجته، فاطمة أوفقير.

من 1972 إلى حدود اليوم، رسمت الآلة الإعلامية صورة “الانقلابي” أوفقير في ذهن المغاربة، لكن قليلة هي الأصوات التي كانت تثير بين الفينة والأخرى موضوع “النبل العسكري” عند أوفقير، حيث ظل اسم أوفقير مرتبطا بمحاولة الانقلاب على الحسن الثاني وباغتيال الزعيم الاتحادي بنبركة، هذا الأخير كان قد اضطر لمغادرة المغرب بعدما حكم عليه غيابيا بالإعدام عام 1963، في عز الغليان الشعبي الذي كان يهدد استمرار الملكية، مع ملك شاب كان بالكاد قد تسلم السلطة بدلا عن والده الراحل الملك محمد الخامس، ولم يحل إلى حدود اليوم لغز “اختطاف” المهدي بنبركة يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965 من أمام مقهى “ليب” (Lipp) في شارع سان جيرمان في باريس؟ ليبقى سر وفاته غامضا، بنفس الغموض الذي أحاط وفاة الجنرال أوفقير فيما بعد.

وكانت الظروف قد سمحت بظهور شهود برؤوا اللجنرال أوفقير من تهمة قتل المعارض بنبركة، بما في ذلك الإسرائليون الذين كتبوا أن أوفقير كان ينسق معهم لاغتيال بنبركة، الذي كان بصدد التحضير لمؤتمر التضامن مع شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، الذي احتضنت العاصمة الكوبية هافانا فعالياته في يناير 1666، حيث كتب مؤرخ إسرائيلي يدعى يغال بن نون: ((إن أوفقير ظل دائما وفيا للملك الحسن الثاني، وكان من خدامه المقربين، بيد أن انقلاب الصخيرات سنة 1971، واضطرار أوفقير لتنفيذ أحكام الإعدام في حق رفاقه في الجيش، خلف لديه حالة من الاستياء، خصوصا وأنه كان يتقاسم معهم عدم الرضا على استشراء حالة الفساد في محيط الملك الراحل))، وأضاف نفس المؤرخ الإسرائيلي، أن ((أوفقير لم يكن من أنصار إقامة النموذج القذافي في المغرب، لكنه اضطر للحد الأقصى، بعد أن وجد أن الحسن الثاني لم يأخذ العبرة من انقلاب الصخيرات، وأن أوفقير خطط للعملية الانقلابية لسنة 1972، وكان ذلك بعلم عدد من الشخصيات السياسية المغربية، من بينهم علال الفاسي ورضا كديرة وشخصيات من اليسار المغربي. كل هؤلاء كانوا على علم بالمخطط وموافقين على إزاحة الحسن الثاني من الحكم)) (المصدر: شهادة المؤرخ الإسرائيلي يغال بن نون. منشورة في عدة وكالات).

وقد لا تكون هناك حاجة بالنظر إلى تواتر الشهادات بأن أوفقير لم يكن على علم بالمحاولة الانقلابية الأولى في الصخيرات، فقد كانت للجنرال أوفقير نوايا انقلابية، لكنه لم يتورط فيه، لأن الجنرال المذبوح، هو الذي تورط في المحاولة الانقلابية، عبر إعطاء أوامره للعسكري الريفي أمقران، مضيفا أن هذا الأخير، لم يعلم بخطة الانقلاب إلا في اليوم نفسه، و((لم يشرع في التخطيط لمحاولة انقلابية إلا بعد فشل المحاولة الانقلابية الأولى في الصخيرات، مستغلا المشاكل السياسية التي يعاني منها النظام السياسي)) (المصدر: شهادة قيدوم الصحافيين مصطفى العلوي/ حوار مع موقع فبراير).

وربما ليس هناك اختصار لحياة الجنرال أوفقير أكثر من الاختصار الذي صدر عن ابنه، رؤوف أوفقير، وهو الذي ألف مؤلفا ضخما عن معاناته ومعاناة أسرته، بعد رميهم في غياهب السجون من طرف الحسن الثاني تحت عنوان “الضيوف”، وكان ذلك جانبا من التنكيل الذي خصص للعائلة كعقاب على جريمة ارتكبها الأب، ليطرح السؤال: أي عدالة هاته التي يعاقب فيها الأبناء بجريمة الأباء(..)؟

يقول رؤوف أوفقير: ((خدم والدي، الجنرال أوفقير، سبعة عشر عاما في الجيش الفرنسي، وأصبح بعد استقلال المغرب، القائد العام لجيش العرش العلوي، خدم محمد الخامس بإخلاص، وأقسم له في الديار المقدسة، على أن يخدم وريثه بالتفاني ذاته، أصبح في البداية مرافقا، ثم مديرا للشرطة، نال ثقة محمد الخامس، وبموت هذا الأخير، عين وزيرا للداخلية في عهد ابنه الحسن الثاني، كنا مقربين لمحمد الخامس وللحسن الثاني وعائلته.. عمل والدي مع الملك الشاب لزمن طويل باتفاق وتفاهم تامين، فقد تكاملت الموهبة السياسية الرفيعة للثاني والفاعلية العسكرية للأول في سبيل تعزيز الملكية وترسيخها في مواجهة الاشتراكية الثورية، أما المهدي بنبركة، الزعيم الموهوب للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فقد دافع عن فكرة مغايرة للمغرب، حيث خضعت الحياة السياسية للملكية لحلقة من العنف وتعاقب القمع والمؤامرات: من مؤامرة 1963 إلى الهيجانات الشعبية الدموية في الدار البيضاء عام 1965، ومن اختطاف بنبركة وتصفيته في باريس في السنة نفسها إلى محاولتي الانقلاب العسكريتين في عامي 1971 و1972)).

قصة صعود وأفول نجم الجنرال أوفقير، يلخصها رؤوف كما يلي: ((ذاع صيت أوفقير في العالم من خلال قضية بنبركة، إذ مازال هناك من يعتقد حتى الآن أن وزير الداخلية المغربي ومساعده، العقيد الدليمي، قد اختطفا وقتلا بنبركة.. في نهاية الستينيات فرض الحسن الثاني حكمه وعززه بفضل أوفقير والعسكر، حيث سحق اليسار المغربي، ولاح صراع جديد، وهذه المرة بين الملك وجنرالاته. أراد الحسن الثاني أن يتصرف على هواه بالمغرب وثرواته، بينما رغب العسكر في سلطة قوية، على أن تكون نزيهة، ولم يكف أوفقير، الذي لم يستطع الملك أن يفسده أبدا، عن تحذير الملك من الانحراف والاختلاس والابتزاز، حيث أضعفه الملك وأبعده عن هذا الموضوع بكل السبل، دون أن يصغي إليه، وقد أدى التجاوز على القانون والفساد المتفشي، اللذين نهشا في الدولة وأساءا لسمعة العرش، إلى مذبحة الصخيرات أثناء المحاولة الانقلابية في يوليوز 1971، حينذاك، عين الحسن الثاني أوفقير وزيرا للدفاع وقائدا عاما للجيش، ولكنه لم يغير سياسته في شيء، حيث تلا ذلك صراع قاس بيد حديدية مرعبة بين الملك والقائد العام لجيشه، وأخذ الرجلان يعاينان قدرتهما ويراقبان بعضهما، فلمن ستكون الغلبة أولا.. في ربيع 1972، نجا أوفقير بأعجوبة من محاولة اغتيال، وفي 16 غشت من السنة نفسها، استهدفت طائرات سلاح الجو المطاردة من طراز “إف 5” طائرة الملك “البوينغ”، وأمرتها بأن تلحق بها، وتحط في قاعدة القنيطرة الأمريكية، ولكن الطائرة أفلتت منها، في تلك الليلة من 16 و17 غشت، أعدم أوفقير في قصر الصخيرات بحضور الحسن الثاني، وقد حضر غداة المحاولة الانقلابية بصفته المدبر الأكبر لتلك المؤامرة، ومنذ ذلك اليوم، خضعنا أنا وعائلتي، لاضطهاد أعمى وجائر، فقط لأن أمنا زوجة محمد أوفقير ونحن أولاده)).. هكذا تحدث رؤوف أوفقير، وهو يشرع في الحديث عن مسلسل التنكيل بعائلة أوفقير الذي بدأ بالسجن، وانتهى بالترامي على ثروة الجنرال وزوجته وأولاده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!