عبدالله بوصوف يكتب عن ابن عائشة.. سفير المولى إسماعيل الذي سبب “صدمة ثقافية” للفرنسيين

الرباط. الأسبوع

في شتنبر 1698 سيعين عبد الله ابن عائشة سفيـرا للمولى إسماعيل العلوي إلى ملك فرنسا لويس الرابع عشر، وتعيين ابن عائشة على رأس سفارة إلى فرنسا في ذلك الوقت، لم يكن بالحدث العادي، سواء من حيث اللاعبين السياسيين أو من حيث التوقيت، نظرا للوضع السياسي للبلدين، إذ كانت فرنسا في صراع مع إسبانيا وملوك الدول الأوروبية وتتحالف مع العثمانيين، أما المغرب، فكان محاطا بالأطماع الخارجية، إضافة إلى قلاقل داخلية، أضف إلى ذلك الشخصية القوية لكل من المولى إسماعيل ولويس الرابع عشر وملكهما الطويل والمطلق، واختيار عواصم جديدة: مكناس بالنسبة للمولى إسماعيل، وفيرساي للملك لويس الرابع عشر، ما جعل كلا من فرنسا والمغرب في حاجة إلى سلك طريق الـدبلوماسية، فالمغرب يحتاج إلى السلاح ومواد أولية لصناعة السفن وغيرها، وفرنسا محتاجة إلى الرفع من حجم تجارتها الخارجية وسلامة سفنها وأمن بحاريها، وكذا منافذ مغربية مطلـة على المحيط الأطلسي.

كما أن سفارة عبد الله ابن عائشة جاءت بعد سفارتين لقائد تطـوان، الحاج محمد تميم في سنوات 1861/ 1682 وسنة 1685، وما رافقها من إشكاليات التنفيذ والتصديق، وأيضا تبادل المبعوثين والقـناصل الفرنسيين.

كما نذكر هنا أن سفارة عبد الله ابن عائشة كانت هي الأهم ضمن خمس سفارات في أقل من عشرين سنة من المفاوضات الفرنسية / المغربية.

انطلق السفير بن عائشة يوم 17 أكتوبر 1698 في اتجاه ميناء بريست الفرنسي التي وصل إليها يوم 11 نونبر 1689، حيث كان مـرفوقا بالقنصل جون بابتيس إستيل، والمترجم الشاب بوتي دو لاكــروا.

لكن لماذا توقف المؤرخون كثيرا عند سفارة ابن عائشة، رغم أن نتائجها كانت سلبية كغيرها؟

نعتقد أن الشخصية القوية للسفير ابن عائشة وطريقته الذكية في تدبيره للمفاوضات، وما رافق الرحلة من أحداث عبر عنها الكثير من المختصين في الاجتماع والسياسة، بأنها شكلت مجالا “للصدمة الثقافيـة”، هي التي ميزت سفارة ابن عائشة عن غيرها، كما أن تسميتها بالزيارة الرسمية يعد إنجازا دبلوماسيا في ذلك الوقت، لأن لويس الرابع عشر سبق له أن رفض استقبال أكثر من سفير مغربي أو كلف غيره للتفاوض، كما أنها الزيارة المغربية الوحيدة المسجلة في 16 فبراير 1690 في كتاب زيارات الإقامة الملكية بفيرساي، باعتبارها “زيارة رسمية”، وما تتمتع به هذه الزيارات من بروتوكول وطقوس دقيقة تنظم الزيارة منذ لحظة الوصول إلى الأراضي الفرنسية، وقد عمل الملك لويس الرابع عشر على تدوين هذه الترتيبات في كتاب من 2000 صفحة.

لقد ظهرت القوة التفاوضية وقوة شخصية السفير ابن عائشة منذ وصوله إلى ميناء بريست، حيث وقف على نية الملك لويس بالعمل على توقيع ابن عائشة لمعاهدة السلام في ميناء بريست وبنفس شروط المعاهدات السابقة (1681 و1682)، لإظهار قوة الجانب الفرنسي وعدم وجود التوازن باعتبارهم المنتصرين، وهو ما فطن له السفير ابن عائشة وأعلن عن عدم توقيعه لأي اتفاق سلام قبل تسليمه أرواق اعتماده للملك شخصيا، وأمام هذا التهديد بعدم التوقيع، أعاد السفير ابن عائشة التوازن للزيارة قبل بدء المفاوضات، فـأعلن بعد ذلك الملك الفرنسي استعداده لاستقباله، وهكذا وصل السفير ابن عائشة إلى باريس يوم 10 فبراير واستقبل استقبالا رسميا يوم 16 فبراير 1690، مع إلقائه كلمة باللغة العربية بالمناسبة في حضرة الملك الفرنسي، وكذا الأسرة المالكة والنخبة الفرنسية، وهـو ما اعتبر تشريفا مميزا لممثل السلطان العلوي المولى إسماعيل في قصر فيرساي بباريس.

استمرت المفاوضات وكانت العقبة هي الفصل السابع والخاص بملف الأسرى، وتوقفت أكثر من مرة، وفي 6 أبريل أعلن عن انتهاء المفاوضات وتم تحديد موعد رحلة عودة السفير ابن عائشة، وفي الوقت نفسه أعطيت الأوامر بتجهيز ثلاث فرقاطات حربية لمهاجمة ميناء سلا مباشرة بعد انتهاء الهدنة في 15 شتنبر.

ومن جديد، ستظهر قوة السفير ابن عائشة على المناورة وحرصه على تجنيب الدفاعات السلاوية لهجومات مباغتة من الفرنسيين، فأخبر أحد المفاوضين بنيته لتوقيع الاتفاقية، وهو ما تراجع عنه بعد مدة قصيرة، فيما ستستمر المفاوضات إلى غاية 4 ماي، حيث سيعلن عن نهاية المفاوضات بشكل رسمي، وسيغادر السفير ابن عائشة باريس في اتجاه مينـاء بريست ليصل إلى ميناء مدينة سلا يوم 10 يونيو 1690، لتكون رحلة عودته إلى المغرب إعلانا عن نهاية الطريق الدبلوماسي في حل المشاكل المغربية الفرنسية، ولتنطلق من جديد المناوشات وأعمال الجهاد البحري واعتقال الأسرى الفرنسيين والهجومات الفرنسية على الموانئ المغربية، وبموت كل من السلطان المولى إسماعيل والملك لويس الرابع عشر، ستقطع العلاقات بشكل نهائي مع المغرب مقابل تقارب فرنسي إسباني.

من جانب آخر، فإن اعتبار سفارة ابن عائشة إلى فرنسا كزيارة رسمية، سمح له بزيارات منظمة بحضور التراجمة والتقنيين إلى كل من المطبعة الملكية ودار سكة النقود والميداليات ومصنع الصابون والمثلجات، والفضاءات الثقافية، كالمكتبة الملكية وأكاديمية الرسم والنحت واللوفر وقصر فيرساي والمنتجعات الملكية والنزل الوطني للمعاقين الخاص بالجنود، وأيضا الحضور لعروض مسرحية وغيرهـا.

وهذا ما دفع العديد من المؤرخين والباحثين في علم الاجتماع، إلى الحديث عما شكلته هذه الزيارات من “صدمة ثقافية” لدى بعثة سفارة ابن عائشة إلى فرنسا، حيث يمكننا سرد العديد من النقاط المتضادة، التي ساهمت في هذه الصدمة الثقافية، كاهتمام النخبة الفرنسية بالجلباب المغربي واختلافه عن لباس النخبة الفرنسية، والتطور الهائل في الصناعات، خاصة السلاح والسفن، ووسائل النقل، كالسكك الحديدية أو “بابور البر”، ووجود المسرح كمظهر ثقافي واجتماعي مهم وكفضاء ثقافي إلى جانب المكتبات، وحفلات الاستقبال وما يرافقها من اختلاط بين الرجال والنساء، وأيضا طريقة الاختلاف بين طريقة التأريخ بين الميلادي والهجري، وغيرها من مظاهر الاختلاف بين دار الحرب أو دار الكفر ودار السلام.

عبد الله ابن عائشة، هو قبطان بحارة سلا، العارف بخبايا البحر وبصيد السفـن والأسرى الأوروبيين، وهـو أيضا السفيـر المفاوض والمناور الـذكي، جاب البحر طولا وعرضا، يتمتع بشخصية قوية ويتكلم أكثر من لغة، وهنا نستحضر علامتين لهذه القامة المغربية: أولاها، زيارة المجاملة التي قام بها للملك الإنجليزي جاك الثاني بمنفاه بباريس أثناء سفارته لفرنسا، بحيث شكلت رسالة شكر وعرفان له نظير توسطه لدى أخيه الملك الإنجليزي تشارلز الثاني لإطلاق سـراحه ببريطانيا. ثانيها، أننا نتحفظ على حادث خطبة المولى إسماعيل لابنة لويس الرابع عشر، ماري آن دوبوربون، إذ أن هذه الخطبة راجت فقط في الصالونات الباريسية والرد عليها كان شـرطه، هــو “تنصر” المولى إسماعيل. وهنا نستحضر رسالـة المولى إسماعيل نفسه في شتنبر 1681 إلى الملك لويس الرابع عشر للدخول إلى الإسلام، ما يعني أنه إما أن الفرنسيين ردوا رسالة الدعوة إلى الإسلام بالتنصير، أو أن السفير ابن عائشة كان يهدف من خلال إثارة الخطبة إلى التأثير على المفاوضات، أو رهن العلاقات المغربية الفرنسية بزواج سياسي، وهو ما يجعل من السفير عبد الله ابن عائشة مدرسة دبلوماسية قائمة الذات منذ القرن السابع عشر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!