عباس هويدا رئيس حكومة شاه إيران

الحقيقة الضائعة | نموذج عبد الإله بن كيران في ديوان شاه إيران

بقلم: مصطفى العلوي

قصة أفول العرش الإيراني على يد الشاه رضى بهلوي، قصة طويلة لنظام ارتكب من الأغلاط، لدرجة أن الأجهزة المتحكمة في مصير العالم، أمريكا بالدرجة الأولى، أصبحت تنتظر سقوط هذا الجبار العنيد، الذي رغم جبروته، كان كلما تهدد على مجموعة من المتعرضين لغضبه، يقول لهم ما رواه الكاتب الأمريكي “شوكروس”: ((إنه كان يهدد المغضوب عليهم من رجاله بقوله: سأطلب من الملك الحسن الثاني أن يضعكم خلف قضبان سجونه))، وأصبح الشاه يشعر بتنازل الأمريكيين عنه(…)، الأمريكيون الذين أصبحوا يكتبون في صحفهم: ((إن الشاه تغاضى عن الرشاوي والعمولات، وكانت له ميزانية مائة مليون دولار للتدخل في الانتخابات)) (شوكروس).

وشعر الشاه بقرب المصير، وهو المستفيد كثيرا من تجربة والده الذي أقام هذه الإمبراطورية، وكان التيار الإسلامي بزعامة الإمام الخميني، هو التهديد الوحيد للعرش، فسارع في سنة 1963 إلى إطلاق سراح الإمام الخميني من سجنه، فكان ذلك مؤشرا جعل مجموعة من أقطاب النظام الشاهنشاهي بقيادة الجنرال حبيب الله يترأس مجموعة من أقطاب النظام، يهربون ليلا على الأقدام(…) في اتجاه الحدود التركية، ليقرر الشاه تغيير سياسته كليا، عبر تعيين صديقه القديم عباس هويدا، رئيسا للحكومة.. وأخاطر بقلمي، نيابة عن الشاه، لأقارن اختياره لرجل جبار، لا أجد له مثيلا عندنا في المغرب غير القطب عبد الإله بن كيران، وهو أيضا قطب إسلامي(…)، ليكون عباس هويدا هو المركبة السليمة(…) لمواجهة الأخطار التي كانت مقبلة(…) وقارنوا:

فمنذ أصبح هويدا رئيسا للحكومة، أصبحت الحكومة البنكيرانية(…) لعباس هويدا، ولا أدري هل هو بنكيران المغربي، الذي مارس السياسة على طريقة عباس هويدا، أم العكس، بل إن صراع عباس هويدا مع القوة الخفية(…) التي كان يحكم بها الشاه، والتي دخل فيها رئيس الحكومة الجديد(…) في صراع مع هذه الأجهزة(…) وقد واجهها الرئيس هويدا بالكثير من التصريحات(…) لأنه لم تكن له من قوة إلا لسانه وعقله، خصوصا وأن أجهزة الإعلام، كانت تتعمق في كل كلمة يقولها عباس هويدا، بدءا من تركيبة الحكومة، التي أدخل فيها امرأة جبارة كوزيرة للتربية الوطنية، وتسمى “فاروخرو باسا”، التي لم تغفر لها ثورة الخميني، فكانت أول امرأة يصدر الخميني أوامر بإعدامها بعد الثورة، خصوصا وأن عباس هويدا كان في كل تصريحاته يردد المقولة البنكيرانية ((إن كل القرارات تصدر باسم جلالته، وأنا أجهل كل شيء عن المخابرات، كما كان يردد دائما)) وكانت المخابرات تسمى في إيران الشاه، “السافاك”.

لينبري رئيس الحكومة في إطار تعامله مع الشاه، في الرد دفاعا عن الشاه، فعندما اتهمت الصحف الأمريكية الشاه بمبالغات أجهزة “السافاك”، ضد السجناء يرد عليهم بقوله: إن أمريكا هي التي تمول أجهزة “السافاك”.

وكثيرا ما كان يردد للصحف الأمريكية: ((إنكم تشبعوننا بالكلام فيما نحن نترك جلالة الإمبراطور وحده يتكلم)) مع كثير من المبالغات، من قبيل رده على انعدام الكهرباء في بعض المؤسسات المدرسية: ((إننا سننصب بطاريات في جميع المؤسسات التعليمية، بل إنه مرة أعلن أنه سيملأ المستشفيات الإيرانية بالممرضات الأمريكيات الشقراوات)).

وبين الفترة والأخرى، يستغل بعض الفرص لحشيان(…) الكلام(…) على طريقة بن كيران، ومرة في عشاء رسمي، أشار إلى أحد أصدقاء الشاه الحاضرين، وكان من الأثرياء وقال عنه: إن هذا المواطن مثلا كسب في صفقة تجارية واحدة ما يعادل مرتبي ستمائة مرة، وهو يلمح بكل أدب في أغلب تدخلاته إلى فساد أصدقاء الشاه.

ومرة حكى كيف أن إحدى الأميرات من أسرة الشاه، أمرت الحرس الملكي باعتقال أحد شركائها التجاريين، واضطر المعتقل الأجنبي أن يدفع لها مليون دولار كي تتنازل عن شكواها، فأعرب رئيس الحكومة هويدا، عن أسفه، لكون نظام الحكم يتداعى من الداخل.

وبينما تهافتت الصحف الأجنبية على نشر أخبار المظاهرات في مدينة الخميني “قم” سنة 1976، حيث ترددت الهجمات على العرش استدعى رئيس الحكومة هويدا صديقه المشترك مع الشاه، المستر بارسونز، سفير بريطانيا في طهران، استدعاه رئيس الحكومة هويدا لمرافقته في زيارة قرية قريبة من طهران، حيث تجمهر المتظاهرون حول سيارتهما، وهم يصفقون لرئيس الحكومة، ليقول السفير البريطاني للصحفيين، إني في غاية السرور لتواجدي في سيارة السيد الرئيس الذي يتمتع بهذه الشعبية، وأنا أرى أن جلالة الشاه مطالب بمحاورة منتقديه، ويلتفت هويدا لصديقه السفير ويقول له: تعرف أن جلالته متشبث بقانون: أنا أتكلم وأنت تنصت.

لتعلق كل الصحف بأن هويدا شعبي، رغم أن رئيس الحكومة يصر في كل تصريح على أن يتفادى كل انتقاد للأسرة الملكية.

ومرة كان يرافقه السفير الأمريكي “رادجي”، فصدر عن حاضر محتج بمحضر الشاه، كلام غير لائق، فوقف رئيس الحكومة هويدا، واقترب من المصرح، وجره بعصاه المعكوفة من عنقه، بينما كان الشاه يجهش بالبكاء، ليقول هويدا وهو يجر المحتج من عنقه ويقول له: أنا آسف.

لقد كان يقول لمحاوريه، إني أعرف أكثر من أي كان رغبات جلالة الشاه مقدما، إنه أشبه ما يكون بالجنرال دوغول، وهو ادعاء كان يزيد هويدا شعبية، بالإضافة إلى حياته المتواضعة في ملبسه وسكنه(…).

وحاولت الأساليب التقليدية للشاه أن تطلق مستشارا آخر للشاه، عياش، كي يخفف من تصريحات هويدا، وكان اسمه أيضا “هويدا أردشير” يدعى أنه وضع ذكاءه في خدمة العرش، لتنطلق تعاليق آخرين، بأن رئيس الحكومة هويدا لم ينتقد الشاه أبدا، وليقول آخرون: إنه ذهب إلى أبعد من الطاعة.

وكانت الثورة مستمرة في تحركها.. وأجهزة المخابرات تفهم إشارات رئيس الحكومة المؤثرة لموقع الشاه تحت ضغط تصريحات هويدا.

ليتحرك ما بقي من جنرالات النظام المتحكمون الحقيقيون في الشاه.

وفي صيف 1978 بدأت الأجهزة السرية تدفع الشاه إلى التخلص من رئيس الحكومة هذا ومن تصريحاته(…) بينما هذه التحركات السرية، إنما كانت تزيد من شعبية رئيس الحكومة لدرجة أنهم عندما طلبوا من الشاه اعتقاله ومحاكمته، قال لهم الشاه، إن محاكمة هويدا هي محاكمتي، وكان صمت الشاه واستسلامه لتصريحات هويدا قد بدأت تشجع أصدقاء الشاه، وخاصة السفير البريطاني “باسونز” على مواجهته ببعض الحقائق من قبيل إصلاح الأوساط المحيطة بجلالته(…) ليفاجئهم الشاه يوما بتصريح علني بأنه سيحقق في تصرفات الأسرة الملكية، بكل شجاعة.

كما أرضى الشاه أجهزة القوة الخفية بإعادة مدير المخابرات السابق الجنرال الناصري من قرار إبعاده سفيرا في بلجيكا، بينما لم يحتمل قطب آخر من أقطاب النظام، الجنرال كاظمي، الذي انتحر حزنا على ما آلت إليه الأوضاع(…) ليفهم السفير البريطاني الصديق “بارسونز” خطورة الوضع، وليقول لرئيس الحكومة هويدا في التلفون المسجل(…) بأن الشاه سيغدر به ويحاكمه، فيجيبه هويدا في نفس التلفون الذي كان رئيس الحكومة هويدا يعرف أنه مسجل: ((يا عزيزي، إني إيراني، ولم أفعل شيئا أخجل منه وإذا ما اعتقلني وحاكمني فإن لي الكثير مما سأقوله، بل سوف لن أتوقف(…) وعندي كثير من الروايات البوليسية التي سأحكيها ولن أنتهي من قراءتها)).

ودارت أشرعة السفن بما لا تشتهيه رياح هويدا، الذي فوجئ يوما بالشرطة ترسل له من يعتقله، فاستقبلتهم زوجة رئيس الحكومة(…) ليلى، لتقدم لهم طعام العشاء وهي تقول لهم بصراحة متناهية: ((لقد تغوطتم على إيران من خلال قمعكم))، ليتم اعتقال رئيس الحكومة ويوضع في بيت أنيق، ليبدأ الأقطاب في اعتبار هذا الاعتقال بداية لعهد جديد، أغلبهم يغادرون إيران، حيث هرب الكثير من وزراء الشاه، ليتوجه السفير البريطاني عند الإمبراطورة فرح ديبا، وكان يعرف علاقتها الخاصة مع رئيس الحكومة(…)، ليطلب منها عنوان سجن هويدا فرفضت، لتهرب زوجته ليلى إلى باريس وتسكن في شقة بشارع “فوش” بعد أن رفض زوجها هويدا مرافقتها، إلى أن يفاجأ هويدا في سجنه بشيوخ الثورة الخمينية يدخلون عليه، ليقول له أحدهم: لماذا كنت ترخص ببيع الخمور وغيرها من الجرائم المعادية للإسلام؟ فيجيبه هويدا: سأجيبك عندما أكون في المحاكمة.

وفعلا كانت المحاكمة، وكان رئيس الحكومة هويدا أول المعدمين في مقر الإعدامات الذي كان يسمى مدرسة الخميني.

وقبل إعدامه بساعات، سمحت سلطات الخميني للصحفية الفرنسية “كريستين أوكرانت” لتستجوبه عن سر رفضه للهروب، فقال لها: ((لا يمكن للإنسان أن يحمل بلده معه على نعلي حذائه، فقد كنت حلقة في النظام، ولم أكن أهتم بالسياسة، وإنما اجتذبت إليها)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!