الحقيقة الضائعة | لماذا افترق شاه إيران عن فرح ديبا ولماذا عاد إليها؟

بقلم: مصطفى العلوي

شاء الزمن الذي نتتبعه باهتمام فرضته بالدرجة الأولى، جورتنا مع بلد العصيان المدني(…) الجزائر(…)، إلا أن نتذكر كل مرة الملك الحسن الثاني، الذي عايش ملكا أقوى منه وأغنى، هو شاه إيران، الذي قبل موته في المنفى بأيام ((اعترف بأن الحسن الثاني كان عاهلا ذا ذكاء عقلي لامع، ونادر، يجسد الثقافتين القرآنية والأوروبية، ليكتب محرر هذه المذكرات، بأن الشاه كان يحس تحسرا عاطفيا، وهو يعترف بأن فشله(…) هو الذي أدى إلى سقوطه)) (الرحلة الأخيرة. شوكروس).

ذلك أن عظمة الحسن الثاني كانت كامنة في أنه لم يسقط.. بينما الشاه سقط أسقط سقطة(…)، ليكشف الكاتب “شوكروس” بأن الحسن الثاني كان أشد مكرا ودهاء من الشاه، خصوصا وأن أسرته حكمت البلاد منذ القرن السابع عشر، بقي قائدا روحيا لشعبه، بينما الناس في إيران ينظرون إلى الشاه على أنه بواب الشيطان الأكبر، بينما يحكي الصحفيون الذين كانوا أقرب إلى الشاه من الحسن الثاني، أن الضربة الأخيرة التي سجلها الحسن الثاني للتاريخ، كانت ضربة المعلم، عندما هاجمت صواريخ المنقلبين طائرته في 1973 ((ليفاجأ المهاجمون بصوت ينطلق من ميكروفون الطائرة المضروبة، وهو يقول: آه، لقد مات الحسن الثاني، وأنا ربان الطائرة لا أعرف ماذا أفعل)) ليوقفوا الهجوم، وتنزل الطائرة في أمان، وينزل منها الحسن الثاني. هكذا يكون الملوك وإلا فلا..

 ورغم أن الشاه تصادق مع صديق الحسن الثاني، مدير المخابرات الفرنسية “دومارانش” إلا أن هذا الأخير ضرب الأخماس في الأسداس، وقال حكمته البالغة: ((إنه من سوء الحظ، أن لا يكون لدى المغرب نفط، لأن الحسن الثاني واحد من رجال الدولة النادرين في زماننا)) ولا صداقة ولا تفضيل، فقد طلب الحسن الثاني من صديق مشترك له مع الشاه، أن يخبر الشاه بأن عليه أن يغادر المغرب، في يوم محدد، بعد أن أخبره المستشار عبد الهادي بوطالب بأن تواجد الشاه في المغرب، يشكل خطرا على العرش المغربي. مرة نادرة يستمع فيها الملك إلى مستشاره.

وطبعا، كان المغرب، نتيجة الأخطاء الكبرى(…) مهددا بسقوط الملكية(…) كيف لا.. وقد رفض ملك السعودية خالد، استقبال الشاه، كما رفض ملك الأردن صديقه الملك حسين، أن يستقبله في عمان رغم أن شاه إيران كان بارعا في التعامل مع الأقطاب(…) الأمريكيين، خصوصا عندما يبدع في خلط الكافيار والفودكا مع أفخر أنواع النبيذ والشامبانيا.. ليقول المؤرخ “شوكروس” بأن قطب السياسة الأمريكية “كيسنجر”، أخذ معه رئيس الحكومة الإيراني هويدا إلى أحد الملاهي الليلية، حيث كان حشد من رجال الإعلام، وارتمت راقصة شرقية في أحضان “كيسنجر”(…) حيث منع رجال المخابرات التقاط الصور(…) ليجمع “كيسنجر” مستشاريه في الصباح الموالي ويقول لهم: إن الشاه محق في كل ما يعمله، ويشجعه على أن يكون حاكما صارما، له الحق في السيطرة على الخليج الفارسي(…).

وكانت السفارة الأمريكية، في أعقاب محاولة الاغتيال الثانية للشاه(…) بدأت ترى في زوجته فرح ديبا، وقد بدأت تمارس السياسة عبر اللطف والكياسة، بينما ولدها محمد رضى المزداد في 1960 يؤشر إلى أن تكون الملكة وصية على العرش، في حالة الموت الذي نجا منه الشاه، والشاه مستعد لكل شيء وهو يحضر لمهرجان التتويج في “بيرسيبوليس”، تائه في جمال الغواني المرسلات من عند مدام كلود في باريس(…) مئات منهن كن يأتين إلى طهران للشاه، ولرجال بلاطه(…) ليتسرب إلى المخابرات الأمريكية خبر وقوع الشاه في غرام فتاة إيرانية عمرها 19 سنة، شقراء الشعر واسمها غيلدا، تزوجها وأسكنها في كوخ في أحد أطراف القصر، لتطلع فرح ديبا على الخبر، وتغادر إيران في اتجاه أوروبا، وطبعا كشفت المخابرات الأمريكية أن أخت الشاه أشرف، لعبت دورا كبيرا في زواج الشاه بغيلدا(…) مكرسة قاعدة تدخل أخوات الملك في إبعاد زوجة الملك، ليتهافت المستشارون على تبرير هذا الزواج الثاني: ((أنت مسلم يا مولاي، ودينك يسمح لك باتخاذ زوجة أخرى، دون التخلي عن الإمبراطورة فرح(…))).

لتتوسع جوانب المهام الثقافية لفرح ديبا، رئيسة مهرجان “شيراز” وكانت وهي في المنفى(…) تدافع عن مهامها.. وفنها الذي جلب لإيران الفن النقي(…) والتقليدي.. وربما كانت الإمبراطورة فرح، رغم غيبتها في المنفى، حاضرة من خلال نجاحها في استغلال المسار الساقط للملوك المنهارين في عهد زوجها أمبرتو ملك إيطاليا السابق، وملك أفغانستان الذي سقط بين أيدي الشاه، وقسطنطين ملك اليونان، الذي سقط هو أيضا، بينما تشارك الحسن الثاني وشاه إيران(…) في صداقة صديقهما المشترك الملك البلغاري السابق(…) سيميون، الذي أعطاه صديقه شاه إيران أن يتحول من ملك لبلغاريا إلى صاحب جراج لبيع السيارات.. وكان الحسن الثاني يعطيه المكانة الأولى في جميع الحفلات، وكلها عناصر تهافتت لإرجاع فرح ديبا إلى عرشها، وهي جزئيات تظهر لنا صعبة وهي في نظر الملوك سهلة(…)، فعندما تغلبت ميزات الإمبراطورة فرح ديبا، استدعى الشاه صديقه ومستشاره الجنرال خاتمي، وأمره بأن يتزوج صديقة الشاه غيلدا، ليجيبه الجنرال بما تعود المقربون المغاربة عليه: الله يبارك فعمر سيدي.

لتعود مياه فرح ديبا إلى مجاريها.

وما انفك شاه إيران يدافع عن نفسه متراجعا(…) وهو الذي قال لجريدة “لوموند” مجيبا عن سؤال حول تعذيب البوليس الإيراني “السافاك” أننا نطبق الأساليب نفسها التي تستعملونها أنتم، ليراجع معه مراسل للتلفزيون البريطاني إحصائيات عدد القتلى السياسيين في إيران ما بين 1963 و1977 فاتضح أن عددهم بلغ ألف وخمسمائة، فرد عليهم الشاه بأن الرئيس الإفريقي عيدي أمين قتل في السبعينات ثلاثمائة ألف، بينما قتل الخمير الحمر في كمبوديا أكثر من مليون.

زمان رهيب، وهو واقع كان شاه إيران يحاول تغطيته باللجوء إلى سرد آيات من القرآن(…) لتكذبه زوجته فرح ديبا صراحة وتقول للصحفيين أنه يفعل ذلك استسلاما للزعماء الدينيين(…).

وبقيت إحدى الصحفيات الإيطاليات، “أوريانا فالاتشي” مصرة على معرفة خبايا رجوع فرح ديبا إلى زوجها الشاه، لتناقش الموضوع مع الشاه نفسه، وهو الذي صارحها بقوله: ((في حياة الرجل يحسب حساب النساء فقط إذا كن جميلات ولطيفات ومهذبات، فما الذي يريده أنصار المرأة، إنكم متساويات في نظر القانون، ولكنكن لم تستطعن أن تنتجن حتى طباخة ماهرة، إن النساء وهن في السلطة أشد قسوة وخشونة من الرجال، وأكثر تعطشا للدماء، إنكن بدون قلوب عندما تكن حاكمات، إنكن أنتن الشريرات)) (الرحلة الأخيرة. شوكروس).

لكن فرح ديبا كذبته عبر استجواب أجرته مع صحفية من الواشنطن بوسط، اسمها “سالي كوين”، قالت لها: ((إنه(…) ينصت أحيانا وأحيانا يرفض أن المرء لا يريد من زوجته أن تنقل إليه أخبارا سيئة، وربما كنت قد وقفت إلى جانب من لهم ظلامات بشكل متكرر، وكنت أشعر أن هذا هو الغرض من وجودي هناك، لأكون بجانب الشعب وليس إلى جانب الحكومة، إضافة إلى أن بعض المتواجدين في الدوائر المحيطة بالملكة، ينتقدون الشاه على المكشوف، بل وبطريقة تثير الذهول أحيانا)) (نفس المصدر).

الحقيقة هي أن الجوانب المفيدة في تجربة شاه إيران بصرف النظر عن زوجته فرح، كثيرة ومتعددة، كانت تجربة رئيس حكومته عباس هويدا خليقة بالمقارنة مع تجربة رئيس الحكومة المغربي عبد الإله بن كيران(…) وهي قصة تستحق المراجعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!