لغة التدريس والمستقبل لجيل بلا هوية

محمد شضمي. الأسبوع

من المعلوم أن الإنسان ظل طيلة تاريخه، كائنا مستقبليا، بمعنى أنه كان ولا يزال يحاول التعرف على شكل الغد الذي سوف يعيشه، وذلك في حدود قدراته وإمكاناته، فالاهتمام بالمستقبل إذن، هو أحد معايير التقدم، واتساع نطاق النظرة إلى المستقبل يسهل كيفية استشرافه ومواجهته على كل الأصعدة، اقتصاديا واجتماعيا وتربويا أيضا.

فقد عاد الضوء ليسلط من جديد على إشكالية لغة التدريس بالمناهج والمقررات المدرسية، الذي يسعى تجديدها حسب الرأي السائد، إلى تجويد التعلمات ومسايرة ركب تطور البيداغوجيات وتقنيات التدريس الحديثة.

ويبدو أن الحدث الأبرز لهذه السنة، في بدايتها، هو إدراج المصطلحات العامية في بعض المقررات، وهو الذي خلق بلبلة يتضح في مجملها، استهجان ورفض للمسألة برمتها، إذ تعدى ذلك في بعض الأحيان، إلى اتهام القائمين على الأمر بالعمل على تقويض كل جهود وكل مسارات الإصلاح المعروفة والتي عول عليها الكثير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لنتساءل بجدية: هل هو خطأ غير مقصود، أم أن الأمر يتعلق بإحداث بنية جديدة للتعلم رغبة في تكوين مواطن صالح بمعايير مختلفة قد لا يدركها كل من هب ودب، أم أن الأمر مقصود كنتيجة للتحولات العميقة التي شهدها المجتمع المغربي مؤخرا على مستوى التأطير والتنشئة الاجتماعية ومعايير السلوك المدني، أم أن للأمر مبررات بيداغوجية قد تجاوزت فهم العامة والخاصة؟ وبتأمل بسيط، يبدو أن عزم الدولة، وضمانا لامتدادها، وترسيخا لأسلوب الحكامة – الجيدة – الذي يضمن غلغلة جذورها، يبدو أنها ماضية نحو الرهان على خلق أجيال جديدة، ليس من الضباع وحسب، وإنما أجيال فاقدة لأدوات السؤال والتقصي والنقد، وعلى رأسها اللغة. تلك الأداة التي لا محيص عنها لكل تعلم مرتبط بالحضارة والابتكار، إنها الوسيلة الوحيدة التي تبرز جهود المتعلمين وإخلاصهم في قراءة ما في الكون.

إن معظم المتعلمين لا يعنيهم من الأمر إلا ما أملاه الأستاذ أو كتبه، مادام سيمتحن فيه، وغير ذلك، لا يعنيهم وحسبه أنهم يتحسسون الطريق الذي ينتهي بهم للحصول على الشهادة أو الدرجة العلمية، أما أنهم يخرجون إلى الحياة ليأخذوا منها أو يزودوها بما عملوا، فذلك شيء لا يفعله إلا القليلون، فما بالك إذا انتزعنا منهم اللغة كأداة ملهمة تعتبر امتدادا للهوية الحضارية والفكرية للأمة.

إننا لو اقتصرنا على النقل من علوم الآخرين عبر الترجمة، فسنضمن ساعتها مسافة حقيقة تجعلنا بعيدين عن أي مثاقفة غير متعادلة، والحال هنا، أننا نتبنى نمطا للتفكير والمناولة عبر لغة الآخر، التي لا تستجيب للمرجعيات الفكرية والثقافية الخاصة بهويتنا الإسلامية والعربية.

يبدو إذن، أن عملية تغيير لغة التدريس، ليست عملية مجردة معزولة عن عوامل أخرى، بقدر ما أنها تمثل عملا دؤوبا للمساهمة في خلق جيل ضيق الأفق منعزل الفكر ومستلب الهوية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!