في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | اتهام “مناجم” المغربية بتهريب الذهب.. بين رواية القوات المنحازة للشعب وبقايا نظام البشير

المجلس العسكري في السودان يتجنب الدفاع عن الهولدينغ الملكي

إعداد: سعيد الريحاني

بينما كان المواطنون، عبر العالم، يتابعون تطورات أزمة النظام في السودان، لأخذ العبرة، في إطار الدروس التي يتم تقديمها للعالم منذ سنة 2011(..)، قفزت إلى واجهة الأحداث العالمية، يوم الخميس الماضي، أخبار “اعتقال” طائرة تعمل لصالح شركة “مناجم” المغربية وهي بصدد النزول على أرضية مطار الخرطوم، حيث كان في استقبالها العشرات من الصحفيين والمصورين الذين جلبتهم قوات الدعم السريع لمواكبة عملية إحباط تهريب كميات كبيرة من الذهب في السودان، حسب ما صرح به في عين المكان، جنرال من قوات الدعم السريع اسمه عثمان محمد.

في عين المكان، وداخل مطار الخرطوم، أذاعت قوات الدعم السريع السودانية، بلاغا موجها للصحافة العالمية قالت فيه، أنها أحبطت محاولة تهريب 241 كلغ من الذهب السوداني، وسمحت للصحفيين بنشر شريط فيديو يوثق لحظة محاصرة الطائرة، ولحظات استخراج صناديق الذهب المحجوز داخلها، ليوضح الجنرال عثمان محمد، أن ((93 كيلوغراما فقط من هذه الكمية التي تم ضبطها على متن مروحية تابعة لشركة مغربية، حاصلة على ترخيص بالتصدير)).

ولقي شريط فيديو يظهر فيه جنرال سوداني وهو يتحدث عن حماية مقدرات وموارد الشعب السوداني، رواجا كبيرا عبر العالم، بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها السودان، التي تعرضت في وقت سابق للتقسيم، حيث ولد من رحمها دولة جنوب السودان، ولم تتحرك الصحافة المغربية إلا في اليوم الموالي لمواكبة هذا الحدث الذي وصلت شرارته إلى المغرب، لكون الشركة المعنية بهذه الاتهامات هي شركة تابعة لمجموعة “المدى” المملوكة للهولدينغ الملكي، حيث تناقلت عدة مواقع القصاصة الإخبارية الصادرة عن وكالة “سبوتنيك” الروسية، وهي القصاصة التي قطعت الشك باليقين بأن الأمر يتعلق باتهام شركة مغربية، رغم أن القصاصة تضمنت في جزء منها توضيحات منقولة عن مصدر بوزارة المعادن السودانية، قال إن ((الطائرة التي كانت بحوزتها كميات من الذهب، تابعة لشركة مناجم المغربية، وكانت في طريقها للخرطوم.. جاء توقيفها ليس بسبب التهريب، لكن لأنها لم تأخذ تصريحا لتحرك الطائرة)).

الخلاصة، نحن أمام مصادر وزارية في السودان حاولت أن تنفي تهمة التهريب عن الشركة المغربية، لكن قوات التدخل السريع التي اعتقلت الطائرة، لم يصدر عنها أي توضيح، ولم تتراجع عن روايتها، وأكثر من ذلك، فقد سلمت الكمية المحجوزة للبنك المركزي السوداني من أجل متابعة الإجراءات المتعلقة بهذا الأمر.

أما في الجانب المغربي، فلم يصدر أي توضيح عن وزارة الطاقة المعادن المغربية، وربما لا مجال للقول بأن الوزير عبد العزيز الرباح يعرف شيئا عن هذا الأمر(..)، بل إن شركة “مناجم” نفسها اكتفت بتقديم رد محتشم عبر تقنية “التسريب” لبعض المواقع الصحفية، التي كتبت ما يلي: ((نفى مصدر مسؤول من شركة مناجم المغربية صحة الأخبار التي ربطت الأمر بعملية تهريب محتملة للذهب))، وأوضح نفس المصدر من شركة “مناجم” المغربية، أن المشكل يتعلق بإرسال بعض الوثائق المتعلقة بالتصاريح اللازمة، مشيرا إلى أن ((الشركة المغربية تتواجد في السودان منذ سنة 2006 وشرعت في عمليات التصدير وإنتاج الذهب منذ سنة 2009 بطرق شرعية وقانونية)).

العطب المغربي في تدبير الأزمات التواصلية، يبدو جليا في حالة قضية “مناجم”، حيث لم يظهر أي مسؤول من الشركة ليوضح ما حدث، علما أن نفي الأحداث بهذه الطريقة، لا يوقف تداعيات الأسئلة المتروكة بدون جواب، ماذا عن الفرق بين الكمية المرخصة والكمية غير المصرح بنقلها التي وردت على لسان جنرال من قوات الدعم السريع؟ وما هي وجهة هذا الذهب؟ وماذا عن المساطر المغربية المعمول بها في هذا المجال؟ لماذا سكتت وزارة الطاقة والمعادن المغربية؟

بغض النظر عن مسار التحقيق في هذه القضية، وهو الأمر الذي طرح في السودان ولم يطرح في المغرب، فإن القبض على طائرة تعمل لصالح شركة مغربية، ساهم في بروز نجم قوات الدعم السريع، هذه القوات لا علاقة لها بالمجلس العسكري الانتقالي الذي يدبر المرحلة الأخيرة في السودان، رغم أن تعداد أفرادها يتجاوز 40 ألف عضو، حسب بعض التقارير الإعلامية.

طبعا، المغرب لطالما جمعته علاقة وطيدة بالنظام السوداني، من خلال العلاقة بين النظام المغربي والنظام السوداني، حتى أن عمر البشير وجد الطريق مفروشا أمامه بالبساط الأحمر ليشارك بكل أريحية في مؤتمر المناخ الذي احتضنه المغرب، رغم صدور مذكرة اعتقال في حقه من طرف المحكمة الجنائية الدولية، لكن اعتقال البشير أمر لم يكن بالإمكان تصور حدوثه في المغرب، الذي وجد مبررا لعدم التقيد بأوامر المحكمة الجنائية الدولية في كونه ليس عضوا فيها، فضلا عن وفائه لمبادئ الدول الإفريقية، في إطار عودته لحضن الاتحاد الإفريقي.

“تهريب الذهب من السودان” وهو العنوان الذي انتشر كالنار في الهشيم، ساهم فيه تضارب الأرقام، فحتى الجهات التي حاولت تبرئة الشركة المغربية من تهمة التهريب، تركت الباب مفتوحا للتأويلات، من خلال الحديث عن كميات مرخصة أقل بكثير من الرقم المعلن عنه، ليطرح السؤال: طالما أن المؤسسات في السودان تنفي تهمة التهريب عن الشركة المغربية، فمن تكون قوات الدعم السريع التي قامت بهذا العمل الذي أساء لصورة المغرب؟

الجواب من خلال وسائل الإعلام، يقول إن ((قوات التدخل السريع تأسست في عام 2013 من رجال قبليين بقيادة محمد محمدان الشهير بحميدتي، وتبعت في البداية جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وكان حميدتي قد أكد في عام 2014، أن قوات الدعم السريع تعد جزءا من المنظومة العسكرية التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطنية المساندة للقوات المسلحة في الحرب ضد المتمردين في دارفور وجنوب كردفان، وأصبحت القوات تابعة للجيش السوداني، أي تحت إمرة رئيس الجمهورية مباشرة في يناير 2017، فأصبح اسمها قوات الدعم السريع التابع للجيش السوداني، بعدما أجاز البرلمان السوداني قانونا خاصا بالقوات يجعلها تابعة للجيش، وبذلك فقوات الدعم السريع هي الذراع القوية للقوات المسلحة كما كان يصفها البشير (الرئيس المخلوع))).

وربما لا يعرف كثير من المغاربة أن قوات الدعم السريع، قوات خاصة لها مواردها المالية الخاصة، من مناجم الذهب، ومن صفقات الحروب كما حصل في حرب اليوم، حيث أن هذه القوات شاركت في “عاصفة الحزم”، التي أطلقتها السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ويقول السودانيون إن البشير حاول في آخر أيامه على رأس السلطة، الاستعانة بهذه القوات لردع المحتجين، إلا أن حميداتي وصل رفقة قواته للخرطوم، غير أنه رفض مواجهة المدنيين، فأكسبه ذلك ثقة الشارع.

ولكم أن تتصوروا الوضع في السودان الذي يقوده مجلس عسكري، لا تنتمي له قوات الدعم السريع، ولكم أن تقيموا الأوضاع هناك عندما تقرؤون نوعية البلاغات الصادرة عن هذه القوات والمنحازة إلى لغة الشعب، حيث تتناقل وسائل الإعلام البلاغات الصادرة عن هذا الجيش، ومنها على سبيل المثال، البلاغ التالي: ((طالبت قوات الدعم السريع في السودان بالتغيير الفوري، والانتقال إلى مرحلة جديدة بعد الأحداث المتسارعة التي أدت إلى عزل البشير، ودعت قوات الدعم السريع إلى فتح باب الحوار مع مختلف شرائح المجتمع والإسراع في تنظيم لقاءات الحوار مع قيادات ورؤساء الأحزاب السياسية وتجمع المهنيين، وقادة الشباب وقيادات تنظيمات المجتمع المدني، وطالب بيان قوات الدعم السريع، بوضع برنامج واضح لفترة انتقالية لا تزيد عن ثلاثة إلى ستة أشهر، ويتم خلالها تنقيح الدستور من خلال لجنة صياغة تشارك فيها كافة قوى السودان.. قوات الدعم السريع، أكدت أيضا على أن تكون مهمة المجلس الانتقالي، التركيز على إنقاذ الوضع الاقتصادي، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين، والإشراف على لجنة صياغة تنقيح الدستور دون التدخل في مهامها.. كما دعت إلى تشكيل محاكم ونيابات عامة لمكافحة الفساد بكافة صوره وأشكاله، وقيام انتخابات حرة ونزيهة وفق رقابة محلية ودولية وفق قانون انتخابات يتفق عليه بين أصحاب المصلحة)).

انحياز قوات الدعم السريع للغة الشعب وبلاغاتها، لا يمحي تاريخها، فهي أيضا من بين القوات المتهمة بارتكاب المجازر في إقليم دارفور، وهو الإقليم الذي شهد حربا مدمرة رغم أنه يتوفر على كمية لا تحصى من الذهب، واللعبة كلها في السودان باتت قائمة على الذهب، بعد أن تم عزل منابع البترول والغاز في دولة حديثة اسمها جنوب السودان.

يذكر أن المجلس العسكري الذي يقود فترة انتقالية في السودان، تقدر مدتها بسنتين، لم يتفاعل لا من قريب ولا من بعيد مع قضية “مناجم”، لانشغاله بمشاكله الذاتية التي تهدد مستقبله، حيث تفيد الأنباء الواردة من العاصمة السودانية الخرطوم، بسقوط 6 قتلى من بينهم ضابط بالجيش وإصابة العشرات في اشتباكات مسلحة في ساحة الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!