في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | السلاطين المغاربة الذين عشقوا حياة روميو وجولييت

بقلم: مصطفى العلوي

إشكالية زواج الملوك والسلاطين في المغرب وتأثيراتها على الواقع المجتمعي، خليقة بالبحث والاهتمام، وتاريخ المغرب يصدح بالأسباب والمسببات، والأمثلة والسابقات.

وبصرف النظر عن الدول التي تأسست في المغرب من الأدارسة إلى السعديين، فإن المشاكل الناتجة عن زواج الملك أو السلطان لم تعرف حدودا زمنية، ولا ظرفية، وإنما هي عوامل سياسية بالدرجة الأولى، ظهرت في أبشع معانيها، جنوبا عندما كتب القطب الدلائي محمد الحاج، لأول سلطان عملي في الدولة العلوية، بقطع كل علاقة بالسلطان العلوي محمد الشريف: ((أعرضنا عنه لما فيه من الفحش ومن بعض ما فيه، بعد الحمدلة والتصلية(…) وإنك عاقد ناكث وقاسم حانت، وقد أعرضنا عنه لفحش العتاب لا يحملنه دفاتر ولا كتاب)) (الضعيف الرباطي)، ليجيبهم السلطان ((بأسوأ الجواب بما يضعضع ويقلع الإطناب)) (نفس المصدر).

نفس الإشكالية التي جعلت السكان الفاسيين وقد خرجوا للقاء السلطان مولاي عبد الله، يقطعون كل علاقة للسلطان بالفاسيين الذين ((خرجوا ليخبروه أنهم رجعوا على نصره ليقتل منهم خمسة عشر رجلا من أكابرهم)) (نفس المصدر).

ولنفهم هذه المقاطعة لسلاطين المغرب، لمصاهرة الفاسيين، حتى حصلت معارك مات فيها السلطان محمد بن الشريف الذي وقف أخوه مولاي رشيد على جثمانه وهو يبكي ويقول ((ما قتلك إلا السراح)) (نفس المصدر) ويفسر هذا التوتر بين السلطان وسكان فاس، حتى قبل العلويين في أيام السعديين، حينما فطن التونسيون(…) إلى الفراغ المتواجد في هذا المجال(…) فاستقبلوا قاضي فاس الذي توجه إلى تونس، ليبحث عن زوجة لابنه، فاستقبله السلطان التونسي، وزوج ابنته فاطمة لولد القاضي سعيد العثماني، الذي ما إن سمع المغاربة بهذا الحدث حتى نصروا ولد القاضي، وعينوه سلطانا على المغرب.

ويذكر التاريخ أن ابنة السلطان التونسي كما كتب ابن خلدون، جاءت بموكبها إلى تازة، وقد أصبح زوجها المغربي، أبو الحسن، سلطانا على المغرب، سموه السلطان الأسود لأن أمه كانت سودانية، شمس الضحى الزوجة التونسية، ها هي مدفونة في مقبرة شالة بالرباط بعد سنوات من الأمجاد.

ولكن الأهم، هو امتناع السلاطين العلويين عن مصاهرة الفاسيين، وكل المعارضين للدولة العلوية، وكان الفاسيون وخاصة الأغنياء منهم من كبار المعارضين.

لنجد تكريس هذه القاعدة، في أيام السلطان القوي مولاي إسماعيل، الذي رغم العدد الهائل من أولاده وبناته، بدأ تقليده الجديد بالتوجه إلى موريطانيا في زمن كانت فيه حدود المغرب الجنوبية، تتوقف عند نهر السنغال(…) وهناك تعرف على القطب المغاربي الشيخ بكار المغافري، الذي أهدى ابنته للسلطان مولاي إسماعيل، واسمها خناتة بنت بكار.

وكانت هذه التحولات في زواج السلطان بعيدا عن العائلات المغربية، رغم أنه كان يعتقد بأن المغرب مكون من قبائل وشعوبا واتجاهات، فقرر أن يتزوج من الجنوب، بل إنه أعطى لزوجته الموريطانية نفوذا عمليا، فكان يستدعي أقطاب دولته إلى القصر المكناسي ليفاجئهم بزوجته خناتة وهي تنزل بقفطانها الأصفر، حاملة سيفا ممسكة قبضته بيديها، لتقطع أمام المدعوين رؤوس كل معارضي السلطان في الحفل، ليكتشف هذا السلطان نجاح تجربته في قطع رؤوس المعارضين، حتى كتب الصحفي الإنجليزي “كابرييل كامب” بأن الناس أصبحوا يهابون السلطان مولاي إسماعيل لدرجة أن المرأة المغربية كانت تسافر من مكناس إلى مراكش محملة بحليها ومجوهراتها دون أن يتعرض لها أي متعرض، كما أن خناتة ابتدعت أسلوبا جديدا عندما يتعرض السلطان لمرض، فتنزل في عربتها إلى شوارع مكناس، لتفرض حضور السلطان، ليكتب المؤرخ المغربي يونس نكروف، في كتابه عن السلطان مولاي إسماعيل: لا ندري كيف هيمنت هذه الموريطانية على السلطان الذي أصبح يطيعها وهي التي ولدت له مولاي أحمد، ومولاي زيدان، والمتوكل، ولا ندري هل كانت تطعمه مواد لطاعتها بعد أن كان الكل يخاف خناتة، حيث لا أحد يستطيع أن ينطق باسم السلطان، فأحرى مناقشته(…)، بل إن الكاتب البريطاني “جوهن وينوس” ذكر في كتابه الصادر سنة 1721، بأن القبائل كلها أصبحت تقول: نحن عبيدك، حتى السفير البريطاني في مكناس “شارل ستيوارت”، كتب أنه قرأ عن هذه الزوجة خناتة في كتاب أكنسوس، والإصابة لابن حجر، فتعمق في شخصيتها لتصبح مراسلة له بواسطة رسائل يكتبها له “مول الطابع”، ويظهر له اسم زوجة أخرى أكثر ثقافة، واسمها أم العز.

ليشرع مولاي إسماعيل في فتح أبواب قصره لزوجات أخرى، كعائشة بنت مبارك الرحمانية، بل يوسع السلطان مولاي إسماعيل دائرة زوجاته بإعلان زواجه من سيدة إنجليزية كان اسمها جانيت، وسماها بعد أن أسلمت، بلقيس، لتتخصص أم العز في مكاتبة السفير البريطاني، بينما تكفلت عائشة الرحمانية بمكاتبة ملكة إسبانيا، زوجة الملك فيليب، التي كتب عنها صاحب كتاب الضعيف، أنها أصبحت تربط صلات دبلوماسية مع زوجة السلطان.. وهو ما جعل السلطان مولاي إسماعيل يبعث سفيره ابن عائشة إلى الملك الفرنسي، لويس الرابع عشر، يطلب زواجه بابنة السلطان الفرنسي، الذي رفض.

وبعد السلطان مولاي إسماعيل، وفي أيام السلطان مولاي عبد الرحمان، وكان سلطانا نموذجيا، حكى عنه الصحفيون، أنه بات ليلة بدون عشاء، لأنه لم يجد شيئا يطبخه.

وقد استفحلت ظاهرة رفض مصاهرة السلطان من طرف العائلات الوزانية على الخصوص، بعد أن أعلنت هذه العائلة منع بناتها من الزواج مع السلاطين، خصوصا وهم يعرفون الأصول المخزنية لزواج السلاطين، وما يخلفه هذا الواقع من تكاثر الأمراء والأميرات، حتى امتلأت جهة تافيلالت بأحياء مليئة بمطلقات لسلطان، وأولادهن وبناتهن، وما يحيط به من بروطوكولات، رغم أن ظاهرة الزواج بالأجنبيات، استفحلت لدرجة جعلت السلطان محمد بن عبد الله يتزوج بنتا كورسيكية كانت تسمى دافيا، وسماها الضاوية، وهي بنت في ذلك الزمان، كانت تحيي الواقع الحالي للمهاجرين(…)، وكانت الضاوية مهاجرة كورسيكية ولدت في تونس دون أن يعرف أحد كيف وصلت للمغرب، تاهت في مجال الهجرة هي وأمها، حتى فوجئ المغرب بأنها أصبحت زوجة السلطان، الذي ما إن مات، حتى عادت الضاوية إلى أمها التي كانت تعيش في مدينة العرائش.

وفي ظاهرة زواج السلاطين بالأجنبيات، حصلت المعجزة مرة، عندما تزوج أحد السلاطين بشهرزاد الإنجليزية، حين كانت المعجزة، عندما جاء السلطان مولاي سليمان مرة للصلاة في مسجد بمدينة الرباط، وعند مغادرته، لاحظ تواجد إحدى بنات الشعب في ركن من المسجد الذي كان يسمى سكينة، أخذت بلب السلطان، فكلف مدير تشريفاته بإحضارها وقرر الزواج بها، وقد أخبره مستشاروه بعد زواج السلطان بابنة الشعب، وأخذوا يشككون السلطان في أخلاقها(…)، ومرة عاد لنفس المسجد بعد أن أصدر أوامره بتنظيف أطراف المسجد، فاستدعى مستشاريه ليسألهم عن الأزبال، فقالوا له: لقد انقرضت، فقال لهم: الأوساخ انقرضت، وأصبح الناس يصلون في أطراف المسجد، وكذلك المرأة التي تزوجتها، ليتأثر المستشارون بفكرة السلطان ويطلقون على المسجد منذ ذلك التاريخ، مسجد مولاي سليمان، ليصدر السلطان مولاي سليمان أوامر بتجاوز أسطورة منع السلطان من مغربيات، فاسيات أو وزانيات، أو من قبائل الجنوب.

هذا السلطان مولاي سليمان، وقبل أن يتزوج ابنة الشعب، سبق له بدوره أن تزوج بسيدة ليبية سنة 1811، وهي ابنة السلطان الليبي سيف النصر، من عرب الحنانشة في طرابلس، وأرسل كتيبة من الجنود من المغرب إلى ليبيا لاستحضارها، وكان تقليد عدم الزواج بالمغربيات قد سكن القصور السلطانية، حتى شوهد الأمير عبد السلام مرة في القنصلية البريطانية بطنجة، في 12 يناير 1873، وهو واقف يخطب الفتاة الإنجليزية إيميلي كين، التي أصبحت فيما بعد تعرف بأميرة وزان.

دون أن ننسى الدور الذي لعبته المواطنة التركية رقية، زوجة الملك الحسن الأول، لتنصيب ولدها عبد العزيز سلطانا على المغرب، رغم صغر سنه، ظاهرة بقيت أثارها سارية حتى في عهد الملك محمد الخامس، الذي ذهب شخصيا إلى بيروت ليخطب ابنة القطب السياسي اللبناني، رياض الصلح، لمياء، لولده مولاي عبد الله.

حقا، إن المؤلف محمد بركاش الرباطي، كشف عن الخبايا في كتابه عن نساء المغرب، فكتب عن جده، الحاج المكي بركاش، الذي تزوج بالفرنسية إيميلي دوكرو، التي أصبح اسمها فاطمة، ليعيشا حياة روميو وجولييت، وعن الأمير سيدي محمد الذي زوج ولده بإنجليزية سماها شهرزاد، عاش معها قصة من قصص ألف ليلة وليلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!