تحليل إخباري | “اليد السوداء”.. الرجال الذين كانوا يرعبون فرنسا يسقطون تباعا

إعداد: سعيد الريحاني

لم تستطع عدد من المنابر الإعلامية، وخاصة المواقع الإلكترونية الجديدة، مواكبة حدث وفاة المقاوم محمد بن حمو الكاميلي، الذي تزامن مع الاحتفاء بذكرى فاتح ماي، ولولا أن الملك محمد السادس حرص على بعث رسالة تعزية إلى أهله، تكلف بتبليغها مدير مديرية الدراسات والمستندات (لادجيد) ياسين المنصوري، لما كان خبر وفاته قد عرف طريقه للانتشار الواسع.

وصف الملك محمد السادس، الراحل محمد بن حمو الكاميلي، بالرجل الوطني الغيور، وأحد رواد المقاومة وجيش التحرير، الذي قدم التضحيات الجسام من أجل حرية واستقلال وطنه، في تشبث مكين بثوابت الأمة ومقدساتها، ووفاء للعرش العلوي المجيد، غير أن هذه الإشادة الملكية بدور الراحل، لم تكن لتكون كذلك لو أن الوفاة حصلت في زمن الحسن الثاني، حيث أن حمو الكاميلي لم يتم العفو عنه إلا بشكل جزئي، بعد أن صدرت في حقه عقوبة الإعدام، وقضى عقوبة حبسية قدرت بـ 14 سنة قبل أن يتم العفو عنه.

وبخلاف ما يعتقده الصحفيون الذين قالوا بأن حمو الكاميلي لم يكتب مذكراته، فإن الراحل خلف سيرة ذاتية مليئة بالعبر والدروس، عن جيل كان يرفض الاستعمار، وكان يرفض كل مظاهر التبعية لفرنسا، وهو ما كانت تفسره القنوات الناقلة للتقارير بأنه عداء للملكية، إسهاما منها في سوء الفهم، لذلك اضطر عمر بن حمو الكاميلي، وهو نجل الراحل، أن يفسر للصحافيين علاقة محمد بن حمو الكاميلي حيث قال: ((إن والده كان من مؤسسي الحركة الوطنية وجيش التحرير، كما كان من مسؤولا عن العمليات الفدائية لمنظمة “اليد السوداء” ضد المستعمر الفرنسي من منطقة بوسكورة بالدار البيضاء))، وعن علاقته بالقصر الملكي، أوضح عمر بن حمو أن ((والده لم يكن ضد القصر الملكي، بعد حصول المغرب على الاستقلال، وإنما كانت له رؤية خاصة للقضية الوطنية، وأنه كان ضد معاهدة إكس ليبان، كما لم يكن يخفي مطالبته بتحرير سبتة ومليلية من الاحتلال الإسباني، ونفس الشيء بالنسبة للمناطق الجنوبية المغربية، مؤكدا أنه بعد خروجه من السجن الذي قضى فيه 14 سنة، رد له الملك محمد السادس الاعتبار، بمنحه عفوا ملكيا شاملا))، مضيفا أن ((والده يمثل تاريخ المغرب، وأن زيارته من طرف ياسين المنصوري، مدير المديرية العامة للدراسات والمستندات، الذي حضر جنازته، وكذا من طرف مصطفى الكثيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يعد اعترافا بكونه جزء من تاريخ المغرب المشرق)) (المصدر: موقع اليوم 24/3 ماي 2019).

لمعرفة شخصية الكاميلي، يكفي أن نقرأ ما كتبه في سيرته الذاتية، حيث قال: ((إن الحركة الوطنية (وهو جزء من الحركة الوطنية)، ابتكرت أساليب في مقاومة الاستعمار، منها مخاطبة الرأي العام بالأسلوب الذي يفهمه، وإشراك الشعب في النضال الوطني، بدعوته إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، حيث شاركت ربات البيوت في هذه الحركة، وامتنع الناس عن تدخين السجائر، واستهلاك السكر الفرنسي، كما رفضوا ارتداء المنسوجات الفرنسية، فقابل الاستعمار ذلك بالحديد والنار، وسقطت الأرواح، وتزايدت واستفحلت أحداث العنف ضد المواطنين الأبرياء العزل، وتكررت المجازر بالدار البيضاء لاسيما بدار الكبير، وكاريان سنطرال، وكراج علال، وابن امسيك، ودرب السلطان والمدينة القديمة، وبلغت الأزمة الفرنسية المغربية حالة الاختناق في بداية الخمسينات من القرن الماضي، حين وصل حوار السلطان مع الإقامة العامة إلى الباب المسدود، وظهرت بوادر المؤامرة الفرنسية على العرش المغربي بالتحريض لإثارة تمرد مفتعل يتزعمه كبار الباشاوات والقواد، بهدف نفي السلطان محمد بن يوسف وخلعه إن لم يتنازل عن العرش، فأصبحت اللحظة التاريخية تتطلب مزيدا من العمل الوطني)).. هكذا تحدث الكاميلي عن فرنسا في مذكراته.

وربما يكون اللوبي الفرنسي المنتشر في مفاصل الدولة المغربية، وعبر مختلف مواقع المسؤولية، بما فيها المسؤوليات الحساسة، منشرحا لأن أمثال هؤلاء الرجال لم يتمكنوا من الوصول إلى السلطة في المغرب، ولم يقدر لهم الحكم حتى عبر الانتخابات(..)، فالكاميلي واحد من الرجال الذين كانوا يؤمنون بالمقاومة المسلحة ضد المستعمر، حسب ما يحكيه هو نفسه.

((أود أن أشرح العوامل التي أثرت في تفكيري وشدتني إلى العمل المسلح، والتي من بينها دروس التاريخ التي تلقيتها عن تجارب رجال الجهاد من طينة أحمد الهيبة وموحى وحمو الزياني ومحمد بن عبد الكريم الخطابي وموحى وسعيد الويراوي، وغيرهم، وتعرفنا كذلك على القائد الهندي الراحل غاندي، ومحمد علي جناح، والشهيد عمر المختار قائد الثورة الليبية، والأمير عبد القادر الجزائري، والراحل سعد زغلول..)).. هكذا تحدث الكاميلي قبل أن يضيف وهو يعرف نفسه: ((لم يدفعني للمقاومة أي حزب سياسي، إذ لم أكن منتميا لحزب ما، وإن كنت متعاطفا مع حزب الاستقلال. لقد عاينت المظاهرات الصاخبة التي نظمت بالدار البيضاء على إثر اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد، في دجنبر 1952، حيث عرفت المدرسة المحمدية هي الأخرى احتجاجات واسعة بهذه المناسبة الأليمة)).

حكاية الكاميلي، تبدأ كلها من اليوم الذي خرج فيه يبحث عن عمل، فوجد في طريقه، بمكتب النقل العمومي بالدار البيضاء، السيد أحمد بن بوبكر بويري، الذي وعده بإيجاد عمل له، قبل أن تتوطد العلاقة، مع تعرفه على أخيه إدريس، فانطلق الإعداد لفكرة تكوين خلية مسلحة.

((وهكذا التقت الإرادات، ثم ربط الأخ إدريس اتصالات بالأخوين محمد بن جلون، ومحمد الكوردوني، فالتحقا بخليتنا، وتكلفنا بجلب السلاح من الشمال، لما لهما من اتصالات واسعة في هذا المضمار.. بعدها اتجه التفكير نحو تنظيم مسلح قوي، أي تأسيس منظمة سرية، فكان الفضل الكبير للأخ امشكي البشير، الذي لعب دورا مهما في استقدام الأخ أزيدان عبد السلام، أحد الأساتذة البارزين، إلى خليتنا))، هكذا كانت البداية، حسب ما يحكيه حمو الكاميلي، في مذكراته المنشورة من طرف المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

هكذا إذن كانت بداية منظمة “أسود التحرير”، وشعارها يضم مسدسا يرمز للعمل المسلح، و((لعلل في اختيار اسم أسد، دلالة رمزية لأسد الأطلس كما هو متعارف عليه منذ القدم، وبما يرمز إليه من دلالات القوة والجسارة والشدة، ولقد آلينا على أنفسنا في المنظمة، القيام بما ينبغي العمل به من فداء وتضحية وكفاح مسلح ضد الاحتلال وضد مصالحه وعملائه، خصوصا لما تزايدت واستفحلت أحداث العنف ضد المواطنين الأبرياء العزل، وتكررت المجازر بالدار البيضاء)) يقول الكاميلي، وهو واحد من القلائل الذين لا يطنبون في الادعاء، تفاديا لما يسميه الصراعات الهامشية.. ولكن من باب الإنصاف، فإنه يقول: ((أؤكد أن جميع المنظمات قدمت ما تملكه من جهد، وقامت بما أمكنها القيام به من عمليات، بما فيها حرق الغابات وقطع أسلاك الهاتف وإحراق وإتلاف المحاصيل الزراعية للعدو، ومهاجمة دوريات البوليس والدرك، ومهاجمة بائعي المنتجات الفرنسية.. وتميز العمل المسلح في المجال الحضري في بدايته بضعف صداه، حيث لم ترق العمليات الأولى إلى المستوى الذي كنا نطمح إليه، أي خلق رجة داخل البنيات الاستعمارية وزرع الخوف في نفوس المعمرين، وعلى الرغم من أن الذين أنجزوا العمليات المسلحة الفدائية لم يكن لهم مستوى ثقافي جيد وينحدرون من أصول اجتماعية متواضعة، إلا أنه يسجل أن جل قادة المقاومة، كما عرفتهم، كانوا على مستوى عال من الوعي السياسي وعلى استعداد للتضحية حد الاستشهاد)).

طبائع الرجال وأسماء الرجال كلها حاضرة بقوة في مذكرات الكاميلي، ويكفي أن تقرأ جزءا منها لتعرف الطينة التي كانت تقاوم فرنسا، حيث يقول الكاميلي (وانظروا للأسماء): ((من الواجب الإقرار أن غياب قيادة موحدة ومنسجمة تنضوي تحت لوائها كل التنظيمات، شكل خطئا استراتيجيا قاتلا ستتضح معالمه غداة الاستقلال حين أتت الإعدامات والاغتيالات على خيرة رموز المقاومة المغربية.. لقد قام بعض طلبة مولاي مدرسة يوسف بمراكش بمجهود جبار في حركة التحرير سنة 1952، وكانوا يتوفرون على كفاءات عالية من بينهم المرحوم مولاي عبد الله إبراهيم، والمرحوم محمد الفقيه البصري، ومولاي عبد السلام الجبلي، وبوشعيب الحريري، والمرحوم محمد الحبيب الفرقاني، ومحمد بنسعيد أيت إيدر، حيث كان هؤلاء يفكرون في تنظيم جناح للمقاومة وتقويته والدفع به إلى ساحة النضال)).

قصة العمل المسلح بالنسبة للكاميلي، لا تقف عند حدود تأسيس منظمة “أسد الأطلس” أو الانتماء إلى منظمة “اليد السوداء”، التي تعرفها الصحافة بأنها ((المنظمة التي كان يشرف عليها الشهيد الزرقطوني، الذي اجتمع بعبد السلام بناني وأبو النعيلات وحسن العرائشي وسليمان العرائشي ومقاوم يلقب بمنصور، ليخلصوا إلى ضرورة إرسال أول إشارة إلى فرنسا، بتصعيد المقاومة وتغيرها نحو المقاومة المسلحة))، بل إن قصته تشمل انتماءه إلى جيش التحرير ثم حديثه عن معارك الصحراء، ولعل قضية الصحراء كلها كانت ستأخذ منحى آخر لو فسح المجال فيها لرجال المقاومة للتعبير عن آرائهم بخصوصها، ولم لا التفاوض بشأنها.

((إن انتفاضة قبائل الجنوب سنة 1957، وعمليات حرب العصابات تحت إمرة جيش التحرير، مكنت عام 1958، بعد فشل عملية “إيكو فيون” من جهة، من سحب إسبانيا لقواتها والانسحاب من شمال الصحراء وإرجاع مدينة طرفاية (كاب جوبي) إلى المغرب، ومن جهة أخرى، انسحاب فرنسا وسحب قواتها من الصحراء، لكن دون إرجاع مدينة تيندوف إلى المغرب، واقتصرت على الاعتراف بوقوعها تحت السيادة المغربية واستمرار استخدام الطابع البريدي المغربي بخصوص المراسلات، علما أن فرنسا كانت تواجه حربا بالجزائر وتستعد للانسحاب من مستعمراتها الإفريقية، فبقيت الصحراء المغربية إذن، تحت السيادة الإسمية للمغرب، رغم معاهدة الحماية الفرنسية والإسبانية..))، هذا جزء من قصة الصحراء كما يحكيه الكاميلي، الذي شكلت جنازته حدثا مهيبا تقدمه كل من ياسين المنصوري، والوزير الاتحادي عبد الكريم بنعتيق، والكثيري مندوب المقاومين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!