في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | ما هكذا تتم صيانة البلاد عن حراك الجزائر وليبيا والسودان يا أحزاب المغرب

بقلم: مصطفى العلوي

بعد ثلاثمائة وأربعين سنة على هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، كان على الدولة الفاطمية، ملك يسمى المعز.. المعز لدين الله، وكان ملكه يمتد من المغرب، مغربنا هذا، إلى المشرق، حيث أنه هو الذي أتم بناء القاهرة، المصرية، بعد أن دفن أباه المنصور في مدينة المهدية المغربية، وكان هو أيضا(…) يتكلم عدة لغات، منها الإيطالية، لكونه تربى في صغره بصقلية.

ملك عظيم إذن، لولا أنه كان يغيب كثيرا مختفيا عن الأنظار.. لدرجة أن المؤرخين اهتموا بهذه الظاهرة، لدرجة أن ابن الجوزي وابن الأثير، ((اتفقوا على أن مدة اختفاء المعز، وربما تحت الأرض، كانت نحو سنة))، ويقال حتى في الأرشيفات البريطانية، مخطوطات بوكوك، ما أكده كتاب “تاريخ الدولة الفاطمية” للدكتور حسن إبراهيم حسن: ((إن الذين درسوا العلوم الفلكية، الذين نسبوا بعض القوى الإلهية إلى الخلفاء، ذكروا أن بعضهم نصح الملك المعز، أن يحتجب عن الناس، لكنه ظل مختفيا تحت الأرض، سنة كاملة، فاعتقد الناس أنه صعد للسماء.. وبلغ هذا الاعتقاد، أن الجندي، كان إذا رأى سحابة في السماء، ترجل وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين)).

((حتى الأحزاب، كانت في زمان هذا الملك، مكونة من طائفة الروحانيين، المستنيرة بأفكار المذهب الدرزي، وهم الذين يقولون: توكلت على مولانا الحاكم الأحد، الفرد الصمد، المنزه عن الأزواج، والذين يقرون: أننا تبرأنا من جميع المذاهب والأديان كلها، على اختلاف أصنافها، لا نعرف طاعة غير طاعة مولانا جل ذكره))(تاريخ الإسلام. حسن إبراهيم حسن).

راجعت هذا التاريخ، وأنا أشاهد هذه الصورة للملك محمد السادس، وهو يظهر منشرحا ضاحكا، في أحد المتاجر الباريسية، رابطا بين سفرته هاته، وسفراته الأخرى، وسط هذا الزخم بين الحراكات الشعبية في السودان، وقد اعتقلت تحت ضغط الجماهير الثائرة، زعيمها البشير، الذي حكمها ثلاثين عاما، وقد رأيناه منذ أيام، وهو يرقص بعصاه فوق المنصة الشرفية، متحديا هذه الثورة منذ شهر، وفي الجزائر، وقد أخافت ثورتها ومظاهراتها رئيسها بوتفليقة، فاستقال، وهو الذي كان يعتبر أقوى نظام في القارة الإفريقية، لدرجة أنه حكم الجزائر في السنوات الخمس الأخيرة وهو مريض مقعد صامت، والشعب الجزائري مرتعش منه، ومن قوة الجيش القوي، ومدير المخابرات، الجنرال توفيق، الذي أخضع الشعب وهو على رأس أقوى جهاز للمخابرات عشرين عاما، قبل أن يعتقله البوليس هو ومن خلفه على جهاز المخابرات.

ليبقى النموذج المغربي، المستقر، تحت حكم محمد السادس، المستمر، خليقا بالتقدير والاحترام، رغم الهزات التي أحدثها حراك الريف، الذي نعرف أنه واقع تحت تأثير مخلفات الاستعمار الإسباني الذي غادر المغرب، وخلف أجهزته(…) التي تطمح لذلك اليوم الذي يعود فيه الريف والشمال المغربي كله ليصبح يوما، جزءا من الخريطة السياسية الإسبانية، لكن المغرب، لم يهتز لهذه الأطماع، وبقي مستقرا موحدا، توسعت حظوظه بأحداث الحراك الجزائري، الذي رفعت مظاهراته الشعبية، لافتات تطلب جلاء البوليساريو من الأراضي الجزائرية.

إنه نعم الحظ، ونعم الاستقرار المغربي، الذي لاشك، أن حظوظه نعمة من السماء، قال أجدادنا القدامى: إنها بركة الأولياء والصالحين، المشتتة قبورهم المقدسة في جميع أنحاء البلاد.

ومنطقيا، فإن بركة الدين الإسلامي، ورموزه من الأولياء والصالحين، ربما تحفظ المغرب من الأخطار المبعدة، الكامنة في التركيبة القبلية، حيث كل مدينة محاطة بعشرات القبائل، مثلما كل مدينة غارقة في أحياء شعبية تحيط الفيلات الفخمة بالدواوير الشعبية، خليط بين الفقر والغنى، وبين الاستقرار والفوضى، رغم أن المؤسسة الدراسية الأمريكية الباحثة، “غالوب”، نشرت في اليومين الأخيرين، دراسة كشفت فيها ((أن المغاربة هم ضمن الشعوب الأكثر غضبا وتوترا في العالم))، وأضافت: ((إن 41 في المائة من المغاربة يختبرون مشاعر الغضب بشكل يومي، بمعدل أربعة مغاربة على عشرة))، كما اعتبر التقرير ((أن المغاربة من بين الشعوب الأكثر تشاؤما في العالم، بمعدل يصل إلى 43 بالمائة من المغاربة الذين يعيشون التجاريب السلبية مثل الحزن والغضب والألم والكآبة والتوتر والقلق)).

“وقولوا باز” كما تقول الأطروحة المغربية، وها نحن نرى ما نقرأه يوميا من جرائم، وقتل، وسرقة، وخطف، ونهب، وتآمر، على صفحات الجرائد، وبيانات جهاز الأمن، الذي يكشف – لحسن الحظ – بين الأسبوع والآخر، عصابات تابعة لداعش والقاعدة، ومنظمات سرية تابعة لنفسها، علما بأن البوليس، يعتمدون في اكتشافاتهم الإرهابية، على ما يستطلعونه من تبليغات سرية(…) تأتيهم من بعض أولئك الذين يكونون في المنطلق شركاء في التحضير لتلك التخطيطات الإرهابية، ولعله الحظ الذي يجنب هذه البلاد، كوارث دموية.

وإن كان تكرار الاكتشافات الأمنية يؤكد ظاهرة العنف المتساكنة في أعماق المجتمع المغربي، وقد ظهر في عملية تفكك مؤسسة داعش في العراق مؤخرا، كيف أن نساء مغربيات غادرن بيوتهن الأصلية في المغرب، واستقرارهن العائلي، ويتركن كل هذا ليلتحقن بداعش، حيث كانت هؤلاء المغربيات، تعرفن الظاهرة الخبيثة في توارث الأزواج، الذين يتهافتون على النساء بعد مقتل أزواجهن، لتعرف كل امرأة تعيش مع داعش، أزواجا آخرين بعد مقتل أزواجها، وانظروا لهذا العدد الهائل من الأطفال، الذين نشاهدهم في التلفزيون، لنفهم أن داعش، لم يكن يحارب أعداءه، وإنما كانوا ليل نهار يجاهدون في النساء ليخلفوا آلاف الأطفال، الذين أحدثوا مشكلة للمنظمات العالمية.

ظاهرة العنف هاته، التي دفعت بعض الشباب المغاربة والشابات المغربيات إلى الانضمام لداعش، تكشف العنف الساكن في بعضهم وبعضهن، رغم ما يظهر على المجتمع المغربي من استقرار، وقد كتب الباحث الدكتور مصطفى غلمان مؤخرا، أن ((مظاهر العنف والعنف المضاد، تستولي على اللغة العنيفة المتبادلة، مع ما يضمر في بنية الدولة المخزنية من التقصير والتأفف(…)، ولعمري إنها شكل من أشكال التطبيع مع الرداءة والفساد السياسي، وتكريس نظريات البناء الفوقي للسلطة الاستبدادية، التي تشكل عصب الدولة في شكلها النمطي، ركوبا على الشكل الديمقراطي الأسمى)) (المساء. 3 مايو 2019).

وهذا البناء الفوقي الذي يتحدث عنه الكاتب، هو الكامن وراء ما نراه ونسمعه ونكتبه، من نماذج الخلل الذي يطبع القرارات التي تغطي صفحات الجرائد، مثل قرار زيادات خمسمائة درهم في الأجور العامة، رغم أن خمسمائة درهم لا تكفي حتى لشراء قفة من الحاجيات العائلية ليوم واحد، فأحرى أن نقرأ قطبا تقدميا، صال وجال في مجال المعارضة والتمرد السياسي، بنيوب أحمد، والذي ما إن حصل على ظهيره بتعيينه مندوبا وزاريا في حقوق الإنسان، حتى انطلق يعلن تبنيه للدفاع عن السلطات في تصرفاتها المرفوضة، فأحرى الأحزاب التي كانت تقدمية ثورية، وقد أصبحت تكتفي بقراءة الشعارات التي يرفعها حراك الجزائر، من قبيل ((الجزائريون يتعقبون أموالهم المنهوبة، والمليارات المهربة إلى سويسرا)).

وقد كشف تقرير منظمة جطو، أن هذه الأحزاب، أخذت خمسين مليارا في الانتخابات الأخيرة، وها هو الحزب الذي تأسس في فجر أيام محمد السادس، حزب الأصالة والمعاصرة، يا حسرة، وقد دخل في عملية انتحارية، جعلت الناس يحمدون الله على أنه لم يتول حكم المغرب، وهو الذي دشن هذه السنة بالصفحات المنشورة عن الملايير المختفية(…)، لدرجة جعلت أقطابه يتناطحون، فأحرى سكوت الأحزاب الأخرى عن إعطاء رأيهم في أزمة المعلمين المتعاقدين مع الوزير أمزازي، واكتفاء الزعيم الاستقلالي الجديد(…) نزار البركة، بالانضمام إلى صفوف المنتقدين للحزب الإسلامي الحاكم.. هذا الحزب الذي أصبح بدوره يصرف لياليه وأيامه في الصراع مع زعيمه  بن كيران، لتزيين صورة الحزب مع الظروف الوقتية(…) للبقاء في الحكومة، مهما كلفه ذلك البقاء من ثمن.

لا، ليس هكذا تتم المحافظة على المغرب في أحضان الاستقرار، وليس هكذا يتم ضمان المغرب في أحضان الاستمرار، وليس هكذا تتم صيانة المغرب من أخطار الحراك الشعبي، وإبعاده من نماذج ما جرى في ليبيا والجزائر والسودان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!