في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | الملف الذي تحول من قضية تجارة المخدرات إلى دعوة لانفصال الريف

بين أخطر شبكة لتجارة المخدرات في العهد الجديد وسعيد شعو وبراءة جلماد

إعداد. سعيد الريحاني

وكأن المغرب يطوي صفحة من صفحاته، لم يعد هناك مكان للحديث عن حميد شباط أو إلياس العماري، أو حزب الأصالة والمعاصرة(..)، أما في الريف، فقد نزلت الأحكام القضائية الاستئنافية بكامل ثقلها على رؤوس المتورطين في الحراك والذين ألقي عليهم القبض، فيما لازال البحث جاريا عن الهاربين، دون الحديث عمن استغلوا الفرصة ليحصلوا على اللجوء السياسي إلى بلد آخر.

ولم ينتبه كثير من المتتبعين إلى الإشارة القضائية الأخيرة ودلالاتها في أحد الملفات الكبرى المتعلقة بالريف، بعد أن نشرت المواقع مؤخرا أخبارا غير متوقعة عن تبرئة العميد محمد جلماد، رئيس المنطقة الأمنية السابق لمنطقة الناظور، من تهمة الارتشاء في أخطر ملف لتجارة المخدرات في العهد الجديد، وهو ملف البارون الزعيمي، الذي يقضي عقوبة حبسية مؤبدة داخل السجن بعد إدانته بحكم “إعدام”، ومن لا يعرف الزعيمي، قد يعرف حتما البرلماني الريفي السابق عن حزب “العهد”، سعيد شعو، الذي يقف خلف شبكة الزعيمي، وهو البرلماني الهارب إلى هولندا، الذي اتهمته السلطات المغربية بتمويل حراك الريف، وسبق لوزارة الخارجية المغربية أن أكدت صدور مذكرات بحث دولية في حقه، عبر بلاغات رسمية في عز أزمة الريف، تؤكد من خلالها صدور مذكرتي بحث دوليتين في حقه، بتهمة ((تكوين عصابة إجرامية منذ عام 2010، والاتجار الدولي في المخدرات منذ 2015))، علما أن السلطات المغربية ما فتئت تؤكد أنه ((تم إرسال معلومات دقيقة إلى السلطات الهولندية تفيد بتورط المهرب المذكور في تمويل وتقديم الدعم اللوجيستي لعدد من الأوساط شمال المملكة))، في إشارة غير مباشرة للحراك الشعبي في الريف، ولم تخل بلاغات وزارة الخارجية من تصعيد بعد استدعاء السفير المغربي في هولندا للتشاور، ووصف سعيد شعو بـ((المهرب الذي يرتزق من الاضطرابات)).

العميد جلماد إذن، والذي نال براءته مؤخرا، هو عنوان لأحد أخطر الملفات التي عرضت على القضاء المغربي، لكن البراءة لا تمنع من طرح عدة أسئلة بخصوص مسار هذه المحاكمة الغريبة، التي تختلط فيها المعطيات السياسية مع المعطيات الجنائية، تصوروا أن جلماد نال البراءة بعد تسع سنوات من إلقاء القبض عليه بتهمة الارتشاء.. نال البراءة بعد سنوات من الحجز على ممتلكاته وممتلكات عائلته، تصوروا أن الرجل لم يشرع في البحث عن براءته إلا بعد أن قضى عقوبته السجنية المتمثلة في ثلاث سنوات سجنا، كلها داخل السجن، إلى جانب المجرمين الذي كان هو يلقي القبض عليهم، بحثا عن تحقيق العدالة، وتصوروا أن الرجل الذي حصل على تهنئة من طرف المدير العام السابق للأمن الوطني، الشرقي اضريس، ينوه فيها بالدور الذي قام به جلماد لتفكيك أكبر شبكة لتجارة المخدرات بالشمال، والحجز على كمية مهولة من المخدرات في حي عاريض بالناظور، سيجد نفسه قد تحول من “بطل” أشادت به القناة الثانية إلى متهم في نفس الملف.

جلماد نال البراءة في ملف الزعيمي وشعو، بعد أن وجهت إليه تهمة “الارتشاء”، والصورة اليوم تبدو واضحة أكثر، بعد الخرجات العلنية لسعيد شعو الداعي لانفصال الريف(..)، غير أن مسار القضية أخذ في البداية هالة كبرى بعد الحديث عن تهم خطيرة في الملف، موجهة لشبكة الزعيمي وشعو، منها: ((تكوين عصابة إجرامية والاختطاف والاحتجاز بالعنف، والإيذاء العمد، واستعمال التعذيب المفضي إلى الموت، وإخفاء جثة وطمس معالم جريمة، والارتشاء، والتهريب الدولي للمخدرات، وعدم التبليغ والمشاركة في الخيانة الزوجية))..

هكذا إذن تحرك من جديد ملف الزعيمي، الذي يعد بارون المخدرات الوحيد، الذي صدر في حقه بلاغ عن المكتب المركزي للتحقيقات القضائية، يؤكد أن الرجل لازال يمارس نشاطه من داخل السجن (..)، ذلك أن جل المتتبعين الذين نسوا هذا الملف بحكم التقادم، وتراكم الأحداث، لم يتوقعوا أن تصدر هيئة الحكم بالقاعة 6 في محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، ببراءة الكومسير جلماد من تهمة “نية الارتشاء”، لتكتب المواقع أن المحكمة قررت ((رفع الحجز عن ممتلكاته وممتلكات أسرته، في حكم نهائي، بعد أن سبق لمحكمة الجنايات الابتدائية أن أدانته بثلاث سنوات حبسا نافذا، في ملف محاكمة أكبر بارون مخدرات في تاريخ المغرب، قضاها بأكملها، قبل أن تؤيد غرفة الجنايات الاستئنافية الحكم ذاته، غير أن المرحلة النهائية، التي وصل إليها الملف، بعد قبول محكمة النقض قرار الطعن في الحكم، وتعيين هيئة جديدة للملف، جعلته يحصل على البراءة من التهم المنسوبة إليه)).

وكان اسم جلماد، قد ارتبط في وقت سابق سنة 2006، بنجاحه في محاربة “الإرهابيين”، فهو الكومسير الذي يقف وراء تفكيك خلية أنصار المهدي، المتهمة بمحاولة اختراق الجيش الملكي سنة 2006، وهي الخلية التي دفعت المغرب إلى التخلي عن سياسة التجنيد الإجباري، قبل العودة إليه مؤخرا، وربما لا يعرف كثير من المواطنين، أن محمد جلماد، كان مرشحا بفضل ضرباته المتوالية، لمنصب أمني كبير، أقله المدير العام للأمن الوطني(..)، غير أن إلقاء القبض عليه، حول حياته رأسا على عقب، بعد أن قيل أنه كان صاحب نية مبيتة لتلقي رشوة كبيرة من البرلماني السابق سعيد شعو، في حالة ما إذا نجح في تخليص الزعيمي من الورطة التي دخل فيها عقب افتضاح أمر الشبكة، حسب ما نشرته الصحف التي أكدت في نفس الوقت، أن جلماد قام باقتحام مزرعة نجيب الزعيمي واحتجز 7488 كلغ من الحشيش(..)، انظروا للتناقض.

قصة الزعيمي، وعنوانها من الجهة الثانية سعيد شعو، المتهم بدعم انفصال الريف، سبق أن تطرقت لها الصحف والمواقع، فالمثير للانتباه، هو أن بارون المخدرات الزعيمي، الذي عثر الأمن ببيته على 7488 كيلوغرام من المخدرات، تعرف على سعيد شعو 14 سنة قبل أن يصير برلمانيا عن منطقة الحسيمة في انتخابات 2007، أي أن كل واحد منهما كان يعرف الآخر منذ سنة 1994، عندما كانا جارين في مدينة روزندال الهولندية، لكنهما لم يعودا للظهور معا، سوى بعد أن أصبح شعو يحمل صفة برلماني، عندما سيلتقيان بالناظور، وسيتحدثان عن توحيد جهودهما، وسيقترح شعو الرفع من كمية الحشيش المهرب إلى أوروبا باستعمال زورق أكثر تطورا من الزوارق التي استعملها الزعيمي، لينطلق مسلسل عمليات مشتركة بلغ عددها ستة بين عامي 2009 و2010، وهذه رواية الضابطة القضائية وينفيها سعيد شعو (انظر الأسبوع عدد: 16 شتنبر 2010).

لم تخرج الكثير من أسرار القضية إلى علم العموم، بسبب هروب سعيد شعو، وتعقد وضعيته بعد ظهوره كمتزعم لحراك الريف، غير أن تحريك هذا الملف قد يعطي للقضية بعدا آخر، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه ينتمي لحزب القطب الريفي نجيب الوزاني، هذا الأخير، لم يكن يخفي دفاعه عن شعو، ويقول بـ”أن الزوبعة التي أثيرت حوله، مجرد حرب صحفية.. والملف مفبرك، وبدون أدلة، ومن يجب أن يحاكم في الحقيقة، هم من ينشرون أخبارا زائفة، والزمن سيكشف كثيرا من خيوط العملية”.. هكذا تحدث الوزاني في حوار مع “الأسبوع” يوم الخميس 27 فبراير 2014.

((سعيد شعو ليس هاربا، بل جاء ليساعد المواطنين في بعض الأعمال الاجتماعية، وعندما وجد العراقيل رجع إلى هولندا، الإنسان بريء حتى تثبت إدانته)).. هكذا تحدث الوزاني قبل اندلاع شرارة حراك الريف، وها هو الحكم القاضي ببراءة جلماد، يعطي أبعادا أخرى للموضوع، أقلها التساؤل: ألم يكن هذا الملف هو الأصل في ظهور الدعوة إلى انفصال الريف؟

وكانت شخصية سعيد شعو قد حجزت مكانها ضمن قصاصات الصحف الدولية باعتباره “حالما بتأسيس جمهورية” رغم أنه عندما دخل إلى المغرب، كان يروج لمقترح الحكم الذاتي(..)، وكانت الصحافة الفرنسية على سبيل المثال، قد كتبت أن شعو تبع نهجا راديكاليا بعد ذلك، بحيث سيؤسس سنة 2014 “حركة 18 شتنبر” للمطالبة بـ”استقلال الريف”، وسيجمع من حوله عددا من النشطاء الريفيين المقيمين بمختلف الدول الأوروبية، ((واعدا إياهم بإحداث حكومة ريفية في المنفى” و”جمعية تأسيسية تضم ممثلي مختلف قبائل الشمال المغربي))، وبهدف تحقيق هذه الأهداف، أوردت “جون أفريك”، أن شعو يمول قناة تلفزيونية تسمى “أنوال تيفي” وموقعا إلكترونيا للقيام بالدعاية لمشروعه ((الذي يهدف إلى مضاعفة الواقفين وراءه عبر التقرب من عدد من الصحافيين والنشطاء الجمعويين في أوروبا))، وبعد حادث الوفاة المأساوي لـ”سماك الحسيمة” محسن فكري، داخل آلة ضغط خاصة بشاحنة للنفايات، سـ((يدخل شعو على الخط، باقتراحه، على عدد من نشاط الحراك، التمويل اللوجستيكي لهذا الأخير، وهو ما أكده عدد من الموقوفين على خلفية احتجاجات الحسيمة خلال جلسات التحقيق معهم))، يورد المصدر نفسه (عن موقع هسبريس 27 يونيو 2017).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!