الحقيقة الضائعة | أول رسالة من عبد الكريم الخطابي إلى الملك محمد الخامس..

وكان الشيخ عبد السلام يس طالبا عند الفقيه الكتاني

بقلم: مصطفى العلوي

قبل إمضاء عقد الحماية الفرنسية سنة 1912، في زمان السلطان مولاي عبد الحفيظ، كانت المعارضة السياسية المغربية متجلية في الحركة الإسلامية(…) التي كان يتزعمها عالم يسمى محمد الكتاني، المشهور بنقاشاته المفتوحة التي كانت تجرى في المساجد، بينه وبين السلطان الحاضر في مسجد القصر الملكي بفاس، حيث كان السلطان يلقي أحاديثا وعلماء البلاد يناقشونه، كظاهرة فريدة يشترك فيها السلطان مع العلماء في مواجهة المشاكل الدينية والسياسية المطروحة.

ومن نماذج هذا النقاش، أن السلطان عبد الحفيظ أثار مرة نقاشا يدافع فيه عن مبدأ الزيادة على أربع في الزواج(…) منوها بالمذهب الظواهري الذي كان يدعو إلى الحرية في عدد الزوجات، والذي أعلن السلطان الانضمام إليه(…) وينطلق العالم الكتاني في مناقشة السلطان ليقول أن الإجماع هو على خلاف ما ذهبتم إليه.

كما حصل نقاش هام بين السلطان، وبين هذا القطب حول موضوع الرقص أثناء المدح عند أصحاب الطرق، والصوفية.. لينتقد الكتاني هذه الأساليب، مضيفا إليها انتقاده للذين يلبسون في أيديهم ساعات ذهبية، ومجادل الحرير، فيم كان السلطان الجالس أمامه يلبس ساعة ذهبية، ويضع علبة نشوى ذهبية، ويلبس مجادل الحرير، ويضيف العالم بأنه يجب إغلاق محلات البغي والخمر، مضيفا بأنه إذا مررنا أمام الزوايا الطائفية، بحثنا في بدعها ومناكرها، وكان المعروف عن السلطان مولاي حفيظ أنه كان ينتمي للطائفة الدرقاوية(…) بينما كان أقوى رجل في البلد بعده الكلاوي ينتمي للطائفة التيجانية، وباقي الطوائف الشعبية تنتمي إلى الطائفة الوزانية.

إلا أن الانتقاد الشخصي لتصرفات السلطان بقي في محافظته على الساعة الذهبية المعلقة في صدره، والتي كان يشير إليه الفقيه(…) كل مرة في حديثه، وفي إحدى المرات عندما وصل العالم الكتاني إلى هذا الموضوع، وقف السلطان، وانسحب، قبل أن تصدر الأوامر باعتقال هذا القطب الإسلامي، الذي تم إعدامه(…) ليطلق عليه منذ ذلك التاريخ اسم الشهيد محمد الكتاني.

ولكن الجريدة التي كانت تصدرها حركة الكتاني، بقيت تصدر باسم “لسان المغرب”، وكان يصدرها صحفيان سوريان، لأن الصحافة في ذلك الزمان كانت غريبة عن المغاربة(…) فكان هذان الصحفيان فرج الله نمور، وشقيقه أرتور، يصدران أول جريدة معارضة في المغرب باللغة العربية، كانت تضايق السلطان طبعا، مثلما تضايق الأجهزة الفرنسية التي كانت تحضر لإمضاء عهد الحماية.

وطبعا، أعلن السلطان قراره في موضوع هذه الجريدة، ليصدر في الجريدة الرسمية الناطقة باسم المخزن(…) وكانت تسمى “السعادة”، خبرا نشرته في العدد الصادر يوم 25 جوان 1909 هذا نصه: ((انتهت قضية “لسان المغرب” بأمر مولوي(…) يقضي بشراء المطبعة من صاحبي الجريدة، وتعطيل اللسان(…) تعطيلا نهائيا.. وقد ودعنا مشيعين على طريق السلامة، صاحبي جريدة لسان المغرب بعد أن حاز المخزن(…) مطبعة الجريدة وشرائها بمبلغ خمسة عشر ألف فرنك، وأمر بتوجيهها إلى مراكش الحمراء)).

ومنذ ذلك التاريخ، دخل اسم الكتاني في عالم الظلمات وحتى الحركة الوطنية وأقطابها، اتخذوا من عدو السلطان عدوا لهم(…) رغم أن أقطاب الطريقة الكتانية، من علماء وباحثين، هم أكبر من أن يندثروا، حسب ما كان يتوق إليه الخائفون منهم، وقد واتت الفرصة أقطاب الحركة الوطنية، ليصبوا نار غضبهم على قطب كتاني آخر، يسمى عبد الحي الكتاني، الذي شجع الفرنسيين، انتقاما، على نفي الملك محمد الخامس، إلا أن السنوات الطوال التي أعقبت أيام الشهيد الكتاني، مهدت لظهور أقطاب كتانيين في مجال الفقه والعلم والمال والأعمال.

ولقد صدر أخيرا، وبالتحديد في هذه السنة 2019، عن دار الحديث الكتانية(…) وهي دار نشر لبنانية في بيروت، كتاب جديد بعنوان “سيرة العلامة محمد الناصر الكتاني”، أصدره ولده الدكتور أسامة الناصر الكتاني بمقدمة كتبها الدكتور أحمد شوقي بينبين، مدير الخزانة الملكية الحالي، وأهمية هذا الكتاب تكمن في سرده لما يمكن وصفه بتاريخ الحركة الوطنية المرتبطة بهذا القطب محمد الناصر الكتاني، الذي واكب أحداثا، ربما نادرة لم تنشر من قبل، خصوصا وأن المؤلف الكتاني هذا، ولد بالمدينة المنورة، وتربى ما بين السعودية وسوريا ومصر، حيث ارتبط بالقطب الريفي عبد الكريم الخطابي، وبجانبه واكب الحركة الوطنية بعد أن اعتمدته لجنة تحرير المغرب، التي كان يرأسها عبد الكريم الخطابي، ضابط اتصال لدى الأمانة العام للجامعة العربية، وقد كلفه المجاهد عبد الكريم الخطابي في سنة 1956 بتبليغ رسالة إلى الملك محمد الخامس، كانت أول رسالة من نوعها، نشرها ولده الناصر الكتاني في كتابه الجديد مصورة(…) وفيها يقول الزعيم الريفي لمحمد الخامس: ((طلبت إلى حاملها أحد إخواننا المخلصين لجلالتكم أن يستعد للسفر إلى الرباط ليحدثكم باسمي، بتفصيل ما أحمله كتابي ودعائي أن يحفظكم الله ويرعاكم، راجيا أن تعتبرونني في خدمة الوطن وتحت تصرف جلالتكم)).

ورغم أن هذه الرسالة المصورة في الكتاب، لم تصل للملك محمد الخامس، فلأنه تم اعتقال حاملها الناصر الكتاني في تطوان يوم 26 غشت 1956، لتنشر جريدة “السعادة” الحكومية، في عدد 14 شتنبر 1956 خبرا بعنوان: ((الإفراج عن الأستاذ الكتاني بعد أن ثبتت براءته)).

ومن الطلبة الذين تلقوا دروسا على يد الناصر الكتاني في تطوان، كاتب المقدمة لكتاب ولده هذا، الدكتور أحمد شوقي بينبين، والقطب المقبل للعدل والإحسان، عبد السلام يس، والدكتور يوسف الكتاني، ووزير الإعلام المغربي السابق العربي الخطابي.

ومن بين الخبايا التي تكشفها حياة القطب الناصر الكتاني ما كتبه عنه إدريس الكتاني من أقطاب حزب الشورى، أنه في شهر فبراير 1947، كلف الملك محمد الخامس، الفقيه محمد بلعربي العلوي، بإصلاح ذات البين بين حزب الاستقلال وحزب الشورى، وكادت هذه الوساطة أن تنتهي بمحاولة حل الحزبين وتأسيس حزب واحد باسم جديد، كما تكشف المذكرات كيف اتصل أقطاب حزب الشورى بلحسن الوزاني، وكان العالم الناصر الكتاني قد انضم لهذا الحزب، بالملك محمد الخامس، الذي قال لهم ((بأنه اطلع على الدستور المصري، ووجد فيه ضمانات كافية، وعليهم أن يحضروا لمنح المغرب دستورا كدستور مصر)).

ومن أهمية هذا الكتاب، ما رواه الكاتب عن مناقشاته مع القطب عبد الكريم الخطابي، الذي قال له متألما: ((إن جريدة “لوموند” الفرنسية تناولتني بالطعن السوقي، والسب، فقالت عني أني راعي غنم ولا قيمة لي..)) وكان الخطابي قد عايش ثورة الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، الذي ألغى الإسلام بعد أن استولى على الدولة العثمانية، فقال رأيه عنه، وهو مخالف لرأي المثقفين العرب: ((لولا مصطفى كمال لانهارت تركيا، ولأصبحت مستعمرة، فعلا لقد قرأت في المنفى أن مصطفى كمال افتتح مرقصا ورقص فيه بنفسه، لكنه استهان بالموت في سبيل تركيا)).

ومن الأسرار التي كشف عنها هذا الكتاب، في حياة عبد الكريم الخطابي، أنه كان يقرأ مرة مجلة “آخر ساعة” المصرية (عدد 21 فبراير 1947) وقد نشرت عن اضطراب الأمير الخطابي أمام ضيق حالته المادية، حين اضطر إلى بيع سيارته، وأنه لا يعيش إلا بخمسين جنيها في الشهر.

أما الزعيم علال الفاسي، الذي كان يعيش في مصر، فقد كشف عنه الناصر الكتاني، وكان كاتبا في جامعة الدول العربية، أن الزعيم الاستقلالي اقترح على الجامعة العربية عندما نفى الفرنسيون محمد الخامس أن ينصبوا أمير الشمال مولاي الحسن بن المهدي سلطانا بالنيابة، وذلك ما تكرسه رسالة صادرة عن الجامعة العربية في شكل قرارات الجامعة لسنة 1945، وتقضي بحمل الحكومة الإسبانية على الاعتراف بمولاي الحسن بن المهدي وصيا على المغرب، وإقامة حكومة وطنية في تطوان.. وهي رسالة منشورة في هذا الكتاب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box