الحقيقة الضائعة | شباط في تركيا.. لاجئا أو مهاجرا؟

بقلم: مصطفى العلوي

عندما أعلنت جريدة “الباييس” الإسبانية، نقلا عن الموقع الإخباري “فرونيكس” أن الإحصائيات الرسمية عن المهاجرين المغاربة لإسبانيا بلغت سنة 2018 المنصرمة 64 ألف مغربي، فيهم ثلاثة آلاف من الأطفال القاصرين، تسربت للمغرب أخبار تفيد بأن الزعيم الاستقلالي(…) السابق شباط، وكان رئيسا لحزب الاستقلال، قد وصل هو وأفراد عائلته ليستقر في ألمانيا للإقامة بها، وربما لبناء فندق فخم بثلاثين مليارا، لتصدر صحفية عن موقع “هسبريس” بأن شباط أبلغها أن المغاربة الذين باستطاعتهم شراء فندق بثلاثين مليارا، عددهم فقط(…) مائة مغربي، حيث لا ندري هل هو من بين المائة، لتصدر أخبار أخرى، لم يكذبها، بأنه سيستقر في تركيا، ويقول الموقع الإلكتروني “زنقة 20” بأنه سيحصل رفقة عائلته على الجنسية التركية، علما بأن تركيا تعطي الجنسية التركية لكل من يستثمر أموالا أجنبية في تركيا.

ولا يمكن لشباط أن يكذب ما صدر عنه قبل الهجرة من مبررات هذه المغامرة، مغامرة هروبه من المغرب الذي قال عنه ((إن الوضع في المغرب سيء، محتجا على ما حدث للصحفيين، وما حدث لنشطاء الريف وجرادة وتنغير، بعد أن زادت الأمور سوءا)).

وطبعا، تكون هذه الانتقادات، إذا زاد عليها قليلا من التوضيح، ممهدة للحصول على اللجوء السياسي، ونحن رأينا كيف حصل المئات من المغاربة على هذا الشرف الأروبي(…) خصوصا، وأن شباط كان رئيسا للحزب البورجوازي الكبير، حزب الاستقلال، بعد أن كان رئيسا لنقابة الاتحاد العام، الذي بدأ ينافس الاتحاد المغربي للشغل، وأنه بحكم تجربته الثورية(…) السابقة، سجل انتصارات متوالية في كل صراعاته داخل حزب الاستقلال، على أقطاب الحزب المتأصلين، وخاصة على ولد الزعيم علال الفاسي، عبد الواحد الفاسي، في رئاسة الحزب.

بل إن شباط أحرق المراحل الزعامية الكبرى، قبل أن يصبح رئيسا لبلدية فاس، رغم أنه ليس بفاسي.

منذ اتهامه بأنه ساهم في إحراق فاس(…) خلال أحداث 1990، ليصرح في إحدى غضباته: ((ايه أنا الذي أحرقت فاس)) حتى كتب عنه الصحفي سليمان الريسوني في جريدة “المساء”: ((أن شباط مشهور بالسفاسف والمضحكات))، رغم أن الاتحاديين الذين لهم حسابات مع حزب الاستقلال سكتوا(…) عندما وصف شباط الزعيم الاتحادي الكبير المهدي بنبركة بأنه قاتل.

وبعد أن وعد الفاسيين بإقامة برج مشابه لبرج “تور إيفيل” في باريس، وقال لهم بأنه ستسمى “لا تور الفاسية”، وأنه سيبني الأبواب السبعة في فاس والخصة الفاسية الكبرى، مبتعدا عن البؤس المادي الذي عاشره طويلا عندما كتبت مواقع إعلامية أنه كان في بداياته يصلح الدراجات في أحد الأحياء بفاس، ليصبح متعودا على رفع رأسه كرئيس لبلدية فاس، التي صرف عليها، حسب تصريحاته، خمسة ملايير على الانتخابات البرلمانية في فاس.

ليتجرأ شباط، هذا، على الكشف عن ميولاته التجارية(…) حينما ناشد مزارعي الحشيش في الريف، بالانضمام إلى نقابته وصرح لهم بقوله ((سندافع عنكم لتحقيق نهضة في زراعة الكيف، وسندافع عنكم، فحتى القهوة كانت ممنوعة زمان، وقد رخص لها، وها نحن نشربها صباحا ومساء)).

وقد تسرب الخوف إلى أقطاب استقلاليين في فاس، وما أدراك ما الفاسيين، الذين أعلنوا حربا على قطبهم الذي انتخبوه، شباط، ليصرح واحد منهم، اللبار، بأنه يجب القبض على شباط، وتكبيله والطواف به، ورجمه مثل ما حدث لبوحمارة.

بينما قدماء الفاسيين، يعرفون بوحمارة وتاريخه، وإن كانوا لا يجهلون أن شباط كان أذكى منهم جميعا، ومن بوحمارة رغم تكوينهم لجماعة “لا هوادة” مع شباط، وهي الجماعة التي تظاهرت مرة في مظاهرة الحمير، تكريسا للفرق بين الحمير وسكان فاس، الذين ركبهم شباط، لدرجة أن واحدا من أقطاب فاس الحقيقيين، عادل الدويري في اجتماع عابر مع مجموعة من الفاسيين، قال لواحد منهم، سعيد التدلاوي: ((إن عائلتي من أشرف العائلات، وبالاعتراف العام، فهي عائلة محترمة وجدي هو الحاج أحمد بلافريج، وكان وزيرا أولا، ووالدي الدويري كان وزيرا، وأخلاق الدويري تبقى متميزة بالاستقامة))، ولكن شباط غلب الدويري وأمثاله.

وكان “الناس اللي على بالكم” يتتبعون مسيرة شباط وهيمنته الحقيقية على الرأي العالم، فرأوا فيه الحل الأنسب، للتخلص من قوة الحزب الذي كان يطمح لأن يرقى لدرجة الحزب الأوحد، وربما كان شباط يعرف أكثر مما يعرفه الرأي العام(…) فحصل منه مرة وهو يرأس المجلس البلدي في فاس أن كشف عن بعض أسراره، التي سيتعدى بها بلدية فاس إلى ما هو أعظم، فانطلق شتما أمام أعضاء مجلس فاس، في الفاسيين، والعائلات الفاسية، ولمح إلى مستقبله في الرباط، وقال ((إن الاستقلاليين سيقتحمون باب الحد(…) في الرباط، كما اقتحم الثوار الليبيون باب العزيزية)).

بل إن أنصار شباط في تطوان، التقطوا التلميحات الثورية لشباط ((فدخلوا مقر بلدية تطوان وأزالوا صورة الملك ونصبوا محلها صورة شباط)) (الأسبوع. عدد 3 أكتوبر 2013).

كما أن عامل أحد الأقاليم مشى بجانب شباط في إحدى المناسبات، جنبا إلى جنب يستعرضون فرقة من الحرس البلدي، فتم توقيف العامل وتم استدعاء شباط للرباط.

وتعرفون أن الملكية في أية دولة كانت، لا تقبل بوجود حزب قوي ينافس الملكية، ليخططوا سرا، وربما علنا، للتمهيد مرة واحدة في تغيير رئاسة حزب الاستقلال، وتغيير رئاسة الاتحاد الاشتراكي(…)، ويصبح شباط فعلا: رئيسا لحزب الاستقلال، بدل الفاسي، عباس الفاسي.

ويصدم أقطاب الحزب بهذه القفزة المفاجئة لشباط، يصدم الدويري، أنسب استقلالي لرئاسة حزب الاستقلال، ويصدم عبد الواحد الفاسي، ويصدم نزار بركة، ويكتب المفكر الاستقلالي خالد الجامعي، بأن ((شباط شعبوي وعنصري وسوف يشتت حزب الاستقلال))، ويكتب الشاهد الاستقلالي امحمد الخليفة ((أن شباط لا يصلح لقيادة حزب الاستقلال)).

ولكن شباط أصبح – بقدرة قادر – هو رئيس حزب الاستقلال.

وحيث أن البروتوكول الملكي يمهد الاستقبال الملكي لكل رئيس حزب، بأن يتم استقباله رسميا من طرف ملك البلاد، فإن الاستقبال الملكي كان مستعجلا، ليصدر بلاغ التشريفات الملكية عن استقبال شباط في القصر الملكي بوجدة، في نهاية شهر جوان 2013، ليعتبرها شباط فرصة العمر، وقد أتيحت، وليضرب أخماسا في أسداس، وينقض على الفرصة الذهبية، ليكون أول سياسي في المغرب، يجرؤ على إعلان الحرب، على رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران، ليشرع في وجه زعيم العدالة والتنمية بتلك الوسائل التي جعلت شباط أول سياسي مغربي يقول عن بن كيران أنه الذي تصور أنه يحضر نفسه ليلعب دور الهيمنة على الحكم، على طريقة الجنرال المصري، السيسي، فيصرح: ((إن عبد الإله بن كيران سيلقى مصير الرئيس المصري المطاح به: مرسي)).

وهنا يظهر أن شباط أصبح فعلا يحضر نفسه لممارسة اللعبة الكبرى(…) خصوصا بعد أن تهافت عليه الصحفيون العالميون على عادتهم، حميد برادة من مجلة “جون أفريك”، قال له شباط، ما نسمعه هذه الأيام من طرف بعض السياسيين المغاربة ((إننا نستعد لكسب الانتخابات القادمة في 2016 وأذكركم بأن الملك هو الذي يعين رئيس الحكومة)) (جون أفريك. 27 أكتوبر 2012).

وكانت النعرة الثورية(…) قد ظهرت على شباط فلم يستطع كبتها، ليفاجأ كتاب الديوان الملكي بتصريح أدلى به شباط لقناة “ميدي آن تيفي”: ((إن حزب الاستقلال مستقل عن المؤسسة الملكية وأن الملك لا يقرر مكاننا)).

ثم فوجئ الملك وهو في الخارج بقرار شباط، سحب الوزراء الاستقلاليين من حكومة بن كيران، هذه الحكومة التي كان الوفا فيها وزيرا قدم ميزانية البلاط الملكي التي زاد فيها أربعين في المائة على السنة الفارطة، فامتنع الوزراء الاستقلاليون عن التصويت عليها.

لنفهم أن الناس الذين كانوا على بالكم فهموا، وقالوا في ضمائرهم بأن بن كيران أكثر اتزانا من شباط الذي نقلت عنه إحدى المصادر الإعلامية أن هناك تسجيلا تلفونيا نقل صوت شباط وهو يقول لزوجته سأخلف بن كيران، وسأحل حزب الأصالة، أنا شباط، إذن أنا فبراير.

وها هو فعلا في فبراير يعلن لجوءه إلى تركيا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!