التــوت المــــر..

جميلة حلبي. الأسبوع

 تحول الطعم الحلو للتوت إلى علقم، بعد الفاجعة التي أودت بحياة عدد من عاملات التوت بالغرب، نتيجة حادثة سير على الطريق الرابطة بين بوسلهام والعرائش، مؤخرا، والتي اعتبرت كارثة بكل المقاييس، لتنضاف إلى حوادث أخرى راحت ضحيتها عاملات في الحقول الزراعية، نذكر منها حادثة إقليم الجديدة خلال صيف السنة الماضية حين انقلبت سيارة “بيكوب”، وحادثة اشتوكة أيت باها السنة الماضية أيضا، وغيرها من الحوادث التي تزيد من تفاقم الظروف المزرية التي تعيشها عاملات الفلاحة في مختلف بقاع وطننا العزيز، الذي يتم فيه نقل العاملات، بحثا عن لقمة العيش، في وسائل نقل لا تصلح إلا للبهائم، حيث يتم تكديسهن بطريقة بعيدة كل البعد عن مبادئ الإنسانية، وبالمقابل، تقبل هؤلاء النساء تلك الظروف على مضض، في ظل غياب البديل، واستغلال المشغلين لظروفهن الاجتماعية، لكن أين قانون الشغل من هاته الأحداث المؤلمة؟ فعندما يطرح سؤال قانون الشغل، تجد أمامك ترسانة من القوانين والحقوق، وبنود التشغيل، لكن على أرض الواقع، لا شيء من ذلك يتحقق، اللهم بعض الحالات الاستثنائية.

الموضوع برمته، يطرح علامة استفهام كبيرة حول المستوى الاجتماعي لنسب كبيرة من الأسر المغربية التي ترزح تحت عتبة الفقر، الذي صدرت بشأنه بيانات رسمية خلال السنة الماضية، تؤكد أن عدد الفقراء في المغرب يبلغ 2.8 مليون، منهم 2.4 مليون في البوادي و400 ألف في المدن، أي ما يعادل 4 ملايين نسمة، حسب تقرير للمندوبية السامية للتخطيط، والذي جاء فيه أن “معدل الفقر يصل إلى 8.2 بالمائة على المستوى الوطني، ويصل عدد المواطنين الذين يعانون من وطأته، 2.8 مليون نسمة”، أي 17.7 بالمائة في البوادي، في حين يبلغ في المدن 2.0 في المائة، حيث قال أحمد الحليمي، المندوب السامي للتخطيط في إحدى التصريحات، أن “الفقر في المغرب يبقى ظاهرة قروية بامتياز”، وتبقى هذه الأرقام نسبية إلى حد ما، وصغيرة أمام مظاهر البؤس والفقر المتفشية في مختلف مناطق المملكة، ليكون الفقر، والتطلع إلى تحسين مستوى المعيشة، الدافع الأساسي وراء قبول عاملات مغربيات العمل في حقول التوت الإسبانية خلال السنة المنصرمة، ليتجرعن ما تجرعنه هناك، واشتغالهن في ظروف أشبه بالعبودية بالنظر إلى ما عانينه من استغلال وتحرش، حيث تضاربت الأخبار والحقائق، وكثر القيل والقال عن استغلال العديد منهن جنسيا، وهي القضية التي وصل صداها مختلف بقاع العالم، وكادت أن تتطور إلى أزمة دبلوماسية بين المملكتين الإسبانية والمغربية، لولا بعض الاجتماعات الوزارية وتدخل الجمعيات الحقوقية، كما تدخل القضاء بناء على شكايات بعضهن، فتم احتواء الأزمة، باتخاذ السلطات الإسبانية لبعض الإجراءات التي تم بموجبها تنظيم العمل بحقول التوت خلال السنة الجارية، منها “الحصول على الإقامة في إسبانيا لمن اشتغلت مدة 4 سنوات في هذا المجال”، و”القيام بحملات تحسيسية للعاملات للاطلاع على حقوقهن”، المتمثلة حسب ما تم الاتفاق بشأنه، في السكن مع التأكيد على مجانيته باستثناء مصاريف الغاز والكهرباء والماء المؤدى عنها في حدود 1.9 يورو في اليوم كحد أقصى، وغير ذلك، من أجل ضمان حد أدنى لكرامة العاملات في الحقول الفلاحية، فلماذا لا يحتدي أصحاب الضيعات في المغرب مثل الإسبانيين ويتم وضع بنود وشروط من أجل الاشتغال في ظروف لا نقول أنها مريحة وتفي بالغرض، وإنما تضمن نوعا من الرضى بالنسبة للراغبات في العمل في الفلاحة رغم صعوبة طبيعة العمل، من جهة، ومن جهة أخرى، بضمان سكن ولو موسمي للعاملات، يتم تفادي تكرار حوادث السير التي أصبحت ماركة مسجلة بالنسبة للعاملات في حقول التوت على غرار باقي الحقول الزراعية؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!