الحقيقة الضائعة | عندما طال التحالف بين السلطان والإسلاميين 30 عاما.. وكان الأتراك يحكمون مدينة فجيج

سعادة العامل يتهم الفاتحين الإسلاميين بالقتلة والسفاكين

بقلم: مصطفى العلوي

مهما توسعت ذاكرة الأستاذ عبد الإله بن كيران، في ابتداع غرامياته الكلامية في حق الملكية المغربية، وتزيين آفاق العلاقات المستقبلية لهذا النظام(…) فإن السي بن كيران لم يصف ملك المغرب بما سبقه المتعممون العثمانيون، ولا يتعلق الأمر بمنافس بن كيران، الوزير العثماني، وإنما بالعثمانيين الحقيقيين(…) الذين بقوا في الأيام الأخيرة للدولة العثمانية، أيام السلطان عبد الحميد، وقد نصب سنة 1880، والذي بعد أن بدأ يتعرض للهجمات من حزب الاتحاديين(…) وكان يسمى حزب الاتحاد والترقي، أرخى بظلال عرشه ورضاه على حزب الإسلاميين، وكان يسمى حزب “تركيا الفتاة”، الذين قال عنهم السلطان عبد الحميد بأنهم فتحوا عينيه، كما ظهر، عندما أسند الملك محمد السادس الحكومة إلى حزب العدالة والتنمية، لكن الإسلاميين عندما تحالفوا مع السلطان عبد الحميد، صرح قائلا: ((عندما اعتليت كرسي الحكم وجدت نفسي محاطا بأناس يريدون تقييدي بشباك من المؤامرات والدسائس، ولكي أحافظ على حياتي وعرشي، قررت أن أبرد مكرهم بمكر أدهى وأمر.. وإذا كان ابتعادي عن الناس صحيحا فذلك هو النتيجة الطبيعية لما تعرضت له في هذه الحياة، أما الذين يعرفونني عن قرب فإنهم يعرفون أنني رجل طيب رحيم القلب محتاج للحب والعطف)) (السلطان عبد الحميد. محمد قربان).

ليهيمن الإسلاميون باسم حزب تركيا الفتاة، على هذا السلطان الطيب الذي تفاهم مع الإسلاميين حوالي ثلاثين عاما، ليكتب المؤرخ العربي الكبير، عبد الرحمان الكواكبي، إنهم أصبحوا يسمون هذا السلطان بـ ((المولى المقدس، ذي القدرة، صاحب العظمة والجلال المنزه عن النظير والمثال، واهب الحياة، ظل الله وخليفة رسول الله، مهبط الإلهامات ومصدر الكرامات، سلطان السلاطين، مالك رقاب العالمين، ولي نعمة الثقلين، وملجأ أهل الخافقين)).

بينما زعيم إسلاميي المغرب في عصرنا الحاضر، عصر الصراع والاختزالات(…) فعندما اجتمع السي بن كيران في مراكش أيام مارس الأخير، وسألوه عن رأيه في الملكية فإنه قال: ((كنا في وقت مضى نعتقد أن الثورات هي الحل لتغيير الأوضاع السياسية، بما فيها الملكية(…) ولكن الزمان والتجاريب، والسجن أيضا(…) غيرا من قناعتنا.. وأصبحنا اليوم نخشى على النظام الملكي أكثر من نفسه)).

تلميح السي بن كيران للسجن، وأظن أنه لم يدخل السجن أبدا(…) وقد طال انتظارنا لأن يوضح لنا يوما في عرض أحاديثه حقيقة ما سبق أن نشر عن إطلاق النار عليه مرة وهو في فرنسا، وربما كان ذلك محاولة من الأجهزة المعلومة، وليسمح لنا بأن نذكر جزئيات هذه المحاولة التي جاءت بعد اغتيال الزعيم الاتحادي عمر بن جلون.

فقد حضر في إطار ديني صرف، وكان كما قال عنه الصحفي والدبلوماسي رداد العقباني: ((حينما كان بن كيران ناشطا إسلاميا ومرشدا دينيا مغمورا وكان رجلا أقرب إلى الدراويش من أي شيء آخر)) حينما كان خارجا من أحد مساجد مدينة سيباستيان الفرنسية، بعد أن ألقى حديثا دينيا في إحدى ليالي رمضان، الموافقة لسنة 1991، حينما تقدم منه شخص مجهول، وأطلق عليه رصاصتين، واحدة تعدت رأسه، والأخرى أصابت رفيقا له كان مغربيا من سكان المدينة، توفي بتلك الرصاصة في الحين، وكان مع بن كيران صديقه المقرئ أبو زيد، وهكذا أفلت بن كيران من موت محقق، لأن القدر احتفظ به لأن يصبح رئيسا لحكومة المغرب.

إذن ليس مفهوما، وبن كيران في عز معركته السياسية، يستنكر ما أسماه مؤخرا “التجاريب والسجن أيضا” ويسكت عن التذكير بالرصاصة التي لم تقتله.

ولا يهم هذا الأمر إلا من باب التذكير لنعود إلى صلب الموضوع، العلاقة بين السلطان العثماني، والملك المغربي، والحزب الإسلامي، لأن السجن الذي لمح إليه الفقيه بن كيران إنما عانى منه الاتحاديون، مثلما عانى اتحاديو “الاتحاد والترقي” الأتراك أيام السلطان عبد الحميد، الذي فوجئ يوما، وهو يقرأ إحدى الصحف، بفقرة تقول: ((إن السلطان وزبانيته(…) هم بصدد تقطيع أوصال هذا الشعب، وستموت تركيا وشعبها إذا لم يسارعوا إلى ضخ عروقه بدماء الأفكار الجديدة)).

وقد كتب هذا السلطان أنه بعد قراءة هذه الجملة، سألهم عن كاتبها، فقالوا له إن كاتبها ضابط شاب من رتبة قبطان، اسمه مصطفى كمال.

ويقول السلطان عبد الحميد في مذكراته: ((لقد أصدرت أوامري بأن هذا القبطان يحتاج إلى قضاء ليال مظلمة باردة(…) فحاصرت الشرطة بيته البئيس(…) المتواجد في زقاق ضيق، فكسروا باب بيته، ليجدوا مجموعة من الشباب اعتقلوهم جميعا ووضعوا جميعا في السجن الأحمر(…) حيث أقفل عليهم ليفكروا في قولهم عني، أنني بصدد تقطيع أوصال الشعب، قبل أن يستقبلهم إسماعيل حقي باشا الذي أخبرهم بأني عفوت عنهم، واحتفظوا مدة أطول بالكاتب مصطفى كمال، قبل أن يطلق سراحه، لأني متأكد أن الجيش كله مخلص لي)) (مذكرات آخر ملك. تأليف: ميشيل دوكريس).

أكيد أن السلطان عبد الحميد كما قال عن نفسه، طيب القلب، وإن كان الزمان ليس طيبا في جميع الحالات، فهذا القبطان الكاتب، مصطفى كمال، الذي عفا عنه السلطان، هو الذي نظم الانقلاب الكبير في تركيا، وأطاح بالدولة العثمانية، وشطب على حلفاء السلطان عبد الحميد، الإسلاميين، وشطب عليهم وعلى حزبهم من خريطة الدولة الإسلامية العثمانية التي كانت تحكم ثلث المشرق والمغرب.

حقيقة أن التشابه بين أيام العثمانيين الذين امتد حكمهم حتى إلى شمال إفريقيا، حتى بلغ المدينة المغربية فجيج، التي كان سكانها يدفعون الضرائب لحكام الجزائر العثمانيين، لدرجة أن السلطان المغربي، أرسل مرة من اغتال قابض الضرائب التركي، فأرسلت اسطمبول جيوشها لاسترجاع المدينة المغربية إلى حكمهم، ونشرت الحكومة العثمانية تعليمات لحاكم فجيج: ((فجيج كيف كانت قديما تدار، والآن يجب أن تدار على نفس المنوال ولا يحق لحاكم فاس التدخل فيها، وإذا حدث شيء يتعارض وشرف وناموس السلطنة العليا، فإنك تتحمل كامل المسؤولية)) (كتاب الأتراك العثمانيون. عزيز سامح).

والسلطان عبد الحميد هذا، هو الذي بعد الانقلاب عليه سنة 1909 رفع رسالة إلى شيخ الطريقة الشاذلية التي كان ينتمي إليها(…) كتب فيها: ((إن الاتحاديين(…) قد أصروا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة فلسطين، فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف وأنا الذي خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية لن أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين بوجه قطعي)) (نفس المصدر).

لتظهر من سطور هذا السلطان، أثار علاقاته بالقطب الإسلامي الذي عاشره، جمال الدين الأفغاني، في زمن كان فيه أيضا القطب محمد عبده.

وذلك الإصرار الإسرائيلي الذي شهدنا آثار تشتيته الحالي للأمة العربية والإسلامية، وتخريب هياكل الدول الإسلامية الحالية من الخليج إلى المحيط، عبر الحروب الملتهبة في كل الجهات العربية والإسلامية، كانت بدايته أيام السلطان عبد الحميد، الذي نفي إلى فرنسا، حيث كتب الجزئيات كلها في مذكراته التي أملاها على الكاتب “ميشيل دوكريس” وصدرت بعنوان: “آخر ملك”.

مثلما نحن شهود على تواجد حزب الاتحاديين في المغرب وحزب عبد الإله بن كيران، وتواجد حزب الإخوان المسلمين في مصر، نفس الظروف الحالية التي دفعت النظام المغربي إلى التعامل مع حكومة إسلامية بعد دستور 2011.

وعلى هامش التذكير بالمناورات الإسرائيلية الممتدة من زمان السلطان التركي عبد الحميد، واستمرارها إلى عصرنا الحالي، نذكر ويجب أن نتذكر(…) أن المناورات الإسرائيلية هي في وقتنا الحالي أدهى وأمر، خصوصا بعد أن بدأت بعض الأنظمة العربية، تطأطئ الرأس لإسرائيل، ولا يمكننا استثناء المغرب من تنفيذ المخطط الإسرائيلي(…) فقد أصدر أحد عمال المملكة يا حسرة.. المتبقين من أيام إدريس البصري، طأطأ رأسه سنوات طوال وهو يبايع ويقول الله يبارك فعمر سيدي، كتابا في الأيام الأخيرة، لم يسبق حتى الإسرائيليون لكتابة محتوياته، حينما وصف العامل المغربي بلهجة العميل الإسرائيلي(…) الفاتحين الإسلاميين للأندلس عقبة بن نافع وموسى بن نصير، بالقتلة والناهبين، كما اتهم الفاتح المولى إدريس وابنه مولاي إدريس والمرابطين والموحدين بالقتلة وناهبي الأموال، وأن الأمازيغ المغاربة، ارتدوا عن الإسلام اثني عشرة مرة(…) ملمحا إلى نفور الأمازيغيين من الإسلام(…) وكأن سعادة العامل، ينفذ أوامر لا علاقة لها بالمنطق ولا بالأخلاق، ولا بإمارة المؤمنين سليل هؤلاء الفاتحين الذين يشتمهم سعادة العامل، وكأنه يخفي أمجاد الإسلام في الأندلس وأوروبا، والفتح الإسلامي الذي دام ثمانية قرون، ليس فتحا إسلاميا ولكنه جريمة. لا ندري متى ينفرد سعادة العامل بحكم دوار من دواوير المغرب ليطرد منه المسلمين؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!