في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الكتاب الذي لم يقرأه بوتفليقة.. فسقط

كتاب جمع بين قمقم المهدي بنبركة والمخزن المغربي

بقلم: مصطفى العلوي

المراجعة السريعة لما جرى.. حتى نعرف ما سيجري(…)، تحتم علينا الاعتراف بأن النخبة السياسية الجزائرية، سبقت نظيرتها المغربية في مجال إصدار الكتب المرتبطة بالأمر الواقع..

فكل الجنرالات الجزائريين، وكل أقطاب الجهاد الجزائري من أجل الاستقلال، وكل المسؤولين في الحزب السياسي الأول، جبهة التحرير، ألفوا كتبا لتخليد ذكرياتهم، وإن كان واحد من قدماء الصحفيين الجزائريين، مصطفى هميسي، ألف كتابا صدر في 2011، كان عبارة عن إنذار للرئيس وقتها، عبد العزيز بوتفليقة، لم يقرأه هذا الرئيس الذي كان قويا.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. وها نحن نراه يخسر الدنيا، وربما الآخرة، إلا إذا كان الله العلي القدير قد عذبه في الدنيا قبل الآخرة، لكن المهم، أنها فرصة للتذكير بأن رؤساء الدول، الذين يستهينون، ولا يقرؤون ما يكتب عنهم، سريعا ما يلقون نفس المصير، الذي لقيه الرئيس بوتفليقة.. وبئس المصير.

وتكمن أهمية كتاب الصحفي هميسي، الضخم، والمحسوب في عداد الكتب الأكثر أهمية في هذه الظروف، في أنه تنبأ منذ ثماني سنوات، بسقوط بوتفليقة، ونهاية تجربة حكمه.

وفي سياق عرضه الموسع، وبكل أسف، ربط فشل نظام بوتفليقة، باعتماده على أسلوب المخزن المغربي القديم، حين كتب: ((أيام الأتراك، كان المخزن والقياد، والأمناء، ورجال الدين، هم الأداة الأساسية للوساطة بين الدولة والمجتمع، وأن الذي يرتب هذه الوساطة، هي السلطة)) (من برباروس إلى بوتفليقة. مصطفى هميسي).

رغم أن الكاتب استشهد بالقطب الإسلامي، ابن تيمية، حين صنف أولي الأمر بين ((الأمراء والعلماء، وهم الذين إن صلحوا، صلح الناس))، بعد أن ذكر أن ابن تيمية هذا، استشهد بدوره بالإمام أحمد، الذي قال: ((لما سئل عن رجلين يكونان أميرين في الغزو، أحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف. الفاجر القوي قوته للمسلمين، وفجوره على نفسه))، وحتى لا يتصور القارئ أن هذا الكتاب الذي لم يقرأه بوتفليقة(…) أطروحة إسلامية من خلال الاستشهاد بابن تيمية، فإنه استشهد بنخبة من الكتاب التقدميين(…) المغاربة، استشهد في عدة صفحات بأفكار القطب المهدي بنبركة، وبما كتبه عبد الله العروي، وعابد الجابري، وعبد الرحيم العطري، ومحمد أركون، وعبد الإه بلقزيز، وحتى عبد السلام يس، وعلال الفاسي، مستثنيا من ظاهرة الإبداع السياسي، الأحزاب السياسية الجزائرية، التي قال عنها: إنها أصبحت زوايا(…)، ولا ندري ماذا كان سيقول عن الأحزاب المغربية.

وإن كان جمع بين المغرب والجزائر، فيما وصفه المهدي بنبركة بسياسة القمقم، فكتب الصحفي الجزائري: ((إن القمقم الذي تحدث عنه الزعيم المهدي بنبركة، أن اتخاذ القرار، وممارسة السلطة بعيدا عن الناس، لا تظهر كوارثه(…) إلا عندما نرى حركة سياسية أخرى، تتمكن في ظرف زمني قصير، من مقارعة السلطة))، وها نحن نرى كيف أقدمت مظاهرات الشعب الجزائري على إسقاط نظام بوتفليقة، لمواجهة قمقم جبهة التحرير.

كما نبه الكاتب الجزائري إلى خطورة وضع الجيش الجزائري تجاه المغرب، ملمحا إلى قضية الصراع الذي نماه بوتفليقة بين جيشه والمغرب، فكتب: ((وهكذا أصبح للثورة جيشان، جيش على الحدود(…)، وجيش في الداخل، بينما حكم بومدين بالجيش وحكم الجيش بعد بومدين)).

وهنا تتضح أخطاء بوتفليقة، بشغل الجيش الجزائري ووضعه في مواجهة المغرب، لتكريس قضية الصحراء المخسورة مقدما، خصوصا وأن الكتاب، يتوسع في استفحال بوتفليقة في تقليده لنظام الحسن الثاني، لدرجة أن وزيره الطالب الإبراهيمي، كتب في مذكراته بأن بوتفليقة، كان يطلب منه أن يعامله كولي للعهد(…) (انظر الحقيقة الضائعة عدد 7 مارس 2019). الطالب الإبراهيمي، الذي ذكر بالحدود التي رسمها الرئيس بومدين، لمشكلته الصحراوية(…) مع المغرب، حين قال له عن تدهور العلاقات المغربية الجزائرية: ((لو نفذنا اتفاقية الحدود الجزائرية مع المغرب، الممضاة سنة 1972، فإن أي جندي جزائري لن يعبر خطوط الحدود المغربية الجزائرية)) (مذكرات الطالب الإبراهيمي. ج 2).

بينما الكاتب الجزائري، مصطفى هميسي، يفقد الأمل في التجربة العسكرية، كوسيلة لإصلاح الشعب الجزائري، لأن ((تعبيري الإصلاحات والديمقراطية، عرفا استخداما مفرطا، سياسيا وإعلاميا)) (من برباروس إلى بوتفليقة)، خصوصا وأن بوتفليقة، أصر على تقليد نظام الحسن الثاني، في إقامة كيانات تجارية، سماها الكاتب: ((البايليك الجديد الذي يدير الشأن العام، بما يمكن وصفه بأنه “مخزنية جديدة”(…)، المعتمدة في إدارة العلاقات التي تزخر بها صفحات الصحف، وهي توحي أن بعضا من مكونات هذه البيروقراطية، تقتطع ما تعتبرها حقها(…)، مما تأخذه من الناس من ضرائب أو غرامات أو حتى إتاوات، بل إنها تبيع خدماتها للناس، كما كانت أيام الإدارة الكولونيالية، فضلا عن استباحة المال العام، وإقطاعات تجارية ضخمة قائمة على استيراد المواد الاستهلاكية)) (نفس المصدر).

وعلى المستوى الاستخباري والبوليسي، لإخضاع رقاب الشعب، والتي كانت من أسباب انطلاق الحراك(…)، الذي أسقط نظام بوتفليقة، يفسر الكاتب هميسي، نفس الطريقة المعتادة: ((ونستنتجها من تحليل للجنرال المتقاعد، رشيد بن يلس، بأن الجهاز الأمني التابع لوزارة الداخلية، أي الشرطة ومكوناتها المختلفة، وهو مجال مستقل أو متنافس مع الجهاز الأمني للمخابرات، وهو جهاز في خدمة الرئيس بوتفليقة، يقوم بتزويده بالكثير من المعلومات، وحتى الإعداد للانتخابات وإدارتها)) (نفس المصدر).

وإذا كانت مظاهرات الحراك الجزائري، قد جعلت الجماهير تتفق على المطالبة بإسقاط دستور بوتفليقة، فلأنه في عز حكمه، حول الدستور إلى: ((نظام أوليغارشي يتسم بإضعاف الوظيفة الرئاسية لصالح العصبة(…)، وهذا ما يعني تدمير كل مركز قرار ذي استقلالية. فقد سبق أن بوتفليقة، اشترط أن يكون هو مركز القرار، عندما تحدث أن البلاد في حاجة إلى مأساة وطنية كعامل لتوحيد الجزائريين)) (نفس المصدر).

حتى أصبحت رئاسة الجمهورية – كما قال الكتاب – بصلاحيات دستورية واسعة لجأت إلى تشبيه الرئيس بالدّاي المستبد، لأنه يملك الكثير من الصلاحيات، والكثير من السلطة.

ويعتبر هذا الكتاب، الذي سطر هذه الأخطاء في سبعمائة صفحة، ومنذ ثمان سنوات، هو الصيغة الجديدة لدستور الجمهورية الثانية، التي ستمحي أثار جمهورية بوتفليقة، لتفهم الأسباب الكامنة وراء هذه الثورة الفريدة من نوعها في تاريخ الثورات، الثورة التي جعلت جماهير الشعب، تتنامى يوما بعد يوم، ولقد رأينا بين سطور هذا العرض، ازدواجية فيما يهمنا نحن المغاربة، أولا في الخطورة الكامنة وراء البلية المغربية، المطبوعة بالتقليد(…) المغربي لكل ما يجري عند جيرانه، وثانيا، في الأمل المغربي، في أن يتغلب الشعب الجزائري على بلوى الفوضى الجماعية(…)، ويستفيد من كتاب هذا الصحفي المتنور، وقد تبين من بياناته، أن الغلطة الكبرى في تاريخ بوتفليقة، كانت في تحويل الجيش الجزائري إلى جيشين، واحد منهما منتصب على الحدود المغربية، من أجل قضية الصحراء، التي أعلن الرئيس السابق بومدين عن تنازله عنها قبل وفاته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!