الجزائر والخوف من المستقبل

بقلم: عبد الله حافيظي السباعي

نتابع ما يقع في القطر الجزائري الشقيق وأيدينا على قلوبنا.. فهذه الأمواج من البشر التي خرجت عن بكرة أبيها في جميع أنحاء البلد تندد بالفترة الخامسة التي يريد جنرالات الجيش منحها إلى رجل مريض مرضا مزمنا، كل ذلك يجعلنا نشفق على هذا الشعب الأبي المقدام الذي عانى في الماضي ويعاني في الحاضر، ونخاف أن يعاني في المستقبل، شعب عرف في جميع أقطار المعمور بشعب المليون شهيد.. شعب خاض أكبر وأطول حرب تحرير عرفتها البشرية، مائة وثلاثون سنة كانت فيها فرنسا تعد الجزائر جزءا لا يتجزأ منها، إلا أن شهامة أبناء الجزائر الأشاوس، معززين بإخوانهم المغاربة، لأن وجدة ونواحيها كانت هي القاعدة التي ينطلق منها الثوار لدحر جنود المحتلين الفرنسيين، كل ذلك عجل بخروج المستعمر الفرنسي مذلولا مدحورا مرغما لا بطلا، وعندما استقلت الجزائر، دخلت في دوامة من الأزمات، فمن تصفية حسابات بين أبناء الثورة التي تأكل نفسها، إلى حرب رمال بين الإخوة الأشقاء، إلى انقلاب على الزعيم أحمد  بن بلة، إلى فترة بومدين الذي بدد خيرا البلد في ثورة صناعية فاشلة ودخل حرب الصحراء ضد إرادة المغرب نكاية فيه وحسدا ووقوفا في وجهه ضدا على استكمال وحدته الترابية، ورغم موت بومدين وتولي الجنرالات دفة الحكم، من زروال إلى بن جديد مرورا ببوضياف، الذي كان سيصفي قضية الصحراء لصالح المغرب لولا القدر المحتوم بتصفية الجنرالات له، وخلال عشرية التسعينات من القرن الماضي، دخلت الجزائر في حرب أهلية أتت على الأخضر واليابس وذهب ضحيتها أزيد من مائة ألف قتيل محسوب عند الله لأنه قتال بين الإخوة، ولو لم يصادر الجنرالات نجاح الإسلاميين في الجزائر وتركوهم يكونون الحكومة كما نصحهم المغفور له الملك الحسن الثاني، ما شهدت الجزائر العشرية السوداء، ولوقع للإسلاميين في الجزائر ما يقع لهم الآن في المغرب بعد أن جربهم الشعب وسينفظهم في الاستحقاقات القادمة.

رغم الاستقرار النسبي الذي عرفته فترة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فإن علاقة الجنرالات بالمغرب، اتسمت بالحيطة والحذر المشوبان بالحقد والحسد من طرف واحد.. وإغلاق الحدود البرية بدون سبب يستدعي ذلك.. قطع الأرحام،  وصراع دبلوماسي مرير ضد وحدة المغرب على الساحة الدولية وفي المحافل الأممية.. الرئيس بوتفليقة ابن وجدة العاق، كان رهينة الجنرالات ولم يحاول إصلاح ذات البين بين البلدين الشقيقين، واتسمت فترة حكمه بالضرب تحت الحزام والبغض والحسد في مشهد سريالي صوره عميد الصحفيين المغاربة، مولاي مصطفى العلوي، في حقيقته الضائعة في العدد الأخير من “الأسبوع”.

ورغم المرض المزمن للرئيس بوتفليقة، فقد تشبث الجنرالات به تشبث الأبناء بأمهم المريضة.. عشرون سنة نصفها قضاه بوتفليقة وهو مريض مرضا مزمنا، مرض الموت كما يسميه الأطباء.. رئيس على كرسي متحرك لا يتكلم والله أعلم هل يسمع، ومع ذلك، يصر الجنرالات على تقديمه كرئيس لأكبر وأغنى دولة في شمال إفريقيا وفي العالمين العربي والإسلامي، كما يصر الجنرالات على تقديم الجزائر أضحوكة للعالم، فبدل ترك الرئيس المريض يرتاح، يصرون على تقديم ترشيحه للفترة الخامسة، وهل هناك مرشح في العالم لا يقوى على تقديم ترشيحه، ومع ذلك يصر الجنرالات على ترشيحه؟ إنها النقطة التي أفاضت الكأس والقشة التي قصمت ظهر البعير ليخرج الشعب الجزائري عن بكرة أبيه ضد التحدي السافر لمشاعر شعب بأكمله، في انتفاضة فريدة من نوعها أبهرت العالم بأكمله.. شعب يطالب بانتخابات رئاسية نزيهة وبديمقراطية حقيقية.. انتفاضة على طول البلد طيلة الأسبوع لتبلغ ذروتها كل جمعة.. انتفاضة أرغمت الرئيس المريض على إعلان عدم ترشحه للرئاسة وإعطاء وعود بإصلاح دستوري شامل، الشيء الذي لم يقبله الشارع المصر على تنحية الرئيس وتنظيم انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن.. شعب لم يعد يرضى بأنصاف الحلول.. شعب سئم الوجوه القديمة وحكم الجنرالات.. شعب يتوق إلى الحرية الحقيقية غير المزيفة.. شعب يرى خيرات بلده تنهب وتسرق أمام أعينه وهو كالشمعة تضيء لغيرها وتحرق نفسها.. شعب عانى وضحى أيام حرب التحرير.. وعانى بداية الاستقلال من تنافس الجنرالات.. كما عانى خلال العشرية المظلمة من قتال بين الإخوة.. وعانى خلال فترة حكم بوتفليقة الذي استغل الجنرالات فترة صحته ومرضه  وكانوا يطمحون إلى إطالة فترة المرض، لكن الشعب كان لهم بالمرصاد .. الانتفاضة الأخيرة الحالية للشعب الجزائري اتسمت إلى حد الساعة بالتعقل والرزانة، مما جعل العالم بأسره يتتبعها بكل إعجاب واهتمام وترقب مشوب بالحذر، الجميع يخاف، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا ونحن نتابع هذه الانتفاضة المباركة، لأننا نخاف أن تزيغ عن هدفها النبيل ويندس المغرضون بها لتزيح عن هدفها المنشود، إن لسان حال بعض المغرضين يقول نحن ومن بعدنا الطوفان.

لقد حان الوقت لأن يتسلم الشعب الجزائري مقاليد أموره بيده بعدما عانى ما عاناه من تضحيات حرب التحرير، كما عانى ويلات العشرية المظلمة ولازال يعاني من استبداد حكم الجنرالات، وقد حان الوقت ليسلم الشعب الجزائري زمام أموره بيد أبنائه الأشاوس في ديمقراطية حقيقية تنصف الجميع.

لقد ساهم المغرب بماله ودم وتضحيات أبنائه في استقلال الجزائر، إلا أن قادة الجزائر جازوه جزاء سنمار، وقابلوه بالبغض والصدود ونكران الجميل، ورغم ذلك، تحمل المغرب كل ذلك في جلد وترك الانتقام لله وهو خير المنتقمين.

أزيح بن بلة من رئاسة الدولة من طرف أقرب الناس إليه شر إزاحة، ليبقى في السجن أزهى أيام عمره ولا يفرج عنه إلا في أرذل عمره، ويموت بومدين بمرض حار أطباء العالم في كنهه وعجز حتى أطباء روسيا في دوائه، أما بوتفليقة، فبمجرد الإصرار على معاكسة المغرب والإبقاء على إغلاق الحدود، أصيب بالمرض المزمن الذي عذبه في الدنيا قبل الآخرة.

إن المحبة المتبادلة بين الشعبين الشقيقين المغربي والجزائري، شيء سرمدي تمتد عروقه من التاريخ والنضال المشترك بين الشعبين، والويل كل الويل لكل من يعمل ضد تقوية هذا التقارب والتعاون بين هذين الشعبين اللذين لا حدود تفصلهما لا في الزمان ولا في المكان.

نحن المغاربة، نتابع ما يقع في الشقيقة الجزائر بكل اهتمام، لأن استقرار هذا البلد هو جزء من استقرارنا، وأن أي تطور إيجابي أو سلبي سينعكس علينا، فاللهم احفظ الشعب الجزائري بما حفظت به الذكر الحكيم وارجع كيد كل من يريد به سوءا في نحره وقه من شروره إنه للدعاء سميع وبالاستجابة جدير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!

إشترك في نشرتنا الإخبارية للتوصل كل مساء بأهم مقالات اليوم

Holler Box