في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | نماذج الخضوع السلطاني لسياسة المخزن..

الصحفيون الإنجليز حضروا مؤامرة القطب المخزني ضد السلطان وكتبوا: إنها الأيام السوداء التي أدت إلى سقوط عرش السلطان عبد العزيز

بقلم: مصطفى العلوي

لقد ورث القطب المخزني باحماد أمجاد الحكم عن السلطان الحسن الأول، خصوصا بعد موته ((أو اغتياله كما قال الصحفيون الإنجليز)) (انظر العدد الماضي) حينما أصبح يحكم المغرب في زمن السلطان الجديد الذي لا يعرف شيئا.. لصغر سنه وقلة تجربته، وإن كان باحماد وهو سيد القصر، يرتعش من خيال السلطان الراحل، ويحرص على استمرار سياسة التحكم(…) عبر الاحتفاظ بالوزير الأهم لدى الحسن الأول، فضول غرنيط، الذي كانت آخر ذكرياته وهو في سن الثمانين، ذلك اليوم الذي أبلغ عنه الحاجب المخزني باحماد، أخبارا تآمرية أغضبت عليه الحسن الأول الذي استدعى وزيره الأول، غرنيط، وتم إصدار الأوامر إلى عبيد العافية ليجلدوه رغم سنه المتقدم، ورغم السنوات الطويلة التي قضاها كوزير للخارجية، وعندما مده العبيد ليتلقى العصا، التفت إلى الحسن الأول، وقال له: إنك ستعاقبني وأرجو عفوك، وقد كان يخاف من الموت تحت العصا وهو في سن الثمانين، ليضيف: إنك يا مولاي لن تجد من يعوضني، ثم أضاف: هل ستجد يا مولاي في هذه المملكة من يكذب مثلي على الفرنسيين فضحك السلطان الحسن الأول وعفا عنه، لولا أن القطب باحماد في عهد السلطان الجديد مولاي عبد العزيز أعاد غرنيط لوزارته.

هكذا كتب الصحفي “كابرييل فير” الذي عايش أيام السلطان مولاي عبد العزيز، ليعطي كشفا عن حياة السلطان الضعيف مع القطب المخزني القوي باحماد.

((مولاي عبد العزيز كان فقيرا ووزراءه أغنياء، وهو تقليد سائد في المغرب، لقد اكتشفت في السلطان عبد العزيز أنه يعيش مع مشاكله(…) وليست له مداخيل مالية، إلا عندما يموت وزراؤه(…) وكنت كلما كلمته عن موضوع، يجيبني: إن شاء الله. وكلما كان يحتاج إلى مصاريف مالية يتضايق، وأنا أقول له: إن شعبك يحبك، ومستعد لأن يصرف عليك ويدفع ضرائبه، فيقول لي: إنهم يبنون قصورهم بمال الدولة، بينما أصحاب الوزراء يغضبون علي عندما أطالب الوزراء بالأداء)) (مع السلطان. كابرييل فير).

ويستمر هذا الصحفي في كشف خبايا صديقه السلطان في بداياته، وإن كان يتعاطف معه، حين كتب عنه: ((وقد كلفني مرة بنشر مقالات عنه في بعض الصحف الفرنسية، وعندما قرأت عليه ما نشرته، يضحك ويقول لي: أنت تعرف أن هذه الأشياء غير صحيحة، فأجيبه: طبعا، لقد كان خجولا.. ومتحفظا وعندما أهدته ملكة بريطانيا عربة بالخيول مذهبة، لم يركبها أبدا)).

((وأذكر، يكتب فير، أن السلطان عبد العزيز كان يسعد عندما يجلس في قصره بمراكش يستمع إلى جوق موسيقي برئاسة المطرب سي علي بلوط وعندما يسلم على رئيس الجوق، يسميه سي علي.. فوقاش)) (نفس المصدر).

إلا أن باحماد رئيس جهاز المخزن هو المرتاح لانشغال السلطان الجديد بهذه الجزئيات التي تبعد السلطان عن المشاكل السياسية، وهذه طبيعة أقطاب المخزن(…).

إلى أن حصل أن السلطان الشاب مع الممارسة، بدأ يعبر عن بعض الأفكار، وهي مرحلة بدأت تجري في تناقض مع وضعية المخزن الحقيقي، فقد حدث وهو يتقبل رسالة مكتوبة من سلطان إنجلترا الجديد، حملها له الصحفي البريطاني الآخر “هنري ماك لين” سنة 1901، وقد دخل على السلطان عبد العزيز، وهذا الإنجليزي يلبس كسوة محلاة بالذهب، ويتكلم بالعربية، ولا يظهر أنه في حاجة إلى عطاء لكنه عندما بدأ في محادثة السلطان، نصحه بإجراء بعض الإصلاحات، وخاصة في مجال الضرائب، فقد كانت الضرائب كما يريدها المخزن(…) عبارة عن عمليات تعرية للأغنياء من ثرواتهم، بينما صرح “ماك لين” للسلطان أن الضرائب تكون قانونية حسب الممتلكات والأرباح وتتناسب مع المداخيل ليعجب السلطان بهذا الأسلوب.

وفي السنة الموالية 1902، أخذ السلطان يعطي أوامره بتنفيذ الأسلوب الإنجليزي في الضرائب، ليواجه السلطان الجديد بأول حركة رافضة لإصلاح الضرائب، أخذت شكل التمرد الذي فرضه القياد الذين بدؤوا في شتم هذا الإنجليزي، وهم الذين كانوا يستغنون مما يفرضونه على الأغنياء من إتاوات، ليستفحل الموضوع ويأخذ شكل تمرد على السلطان، فرجال المخزن انضم إليهم حتى الوزراء الذين يكسبون مداخيلهم مما يفرضه القياد في الأقاليم على الأغنياء، بل إن التمردات، وتحت أعين قطب المخزن باحماد عمت جميع جهات المغرب، ليتشكل ما سماه رجال المخزن التدخل الإنجليزي في شؤون المغرب، ليكتب الصحفي البريطاني الآخر “هاريس”: ((إن الوزير الأكبر عند السلطان، ويسمى المنبهي، كان عندما يسلم على السلطان يسأله عن صديقه الإنجليزي “ماك لين”، وكأنه يسخر منه، بل إنه عندما أرسل السلطان وفدا رسميا للحضور في تنصيب الملك الإنجليزي “إدوار السابع”، أرسل مع وزيره المنبهي صديقه الإنجليزي “ماك لين”، الذي بلغ دوره في تغيير قانون الضرائب بالمغرب حدا جعل هذا الصديق الإنجليزي يتعرض لتهديدات بالقتل(…) جعلته مرة يدخل على السلطان ليقول له: لقد جاءه خبر بمرض أمه وأنه سيغادر المغرب، ليشيع خبر مغادرته، ويقيم المغاربة حفلات بمناسبة المغادرة التي أعلن عنها هذا الإنجليزي العدو.

ولا يتوقف الصراع السلطاني مع أقطاب المخزن عند هذا الحد، بل إن الصراع السلطاني مع أقطاب المخزن أخذ أبعادا كبيرة عندما قرر السلطان تعيين وزير أول جديد في شخص الحاج المعطي الجامعي، وأخاه محمد الصغير، وزيرا للدفاع، ليعلنها باحماد حربا على النفوذ الفاسي الجامعي(…) الذي نصح السلطان بنقل العاصمة المغربية إلى فاس مدينة الجامعيين)) (مذكرات كتاب هاريس).

وهو صراع أعلنه باحماد على الجامعيين بلغ أبعادا خطيرة، تمت عندما وصل الموكب السلطاني إلى مكناس في طريقه إلى فاس، حيث فرض عليه باحماد البقاء في مدينة السلطان مولاي إسماعيل، وهي الفترة التي استغلها قطب المخزن باحماد لتحضير أكبر مؤامرة عرفها المغرب في عهد مولاي عبد العزيز، وتحت أنظار أصدقاء السلطان الإنجليزيين، الذين كانوا شهودا، كتبوا كتبا عدة عن المؤامرة التي دبرها القطب المخزني ضد المخطط السلطاني بنقل العاصمة إلى فاس إرضاء للجامعيين.

ويكتب الصحفي الإنجليزي “والتير هاريس” في كتابه “المغرب في زمان السلاطين” عما شاهده بعينيه: ((استقبل السلطان وزيريه الجديدين في القصر الملكي، ليتدخل الحاجب باحماد، وكانت تظهر بوادر الصراع بين باحماد الذي تسنده الزوجة التركية رقية التي هي أم السلطان، ومعها تركية أخرى كانت هي أم السلطان المقبل المولى يوسف، وبين العائلة الفاسية، عائلة الجامعي، لينطلق باحماد في هجوم مفتوح واتهامات خطيرة في حق الوزيرين الجامعيين، ويظهر أنها كانت اتهامات سياسية، سمعها السلطان مولاي عبد العزيز وهو ساكت، لنرى جنودا دخلوا واعتقلوا الأخوين الجامعي، انقضوا عليهما ونزعوا لهما الجلاليب، ومن على رؤوسهما تم نزع الرزات، لنرى أول حادثة سوداء في تاريخ هذا السلطان، فقد أرسلوا المعتقلين إلى سجن تطوان، وأرجلهم وأيديهم مربوطة بالسلاسل، لنتتبع نحن الإنجليز أخبارهما، ونعرف أن الحاج المعطي لم يصمد فمات في سجن تطوان، وعرفنا أن عامل تطوان خاف من دفن الوزير الأول الجامعي الذي بقي ميتا بجانب أخيه لمدة إثني عشر يوما، أما أخوه محمد الصغير فقد بقي مقيدا بالسلاسل أربعة عشر عاما، تم خلالها السطو على أموالهم، وقد قمت بزيارته في سجنه قبل موته بمدة قليلة فناشدني أن أتدخل يوم موته، لكي يدفن بالسلاسل في يديه ورجليه، وهو يقول: أريد أن ألقى الله في الحالة لتي قضيتها أربعة عشر عاما، واستطعت أن أحضر يوم دفن الحاج محمد الجامعي وأطلب ساعة دفنه أن تدفن معه السلاسل في قبره، بينما أقام له السلطان الجديد مولاي حفيظ عرضا عسكريا في جنازته لأنه كان وزيرا للدفاع وكان شيئا محزنا جدا، ولكنها كانت خرقا للحقوق، جعلنا في بريطانيا نقاطع كل فكرة للتعاون مع المغرب كما جاء في التقارير التي رفعتها للحكومة البريطانية)) (مذكرات والتير هاريس).

ويتدخل القدر، ليموت الرجل القوي باحماد، بعدما أنهى بناء قصر الباهية، ولم يعرف أحد لماذا أصدر السلطان عبد العزيز، أوامر بحجز ممتلكاته، رغم أنه كان يبكي عليه ساعة موته، وربما هي التقاليد التي أفقرت عائلة الرجل القوي باحماد.

أما السلطان ورغم وقوعه تحت غضبة الإنجليز والفرنسيين عليه، فقد بقي يعاني كما كتب صديقه هاريس: ((كنا نركب معه سفينة كان يحرك مجاديفها بيديه، ونحن نعرف أنه أصبح سلطانا مكسور(…) على شعب متذمر، وصندوق للدولة فارغ، رغم أنه كان لا يحب الحكم وأنا أرى بوادر نهاية حكمه، فقلت له إنك سلطان عيبك أنك لا تتأكد من تنفيذ أوامرك، فغضب وقال لي: إنك تنسى أني أمير المؤمنين، ثم تراجع عن غضبه ليقول لي: لقد تعبت من حياة السلاطين، وهو يعرف أخبار إمضاء عقد الجزيرة سنة 1906، ويعرف تفاصيل ثورة بوحمارة الذي استولى على شرق المغرب والريسوني الذي استولى على شمال المغرب، لتنطلق ضده ثورة أخيه مولاي حفيظ في مراكش، لتنتهي الأمور ببقائه سلطانا على فاس وحدها، رغم أن أسوار هذه المدينة كانت مغطاة برؤوس المتمردين المقطوعة، وهي الوضعية التي انتهت بتنازله عن العرش)) (المغرب في عهد السلاطين. والتير هاريس).

نهاية لصيغة أخرى عن الصراع بين إرادة السلطان والتناقض بين المخزن والديمقراطية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!