في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | نماذج الخضوع السلطاني لسياسة المخزن

والإنجليز يتهمون قطب المخزن باغتيال الحسن الأول لإرضاء زوجته رقية في تنصيب ولدها سلطانا

بقلم: مصطفى العلوي

على ضوء ما حصل في جارتنا الجزائر.. وهو ما يمكن أن يحصل في المغرب.. لأن الشعوب عندنا وعندهم تمتاز بنفس الخصال، ومكونات التمرد التي ظهرت عليهم، سبق أن ظهرت عندنا، وإن كانت مغربية هذه المرة، لأن الطبيعة المغربية أخطر من الطبيعة الجزائرية.

وأكرر هنا مقولة وزير سابق، ذكي فائق، كان وزيرا أنيقا للسياحة، واسمه حداد، مقولة سبقتني لنقلها عنه عدة صحف، ورغم أنه في أحسن حال، فإنه نيابة عن رجال الأعمال، والمسؤولين الحكوميين، متحدثا عن كبت جماعي، وقلق يجمع الكبار والصغار في الهياكل الحكومية، ورجال المال، وكلهم في ضبابية(…)، لا يعرفون ماذا يجري، لنستنتج من كلام هذا الوزير السابق، ما يقوله ويردده أغلب الناس في كل وقت وحين، وما لم يقله قبله أي زعيم لأي حزب سياسي.

وسيكون من الكذب والنفاق القول بأننا أحسن حال من الجزائر، وهي التي تحصد من بترولها الذي تستغله في الآبار المتواجدة في المناطق الصحراوية(…) التي كانت إلى حدود 1958، جزءا من التراب المغربي، وعندما اضطرت فرنسا لإمتاع المغرب بحقه في الاستقلال، احتفظت بتلك المناطق وضمتها إلى الخريطة الجزائرية، ورغم ذلك، فإن ملايين الجزائريين المتظاهرين، كانوا يشتكون من الفقر الناتج عن سوء التسيير، خصوصا وأن المغرب مضطر لصرف الجزء الأكبر من مداخيله على الجرح الغائر الذي أحدثه في جسمنا المغربي هذا البوتفليقة، الذي شغلنا بظاهرة البوليساريو الذي أسكنه في تندوف التي كانت يوم حصول المغرب على استقلاله، جزءا من المغرب، ليبقى قرار إغلاق الحدود بين الشعبين الأخوين، المغرب والجزائر، أكبر جريمة ارتكبت لتكريس ظاهرة القطيعة التي نراها وقد أدرجت في عداد المنتهية بانتهاء نظام بوتفليقة.

ورغم هذا، تبقى احتمالات وقوع ما حدث في الجزائر، غير مستبعد الحصول في المغرب، وإن كان الرئيس السابق في الجزائر، بومدين، قد طمأن المغرب، حكمة أو حسدا، بقوله: ((إن العرش المغربي هو ضمان للاستقرار، لا في المغرب وحده، وإنما في المنطقة كلها)) (مذكرات المستشار الجزائري عميمور. أنا وهو وهم).

لأن الأمر الواقع، هو أن ظاهرة العرش المغربي، هي فعلا ضامنة للاستقرار، فما هي الإشكالية التي تدفع الشعب المغربي للقلق؟ والخوف؟

عدد من الصحفيين المغاربة يطرحون هذا السؤال.

أكيد أن المغرب، شعبا وملكا، وحسب التعاقد الذي وضع أسسه الملك محمد الخامس، الرجل الذي أمضى التحالف والتكامل بين العرش والشعب، وقد ضحى بعرشه وعانى المنفى السحيق، من أجل إمتاع المغرب بالاستقلال والحرية، هو تعاقد ضامن لكل المقومات للصمود في وجه الزمن، خصوصا وأن المغرب بمكوناته القبلية، لا يمكنه أن يتفق على كلمة واحدة، وهذا تاريخه يشهد بأن الانفصالات القبلية والآنية في المغرب، لن تسمح في أي حال من الأحوال بالاستقرار.

وإذا كان الاختيار الديمقراطي، والإيهام(…) بأن الدستور هو الضامن الأكبر للاستقرار، فإننا شهود على الفشل الذريع الذي عرفته الأحزاب السياسية التي هي أصلا أذرعة الدستور، وقد أصبحت أذرعة مكسورة، رفعها السياسيون المغاربة، كما ترفع الجيوش المهزومة أذرعتها أمام العدو المنتصر، وبصيغة أخرى، فإنه لا توجد في المغرب هياكل مؤهلة لممارسة الديمقراطية، لدرجة أنه لو تم إدخال الهيكل المغربي لجهاز إلكتروني أو سكانير طبي، لكشف أن الديمقراطية المغربية أبعد ما تكون عن عقول المغاربة وممارساتهم، وإن كان هذا الواقع منطقي مع الوضع المغربي مادامت الديمقراطية ليست كسوة تشترى في السوق ليلبسها المواطنون، هؤلاء المواطنون الذين كانوا إلى سنة حصولهم على الاستقلال لا يعرفون شيئا عن الديمقراطية، وأن الديمقراطية تسمية أطلقتها أقلية من المثقفين الذين لم تكن لهم صلة لا بالحكم ولا بالنفوذ.

فقد بقي المغاربة تحت تأثير الحكم المخزني كنظام سابق، سلطانا وحكومة وجيشا وسادة، وعبيدا(…)، منذ وفاة واحد من أقطاب السلاطين المغاربة، الحسن الأول، وقد اتفق المؤرخون على أنه كان يحكم المغرب وهو على ظهر فرسه.

بينما بدأت عيون المغاربة تتفتح على ظاهرة الديمقراطية مع أول دستور صوتوا عليه في زمان الحسن الثاني، الذي كان يحاول تطبيق الديمقراطية في ظل حكم مخزني.. رغم أنه منطقيا لا يمكن الجمع بين الديمقراطية والمخزن، وهما ظاهرتان متنافرتان متناقضتان، فأحرى وأن الإرث المغربي بعد زمان الحسن الأول، كان مخزنيا ناجحا، جاء الاستعمار الفرنسي سنة 1912 لينمي الأساليب المخزنية ويبلورها، لأنها ظاهرة مرتبطة بالحكم، تضمن له القوة والاستمرار.

وقبل الاستعمار بسنوات وشهور، أعقبت وفاة السلطان المخزني الكبير الحسن الأول، لعبة القطب المخزني الكبير باحماد لدور أساسي في تكريس النموذج المخزني الذي يتضخم في بعض الحالات، ليصبح خطرا، حتى على السلطان بنفسه(…).

فهذا الحاجب، باحماد، صديق السلطان الحسن الأول(…) ورجل ثقته، وقد عين اثنين من إخوته وزراء في الحكومة المسيرة لشؤون المغرب، لدرجة أنه لو كان المغاربة يكرسون عظمة أقطابهم عبر تنصيب تماثيل رخامية أو حديدية، لكان تمثال باحماد مقاما في كل ساحات المدن المغربية، وهو الذي ورث المخزن عن أبيه موسى، حيث كانت عظمته أكبر من الأحداث التي عرفها المغرب، لدرجة ها هي تجعلنا نتحدث عن الصراع بين المخزن والديمقراطية في عهدنا الحالي، وليكرس القنصل البريطاني القديم في طنجة “أرنست ساطو”، تفسيرا لجبروت هذا الحاجب، وهذا القنصل يتتبع أحداث المغرب في ذلك الزمان، الذي طبع بالصراع الأروبي، وخاصة بين إنجلترا وفرنسا، إسبانيا وحتى ألمانيا، وقد كانوا في صراع من أجل احتلال المغرب، انتقاما من الغزوة الإسلامية للأندلس، حيث أطلقت على الجبل الذي نزلت فيه الجيوش الإسلامية، اسم جبل طارق، نسبة إلى قائد تلك الجيوش، طارق بن زياد.

وها هي إنجلترا لازالت تحتله إلى اليوم، خوفا من عبور إسلامي جديد.

وكان المغرب حتى في زمان السلطان الحسن الأول، صعب المنال بالنسبة لهم، حتى كان موت الحسن الأول سقوطا لسد منيع بالنسبة لهم.

ظاهرة تعمق فيها هذا القنصل البريطاني “أرنست ساطو” وفي ضخامة ما أعقب موت الملك العظيم، من تعويضه على العرش المغربي، بولد في سن الثانية عشر من عمره، ولده مولاي عبد العزيز، وفق ما كانت تخطط له الدول الأروبية، التي كانت عاجزة عن الدسارة على عرش المغرب، لولا أن الشكوك تسربت إلى قطب المخزن، باحماد، الذي أكد مؤرخو ذلك الزمان، أنه لعب الدور الأساسي باتفاق مع زوجة الحسن الأول، المواطنة التركية رقية، على تنصيب ولدها الطفل عبد العزيز، ليتم تكريس الأطروحة القائلة بأن المخزن يخاطر حتى بحياة السلطان من أجل تنفيذ أغراضه الكبرى.

لنعود للقنصل البريطاني في طنجة، الذي كتب إلى الصحفي البريطاني الذي كان يراسل جريدة “التايمز” في المغرب “والتير هريس”، تقريرا سريا كشفه هذا الصحفي في كتابه “المغرب أيام السلاطين” بهذه الصيغة ((إن الحاجب باحماد هو الذي قتل بالسم السلطان الحسن الأول، من أجل تنفيذ مخططه مع التركية رقية، زوجة السلطان الحسن الأول، من أجل تنصيب ولد هذه المرأة سلطانا على المغرب رغم صغر سنه)).

وفعلا أطلق المخزن يده داخل القصر السلطاني، وأصبحت رقية التركية، أم السلطان، وأصبح باحماد الوصي على ذلك السلطان.

واقع بقي يفرض دروسه على سلاطين المغرب بعد الحسن الأول، والسلاطين الخمسة الذين أعقبوه، لتبقى سابقة التركية التي كانت زوجة للحسن الأول، ظاهرة شغلت الحسن الثاني الذي أصر في مذكراته على القول: ((إنها إشكالية أتوق إلى حدها، بظهير سأصدره.

إن ارتباط عائلتي بالملكية، يحتم علي أن أصدر هذا القانون لأؤطر الزواج المقبل للأمراء، وأمنع بصفة نهائية أن يتزوجوا بأجنبيات، سواء كن عربيات أو مسلمات)) (مذكرات الحسن الثاني. إيريك لوران).

بل إن الحسن الثاني، مرات عديدة، تحدث عن هذه السيدة التركية رقية، التي كان يسميها في خطبه قيقة.

كيف لا.. وهذه المواطنة التركية رقية، التي لم يكن يهمها في علاقتها مع الحاجب القطب باحماد إلا أن يكون ولدها عبد العزيز سلطانا، ليبقى الحكم كله بين أيدي القطب المخزني باحماد، وها قد أصبح السلطان بنفسه ينفذ سياسة المخزن، وقد كان باحماد قد نصب وزيرا أولا يسمى المنبهي، ليكتب صحفي آخر كان شاهدا على الأحداث: ((صراحة، إن السلطان تم إغراقه في جهل كل شيء، ولا يعرف شيئا عما يجري)) (كتاب dans l’intimité du sultan. كابرييل فير).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!