في الأكشاك هذا الأسبوع

صــرخـة عــربــي..

جميلة حلبي. الأسبوع

 واقع حال المواطن العربي أصبح لا يختلف من بلد لآخر، رغم اختلاف الجغرافية وبعد المسافات، وعندما نريد أن نختصر المسافات والأحداث شيئا ما، سوف نتحدث عما بعد الربيع العربي، وباختصار شديد، فالواقع المعيش في كل البلدان العربية، باستثناء بعض الدول الخليجية، أصبحت لا تفرق فيه بين اللبناني والعراقي والمصري والمغربي والتونسي والجزائري والليبي واليمني، والسوري، ولا ننسى الشعب الفلسطيني، فكل الشعوب تشتكي وتحتج، وكل مواضيع الاحتجاجات متشابهة والمطالب واحدة في أغلب الأحيان، ومصدرها الفساد الإداري أو فساد أنظمة الحكم بالنسبة للبعض، وقد باتت قنوات الأخبار لا تخلو من نقل مشاهد احتجاجية يومية تعبر عن رفض السياسات القائمة، وتطالب بالتغيير بعد أن ضاقت ذرعا من طرق تدبير الشأن العام، فما الذي يجعل مواطنا مصريا مثلا، يطلق صرخة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معبرا عن واقع حال المصريين قائلا: ((هو انت من أي بلد؟ أنا من بلد اللي اختشوا ماتو.. واللي راحوا يصلوا ماتو.. واللي طالبوا بحقهم ماتو.. واللي بيشجعوا كورة ماتو.. واللي سابوها وهجوا ماتو.. واللي واقفين على الحدود ماتو.. واللي رايحين المدرسة والجامعة ماتو.. واللي ركبوا القطر ماتو.. واللي طالبوا بحق اللي فاتو ماتو.. أنا من بلد الرويبضة فيها صاحب كلمة، والجاهل فيها صاحب قرار، والعالم فيها مسجون، والفاسد فيها رجل أعمال، وعديمة الأخلاق فيها سيدة مجتمع، وسليط اللسان فيها إعلامي، والمنافق الكاذب رجل دين، والراقصة أم مثالية، أنا من بلد أبسط حقوقي فيها بقت أحلام))، فهذه الصرخة تعبر فعلا عن معاناة السواد الأعظم من المواطنين في الوطن العربي، بعد ما تستفحل الأوضاع ويصبح المواطن يبحث عن العيش الكريم فتضيق به ذات اليد، وعن الأمان فلا يجده، وعن الصحة فلا يجد مستشفى.. وعن.. إلى غيرها من العنعنات التي بدأت لائحتها تطول من بلد لآخر، فلبنان أيضا، البلد الجميل، لا تكاد تخبو فيه انتفاضة حتى تنطلق شرارة أخرى، وحال جارته سوريا، يدمي القلب بعدما باتت مختبرا لتجريب مختلف الأسلحة ليس إلا، وتونس الخضراء، بعد أن ظن الجميع أن ثورة الياسمين أعطت أكلها وتم انتخاب رئيس جديد، يبدو أن الأمور لازالت تبحث عن حلها النهائي، وبالنسبة للعراق، مهد الحضارات، وبلد التعدد الإثني، فبعد أن دمر التحالف الغربي كل شيء جميل فيه، يبدو أنه ترك وصية لأذنابه بأن لا يجعلوا العراق يستفيق من كبوته، أما الشعب الليبي، فحدث ولاحرج، بعد أن أصبح التشرذم هو السائد، وهكذا ذواليك، لنرى أن معاناة الشعب اليمني والاقتتال الطائفي سيولد “إثيوبيا” أخرى، بعد أن قرأت مؤخرا خبر تزويج عائلة يمنية لكل بناتها وأصغرهن سنا تبلغ ثلاث سنوات، وهذه المرة من أجل توفير سكن ومصدر للعيش لباقي أفراد الأسرة، ومجرد معرفة أن طفلة الثلاث سنين ستتزوج، يجعلك تحس بالاشمئزاز وبالحنق مما آلت إليه الأمور في بلد كان في وقت قريب يرفل في نوع من الاستقرار، وتجرنا الأحداث إلى الجارة الجزائر، التي جعلها ترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، تعيش فوق فوهة بركان، بعد أن خرجت كل أطياف المجتمع الجزائري للاحتجاج، رغم أنهم كانوا يعانون مما عانته الشعوب العربية الأخرى، والمغرب هو الآخر، أصبحت الاحتجاجات طابعه الخاص، في كل القطاعات، وبشكل شبه يومي، ولاتزال الأمور في طريقها نحو التعقيد، لأن معظم المشاكل لم تحل، وأغلب المطالب اجتماعية ومعيشية محضة، وأظن أن الأمور سائرة في طريقها نحو التصعيد، في ظل الغلاء السائر في التصاعد، رغم الصرخات المتوالية من كل مدينة، ليبقى بيت القصيد، الشعب الفلسطيني الذي أطلق صرخة عمرها مائة وواحد وعشرين سنة من الاحتلال والصراع والمعاناة، التي لا تشبه معاناة أي شعب على وجه البسيطة، لخصها الكاتب والسياسي الإسرائيلي اليساري، جدعون ليفي، في قولة نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان: “سنرحل.. سنرحل.. فشعب فلسطين أصعب شعب في التاريخ”، قائلا: ((يبدو أن الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا عليهم الغانيات وبنات الهوى، وقلنا ستمر بضع سنوات وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر انتفاضة الـ 87.. أدخلناهم السجون وقلنا سنربيهم في السجون، وبعد سنوات، وبعد أن ظننا أنهم استوعبوا الدرس، فإذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة عام 2000 أكلت الأخضر واليابس، فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، رغم الحصار والدمار، فأخذنا نخطط لهم بالجدران والأسلاك الشائكة.. وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض ومن الأنفاق، حتى أثخنوا فينا قتلا في الحرب الماضية، حاربناهم بالعقول، فإذا بهم يستولون على القمر الصناعي عاموس ويدخلون الرعب إلى كل بيت في إسرائيل عبر بث التهديد والوعيد، كما حدث حينما استطاع شبابهم الاستيلاء على القناة الثانية.. خلاصة القول، يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال)).

فمن خلال ما سبق، نلاحظ أن صرخات الشعوب العربية منطلقها واحد، وهدفها واحد، وذلك لتشابه أنظمة الحكم، وتشابه السياسات العمومية، كما أن تراكم المشاكل الاجتماعية، يؤدي حتما إلى انفجار المظلومين والمتضررين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!