ملف الأسبوع | أسرار خطيرة تنفرد “الأسبوع” بنشرها حول نهاية بوتفليقة

إعداد: عبد الحميد العوني

تنازل بوتفليقة عن الترشح لرئاسيات بلاده، ناقلا المسؤولية إلى جمعية تأسيسية جامعة لكل أطياف الشعب الجزائري، بما فيها جبهة الإنقاذ المنحلة، يرأسها، الأخضر الإبراهيمي، ولجنة مستقلة للانتخابات بعد تعديل الدستور، ومنذ نشر “لا تريبون دو جنيف” خبر انهيار إضافي للجهاز العصبي لبوتفليقة، تأكد ما ورد في وثيقة سرية: أن الرئيس الجزائري فقد وعيه لـ 12 دقيقة بعد علمه أن أيقونة الثورة الجزائرية، جميلة بوحيرد، خرجت للتظاهر ضد العهدة الخامسة، وذكرت الجميع  بالسكتة الدماغية لـ 2013 عندما منع الجنرال حسان، السعيد أخ الرئيس، من الدخول إلى القصر الرئاسي، فقال: لن أكون مخطوفا لدى الجنرال توفيق، وبعد عودته من استشفائه، انتهى إلى سجن الجنرال حسان، وتقليم أظافر “دي. آر. إس” إلى أن حلها وأقال مديرها في 13 شتنبر 2015.

ومن جنيف، أقال بوتفليقة رئيس حملته عبد المالك سلال، بعد تورط 125 نقطة اتصال لمخابرات “دي. آر. إس” المنحلة في دعم التظاهرات، ليلغي الرئيس اتفاق السعيد بوتفليقة والجنرال مدين (توفيق) بوساطة من الجنرال أحمد الخريف، والقاضي بنقل الرئاسة إلى سلال (تبعا للاجتماع المعروف 90 دقيقة، من الثامنة إلى 11 ليلا، في 2013 لتهدئة الجناح المقصي من السلطة)، لتدبير الأجنحة الثلاثة: جناح بن علي والسعيد، وجناح قايد صالح، وجناح البشير طرطاق، المستشار الأمني لبوتفليقة ورئيس مخابرات “دي. إس. إس” التي عوضت “دي. آر. إس”، وفي اجتماعها الثالث، أو “زاي 3″، تقرر نقل القوات الخاصة إلى العاصمة خوفا على الرئيس حين عودته، وفي الثامنة من يوم الجمعة 8 مارس 2019، قال بوتفليقة لأخيه ناصر الذي حضر معه إلى الطابق الثامن في المستشفى الجامعي لجنيف: “هم في مأزق”، وتصارع مخابرات طرطاق أول امتحان لها، ورفض الجنرال مدين دعم ترشيح أي عسكري في الانتخابات الرئاسية أو المبكرة التي وعد بها بوتفليقة بعد سنة في حال نجاحه، وأرسل الجنرال رسالة إلى علي غديري، الرئيس السابق للموظفين في وزارة الدفاع، عن رفض ترشحه، وقال لسانه، محسن بلعباس، زعيم “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” الذي نقل رسالة إلى لقاء طنجة في اجتماع شبكة الأحزاب الديمقراطية لشمال إفريقيا: عززت من الحياد المغربي، إثر خروج الغرب الجزائري وبلدة بوتفليقة وهران تحديدا إلى التظاهر، وهو ما أثر في نفسية الرئيس المهدد بالموت في أي لحظة لعدم تمكنه من الكلام لـ 42 ساعة وعدم السيطرة العصبية، والتحكم في أكله، إذ يمكن بلع الطعام ومروره إلى جهازه التنفسي عوض المريء، وهو ما قد يسبب التهابا وتعفنا ينتهي بالموت، وحرص الأطباء السويسريون على تعزيز مراقبة هذا الوضع، حسب التقرير الطبي رقم 11 للحالة، حسب مصدر “الأسبوع”، وأعيد تكييف طائرة الرئيس “غولف ستريم” التي نقلت بوتفليقة إلى جنيف.

وطلب الرئيس تقريرا، عن يوم جمعة “الحسم”، عرض عليه بصعوبة، وأعلن ثلاث كلمات، منها الخوف من الفتنة والخوف من تأثير المغرب على إشعال الغرب الجزائري (وهران وتلمسان…)، والخوف من نزول إرهابيين في صورة متظاهرين، وطالب بنشر القوات الخاصة لحماية المتظاهرين، فيما التزمت فرنسا والمغرب بالصرامة في عدم التدخل أو الإدلاء بأي تصريح، التزاما برأي الجنرال مدين، الذي بعث بإشارته إلى  مسؤولي العاصمتين، وكشف الوزير الأول الجزائري، أويحيى، المخطط، كي يبقى معسكر الرئيس محاصرا في شخصه ولا يحمل أي يافطة وطنية ضد التدخل الخارجي، فعبر عما يجري بـ”الحراك الحقود ضد بوتفليقة”، وهي العبارة التي تؤكد تورط عناصر المخابرات السابقة “دي. آر. إس” المحالين على التقاعد والعاملين في قطاع الأعمال، أي ما يسمى في الأدبيات الفرنسية “حراك الدولة المفككة”، كما جاءت في كلمة للرئيس في مستشفى جنيف، وحسب “الفايننشال تايمز”، فإن انتفاضة “جمعة 22 فيفري” و”جمعة الحسم”، تؤكدان على وجود نخبة جديدة ثرية تمارس نفوذا على القرار السياسي وتجد في الاستخبارات المفككة إطارا لإدارة تحركها.

وفي تسوية مباشرة لبوتفليقة، طالب بعدم ترشحه في الانتخابات المبكرة، في مقابل عدم ترشح أي جنرال، وقبل الجيش في شخص قائد الأركان قايد صالح والجنرال مدين، بهذه الصفقة، لكن تفاصيل أخرى لا تزال تثير الخلاف لتمكين الجزائر من صفقة دائمة، ومن المدهش أن يهتم بوتفليقة في انهياره العصبي الثاني، بمدى تأثير المغرب في تظاهرات الغرب الجزائري.

 

+ الاتفاق الفرنسي والمغربي على الصرامة في عدم التدخل في الشؤون الجزائرية أربك بوتفليقة، وعده الرئيس دعما مباشرا للجنرال مدين (توفيق) الذي يدير تأثير نخبة ثرية في شبكة من 800 رجل أعمال من مختلف الأحجام، وله 812 عضوا ينشطون لصالحه في مختلف القطاعات، ولم يمس التفكيك عمل قاعدة “800 × 3” المعروفة في قواعد التأثير الجزائري

 

منذ نشر “لا تريبون دو جنيف”(1) جزءا من التقرير الطبي 11 المسرب عبر طبيب فرنسي إلى جهات بلده، نهجت باريس وحليفتها الرباط “الصرامة في عدم التدخل”، لإرباك معسكر بوتفليقة وعدم تشتيت الأنظار عن حراك مدروس لمنع بوتفليقة من عهدة أو ولاية رئاسية خامسة، واستثمر الرئيس الجزائري عطلته الصحية في سويسرا، لإرباك أي انقلاب محتمل ضده، مع بقائه تحت حالة فائقة من العناية الطبية، وهو يعطي الانطباع بعدم ممارسة أي ضغط على المجلس الدستوري، وفي نفس الوقت، يساند قايد صالح في موقفه المحايد، للتقليل من تأثير مدين، وجهازه المنحل في التظاهرات، ووضعت ترويكا الأجنحة الثلاثة سقفا لهذا الرفض الشعبي، بعد رغبة بوتفليقة في الالتزام بتاريخ الانتخابات الرئاسية، فيما طالبت جبهة التحرير الوطني بتأجيل الرئاسيات لسنة، وإكمال ما كشف عنه الرئيس الجزائري، عوض انتخابات رئاسية وبعد سنة انتخابات مبكرة، وفضل البشير طرطاق خروج مظاهرات ضد العهدة الخامسة عوض التمديد الذي استنفذه عمر البشير في السودان، ولا يريد أن تقارن الجزائر بأي بلد آخر.

وحاصرت فرنسا، من خلال حليفها على الأرض (الجنرال مدين) وحليفتها العاصمة الرباط، ما تسميه وثائقها الاستخبارية، بين 1960 و1970، بـ”المناور والمخادع والمتآمر”، وتحديدا في الوثيقة المؤرخة في 15 دجنبر 1964، التي رفعت عنها السرية أخيرا، حيث تقول: إن بوتفليقة في سن 26 سنة لم يعين في منصب استراتيجي مقارنة بقدراته، وبدعم من بومديان الذي بحث عن معارضي بن بلة، تمكن بوتفليقة أن يكون وزيرا للخارجية بدلا عن محمد خيدر الذي رفضته فرنسا، وعارض البشير بومعزة، وزير المالية، تسليم مستحقات الوزير الجديد في الخارجية إلى دجنبر 1964.

وكتبت الوثيقة: “إن الرجل مناور وموجود في كل المؤامرات، وخصوصا مؤامرة يونيو 1965″، وكتب الوزير الفرنسي المنتدب لسفارة فرنسا في الجزائر، لويس دوجي، برقية تقول: “وزير الخارجية بوتفليقة، جعل الانقلاب على بن بلة قضية شخصية، لأن الرئيس بن بلة أعطى أوامره باعتقال مدير ديوان بوتفليقة المسمى عبد اللطيف رحال، وقبل الوصول إليه، شارك في إسقاط نظام بن بلة، وقد استغل موقعه لعزل بومديان عن كل الحلفاء، بمن فيهم زوجته”، كما تقول البرقية المؤرخة في 7 أكتوبر 1974، وهي  تؤكد من جهة أخرى، أن “بومديان بدا متابعا لما يقوم به بوتفليقة، وزير الخارجية، ووزير الداخلية مدغري، في نقل زوجته إلى الظل كي يسيطرا على الأضواء”.

وجراء هذه الحادثة، وصفت الوثيقة، المرفوعة عنها السرية، بوتفليقة بـ”الشاذ والمراوغ والمحتمل إصابته بجنون العظمة”(2)، ونقلت الصحف الجزائرية هذه التوصيفات عن “نوفيل أبسرفاتور”(3).

واختارت فرنسا رفع السرية عن هذه الوثائق، وإعادة نشرها في هذه الأجواء المشحونة، تأكيدا من الفرنسيين على دعم اللوبي المتحالف معهم وعلى رأسه الجنرال مدين (توفيق) وباقي النخبة الجديدة.

 

+ تجريم بوتفليقة وتوريطه في اغتيال كريم بلقاسم، لمسح أيقونة: “رجل المصالحة”  بعد الحرب الأهلية أو “العشرية السوداء”، ومرة أخرى، وعبر نفس المجلة ومن وثائق سرية، فإن “بوتفليقة مشارك في جريمة اغتيال كريم بلقاسم”

 

طبقا لوثائق المخابرات الفرنسية، لا يكون بوتفليقة قائد المصالحة الوطنية وتجاوز العشرية الدموية، بل إنه مجرد مجرم قتل صديقه كريم بلقاسم في الثورة(4)، وفيما سكتت فرنسا الرسمية عن أي تدخل في الشؤون الجزائرية، خرجت كل الوثائق لجهة واحدة “أو. بي. إس” أو (نوفيل أبسرفاتور سابقا)، وهي غير مرتبة ولا تحمل “أسرارا” عكس وثائق “السي. آي. إي”.

إن ما يجري، مقصود لتدمير ممنهج لصورة بوتفليقة، من رجل مصالحة إلى رجل قاتل ومجرم متورط في اغتيال بلقاسم، فيما رفع المغرب يده عن المشاركة في هذه الحرب، ولا يزال الشخص الموصوف في هذه الوثائق بـ”الممتلك لذكاء حاد وطموح كبير”، قادرا على الرهان على ضربة واحدة.

ورفعت السرية عن الوثيقة الرئيسية للمخابرات الفرنسية بمراجعها: “دي 37680 / أ” في 22 يناير 2019، استعدادا لإنهاء فترة بوتفليقة، ووافقت المخابرات الأمريكية على أن تعيد التوازن إلى المشهد الجزائري، من خلال دفاعها عن موقف قايد صالح، وقد أوضح رؤيته إلى جانب الجيش في قاعدة “شرشال”، كي لا يسمح بقفز المخابرات العسكرية على منصب الرئاسة أو التحكم فيه، وتدور واشنطن حيث يتموقع الجيش الجزائري، ولا يمكن حسب مصادر “الأسبوع”، إنشاء مجلس عسكري، كما في الحالة المصرية، لأن الجنرال مدين (توفيق)، يريد دورا أكبر، ويواجه إلى جانب المتقاعدين العسكريين مشكلة في إدارة تأثيرهم، وقد اتفق الجميع على إبعاد كل عسكري إلى جانب إبعاد بوتفليقة عن الانتخابات، ولذلك، لعبت واشنطن توازنا أدى إلى إظهار وثائق تؤكد دفاعه عن أمن بلاده في مقابل المستعمر السابق (فرنسا).

ويراقب الأمريكيون عن كثب “التأثير الإقليمي على الداخل”، فيما الوضع يشبه حربا أهلية بين بقايا مخابرات سابقة، والهيكلة الجديدة لبشير طرطاق لمخابرات “دي. إس. إس”.

ومن المعروف، أن بشير طرطاق أقيل من الأمن الداخلي لـ “دي. آر. إس” ليقود “دي. إس. إس”، فالأساس حرب داخلية بين الجهازين، ويقود الأمن الداخلي، متخصص في الأمن الخارجي، الجنرال بوزيد، لمنع التأثير الخارجي على ما يحدث داخليا، وهذا التحصين مدروس لمظاهرات متوقعة، فيما ترغب الولايات المتحدة في حياد صارم لفرنسا والمغرب، وقد صدمت واشنطن العاصمتين باريس والمغرب، بإعادة تأهيل دور بوتفليقة الذي فتح بلاده على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، ولا تزال تؤمن بالبروتوكولات الموقعة مع بوتفليقة، كمبادئ دائمة للجزائر وجيشها وجارها الغربي، المملكة المغربية.

 

+ فرنسا تكشف وثائقها السرية قبيل الانتخابات الرئاسية الجزائرية، كي لا تبقى وثائق “السي. آي. إي” في صالح بوتفليقة

 

في 31 يونيو 2006، رفعت “السي. آي. إي” الأمريكية، السرية عن الوثيقة التي تكشف موقع مركز “كولومب بشار” لتجريب الصواريخ “31ـ39 إن 02ـ16 دابليو”، تحت بند “سري للغاية”، بين مطارين خفيف بسعة 9800×150 والمطار “أواكدا”، مع قاعدتين من داخل المركز تنطلق منها 8 طائرات هجومية، وقاعدة للدعم قام بومديان بتجديدها، وفورا، طالبت واشنطن بتوضيحات عن الصواريخ الروسية المستخدمة في القاعدة والتهديد بتوجيه ضربة عسكرية لتدميرها، وأرسلت الجزائر عبد العزيز بوتفليقة، للقائين سريين مع استخبارات وزارة الدفاع الأمريكية “دي. آي. إي”، لتتواصل مخاطبة الجزائر من خلال هذه القناة الموثوقة والمدافعة عن عدم المساس بمصالح الولايات المتحدة.

ولكثافة الاتصالات بين الجانبين، قرر الاتحاد السوفياتي بين 76 و1978، عدم التفاوض في الأمور الحساسة والعسكرية مع بوتفليقة، وطالب بجنرال تختاره الرئاسة الجزائرية للتعاون الاستخباري والعسكري طبقا لبروتوكول وقعه بومديان.

وجاء تشكيك الـ”كا. جي. بي” واضحا في علاقة بوتفليقة باستخبارات البنتاغون، وهو ما منح هامش مناورة للجزائر، لتثبيت عدم الانحياز وعدم مصادمة الأمريكيين الذين فضلوا وقف الغزو الصاروخي السوفياتي للصحراء، ودخل المغرب بمسيرة من المدنيين هذا الإقليم، الذي ظل عنوانا لامتداد قاعدة “كولومب بشار” قبل أن تلغي واشنطن دورها بشكل كامل، لبومديان، ويتحول النزاع في الصحراء إلى منع القاعدة الروسية في منطقة بشار من التمدد نحو الأطلسي، فيما واصلت الولايات المتحدة استكشافها لأكادير، لتقود مناورات سنوية إلى جانب القوات المسلحة الملكية، إلى الآن، تحت اسم مناورات “الأسد الإفريقي”، التي قال عنها بوتفليقة في انطلاقتها، بأنها فرصة لحضور أمريكي ينقل الحل في الصحراء إلى واشنطن، وهو ما كرسه بوتفليقة في كل سنوات رئاسته للجزائر، ورفض المغرب اقتراح “مشروع جيمس بيكر”، الوزير الأسبق لخارجية الولايات المتحدة الأمريكية، ومبعوثين أمميين من جنسية أمريكية  مدافعين عن نفس الخطة، وانتقل التكتيك من قيادة أمريكي لمنصب المبعوث الأممي لقضية الصحراء، إلى تعديل كامل في مهام بعثات الأمم المتحدة ضمن استراتيجية جديدة للولايات المتحدة في إفريقيا، وقال مستشار الأمن القومي، جون بولتون: “إن الجزائر جزء موثوق بمهامها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل”.

وثيقة “الدي. آي. إي” كبيرة ومستمرة ودائمة في شخص بوتفليقة، الذي حاول أن يضع حل الصحراء في يد الأمريكيين، ومنذ 24 نونبر 1964، قالت استخبارات وزارة الدفاع: “إن بوتفليقة جزء غير سوفياتي في قيادة الجزائر”، ويجب دعم حياد بلاده لوقف 13 مخططا سوفياتيا في شمال غرب إفريقيا.

 

+ بوتفليقة وقاصدي مرباح وخليفته يزيد زرهوني، الذي شغل منصب وزير الداخلية في رئاسة بوتفليقة للجزائر، ثالوث أمريكي لمنع الدعاية الشيوعية في جبهة التحرير الوطنية، وأول من دفع لبوتفليقة كراء شقة في وجدة هي “السي. آي. إي”، لاتصاله مع واشنطن من خلال “دافيد.ج” الظاهر في الصورة مع قاصدي مرباح المولود في فاس

 

في 19 يناير 1949، تحولت الجزائر في نظر “السي. آي. إي” الأمريكية، إلى خط الدعاية الشيوعية، فاضطرت استخبارات البنتاغون إلى إلحاق عناصر بجهازها واختراق تنظيمات وشخصيات جزائرية وطنية تدعم استقلال الجزائر عن فرنسا مع ضمانات كبيرة بعدم وقوعها في براثن الاتحاد السوفياتي.

وكانت الجزائر على خط البروباغاندا الشيوعية، وبشكل مكثف منذ 1948، كما ينقلها تقرير استخباري لـ”السي. آي.إي”، لأن ليون فيكس، ممثل الحزب الشيوعي الفرنسي في هذا البلد، استثمر كل تحركاته لصالح مخابرات بلاده، وقال بأن هناك وطنيين جزائريين يشكلون بنية مقاومة ضد الاتحاد السوفياتي، ولا يجدون غضاضة في التقرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، ولذلك، سكن بوتفليقة بوجدة.

لقد نبه الأمريكيون إلى الدعاية المفرطة ضد هذه الأسماء الثلاثة، مدافعين عن قوة هذه الشخصيات، لأن الشيوعيين الذين يطلبون مثقفين بميلاد جزائري، وهم خارج الاتحاد السوفياتي، بمعدل 10 في الألف فقط، هم اليوم في الجزائر 6 ملايين شيوعي، ولا يمكن لأحد مواجهتهم، ويمكن عزل كل “عميل للأمريكيين”، ويقول الأمريكيون بأن “بوتفليقة وزملاءه كانوا ضد الإرث الذي تركه بول كاغام وويليام سبورتيوس”، وصنعوا مقاومة محايدة وإقليمية، لكن المشكلة، أن ملك المغرب أراد أن يكون ملك المغرب الكبير، في تعاطف واسع مع الأمازيغ، فيما رئيس الجزائر أحب أن يكون دائما رئيسا للمغرب العربي، طيلة عهد بومديان، واضطر بوتفليقة بعده أن يحتفل مع شعبه  برأس السنة الأمازيغية، وبالتالي، فالعاصمة الرباط غيرت وجه المنطقة، والجزائر تريد أن تديرها ويصبح التناوب على الأدوار.

ويواصل الرئيس بوتفليقة تقديم دور بلاده في المنطقة، دون خصومة مع المغرب، رغم حجم التنافس الرهيب بين البلدين، لأن هذا الرئيس الأصغر من الحسن الثاني سنا، معجب بعلاقات ملك المغرب بالولايات المتحدة الأمريكية.

والملك الراحل، سمح دائما بعمل الشيوعيين في بلاده، وساهم في مستوى من العلاقات مع الاتحاد السوفياتي لا يختلف عن علاقات بوتفليقة وجزء من القيادة الاشتراكية في الجزائر مع الولايات المتحدة؟

تورد وثيقة “السي. آي. إي” المرقمة بـ”2763/77″، أن الجزائر انحرفت بشكل كامل إلى الشيوعية، ومن البديهي أن المخابرات الأمريكية تدخلت 16 مرة لحماية حياة بوتفليقة من الاغتيال، بعد قتل صديقه قاصدي مرباح، الذي حول مكتبا في لبنان إلى قاعدة اتصال مع المخابرات الأمريكية، ودرب جيش البوليساريو تحت خط أحمر رسمته واشنطن، وجعلت الاحتفالات بعيد ميلاد الشخصين يوما واحدا، وبين ميلاد بوتفليقة وقاصدي مرباح سنة واحدة (1937 و1938 على التوالي)، والشخصان بدون فارق في باقي الأشياء، عندما بنى مرباح، واسمه الحقيقي خالد عبد الله، الاستخبارات الجزائرية وعبد العزيز بوتفليقة دبلوماسية بلاده، فأدارا حربا دون إثارة الأمريكيين، وتسلحوا من الاتحاد السوفياتي مع خطين أحمرين: تسليح البوليساريو، والترسانة الصاروخية للجزائر، وعندما أراد بومديان تحويل الصحراء إلى حقل تجارب للصواريخ الروسية، تدخلت واشنطن مهددة بقصف مركز التجريب، فأصبحت القضية خطيرة للغاية، والاشتباك العسكري الجزائري ـ المغربي متوقع في أي لحظة، ودعم الأمريكيون المغرب لوقف هذا المد، ثم توقفوا غداة نجاح صفقة معروفة بشروطها الستة، وقد وقع عليها بوتفليقة لمنع تدمير قاعدة الصواريخ في بشار.

ووافق جهاز “إس. إم” في وزارة الدفاع الجزائرية، على شروط عدم قصف قاعدة تجريب الصواريخ في كولومب بشار، بعد إحياء نشاطها بسلاح روسي شمل كل أنواع “السام”، وبدأ تصنيع أجزاء من هذه الصواريخ فوق الأراضي الجزائرية، مستغلة بنية مساعدة تركها الفرنسيون واستثمرها المتعاونون مع بومديان في انقلاب 19 يونيو 1965، وقد كان وقتها مسؤولا عن الشرطة والدرك والأمن العسكري، وفورا، قرر الأمريكيون وصول قاصدي مرباح، المزداد في مدينة فاس في 16 أبريل 1938، لقيادة المخابرات، وهيأوا للقائه مع ساكن وجدة، عبد العزيز بوتفليقة، وقد شكلا معا بداية “الاتصالات القوية” مع مكتب “السي. آي. إي” في الدارالبيضاء، وعوض المرور عن طريق المغرب، بعد استقلال الدولتين الجزائرية والمغربية، اختارا لبنان، وساهما في الكشف عن مخططات القوميين العرب ضد الولايات المتحدة، لإبطالها في المهد.

ويكتمل الثالوث القريب من واشنطن، بيزيد زرهوني، المعروف بميله إلى وقت قريب، لـ”السي. آي. إي”، وهناك انتقادات من معارضيه على هذا المنحى، خصوصا في حادثة قتل “علي التونسي” و”مسألة الفيلا”، ورفض إلى جانب الرئيس بوتفليقة توسيع اتصالاته مع “الموساد”، للحفاظ على التوازنات الداخلية للجزائر.

وفي تشابك عائلي مدروس بترتيبات أجهزة دولية، منح يزيد زرهوني ابنته كاميليا نفوذا كبيرا واستثمارا توسع إلى المغرب وتونس، فهي ابنة وزير داخلية أسبق وعمها جنرال (أمين زرهوني) وخالها محمد بجاوي الوزير المعروف، وزوجة ربراب حكيم ابن رجل الأعمال سعد ربراب، وهكذا، ففي هذه الخيوط المتشابكة والمدعومة، تعمل توازنات دقيقة، ويتواصل تأثيرها إلى الآن في دوائر القرار.

لا يعرف الكثيرون أن قاصدي مرباح، هندس أول مؤسسة استخبارية في بلاده، بتصميم الأمريكيين، وخلق توازنا مع عبد الحفيظ بوصوف، الرجل الأكثر سرية في جبهة التحرير الوطنية، وهواري بومديان، مارشال الجبهة، وعرف مرباح كيف يدفع بوتفليقة إلى الواجهة مع الأمريكيين، لتعزيز الاتفاق مع فرنسا حول الاستقلال ومستقبل انقلاب بومديان، وتفاصيل التصميم الأولي للاستخبارات الجزائرية قبل أن يقود دبلوماسية بلاده منذ سنة 1963، أي في 3 حكومات لأحمد بن بلة والحكومات الأربعة لبومديان.

 

+ المدافع عن تنويع سلاح الجيش الجزائري، وشرائه من الأمريكيين بعد حرب “الرمال”، لم ينل حظا كبيرا في دائرة القرار العسكري، خصوصا بعد رفض وزارة الدفاع الأمريكية اقتراح بوتفليقة شراء طائرات عسكرية أمريكية مرتين في عهد بومديان، فأطلقت الجزائر مخططها العسكري إلى جانب الاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا، وحاربت بهذه الأسلحة في حرب الصحراء (1975ـ1991)

 

قال بومديان: نقبل الصفقة مع “السي. آي. إي”، لا صواريخ قارية في المنطقة وخط أحمر على البلدين في قضية التزود أو نشر أسلحة دمار شامل، على الأراضي الجزائرية أو المغربية.

لم يكن بوتفليقة رجل أمريكا فقط في إدارة بومديان، بل رجلا استطاعت استخبارات البنتاغون عبره تنظيم لقاءات سرية للغاية، أدت إلى حماية جنود أمريكيين في إفريقيا، والتدخل لرسم حلول جزئية في أغلبها “يعزز السلام في الحرب الباردة”.

ولم تتمكن الولايات المتحدة من نشر لقاءات مع هنري كيسنجر، المعجب ببوتفليقة، تضمنت قرارات صعبة وسط شيوعيين، وتمكنت من القول إنه رجل يصالح التيارات وأنصار الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، قبل أن يصالح العلمانيين والإسلاميين في بلاده، ويخرجها من حرب أهلية عصية تحارب فيها الجيش وفصيل مجتمعي محافظ.

لقد أيقظت “العشرية السوداء” تجربة بوتفليقة في حصر تأثير قيادة الأركان كما في صراعها مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وتواصلت مع كل الحكومات المدنية، وهو يعرف خفاياها كما يعرف شروطا سرية لتطور نزاع الصحراء لقيادته الحدود الجنوبية مع مالي، حين تحرك بوتفليقة باسم حركي (عبد المالك مالي).

في وقت حرج، عرفت جبهة التحرير الجزائرية كيف وعد الأمريكيون بمنح دعم مالي مباشر لمواصلة “مدرسة الأطر” في دار الكبداني بين وجدة والناظور في تواصل مباشر مع بوتفليقة، وتخلت واشنطن عن الأمر بعد ضغوط من فرنسا، وتقدم الولايات المتحدة المصالح الفرنسية، كمصالح مشتركة، وهذه المعادلة باقية إلى الآن، فليست هناك مصالح مغربية أو جزائرية تقدمها الولايات المتحدة على مصالحها، بل مصالح فرنسية فقط في هذه القضية أو تلك.

وتدير هذه الفكرة كل استراتيجية بوتفليقة إلى اليوم، وقد اختار الرئيس الحالي للجزائر خلق صدمة للولايات المتحدة الأمريكية بطلب شراء سلاحها للدفاع عن الجزائر، وقبل أن ترد الجزائر، أكدت على قبولها المبدئي بتزويد بلاده بأسلحة هجومية بشرط واحد: عدم نشر صواريخ قارية سوفياتية على الأراضي الجزائرية، ورد بوتفليقة قائلا باسم الرئيس بومديان: “نريد عدم نشر أي صواريخ مماثلة في المغرب”، لتؤكد “السي. آي. إي” أنها لم تعرف عن حدوث أي اتصال بين بوتفليقة والرئيس بومديان في هذا التوقيت الحرج.

وفي شهادة للمخابرات الأمريكية، فإن بوتفليقة رفض أي حرب ممنهجة ضد الحركيين المقاتلين إلى جانب فرنسا، كما رفض أن تكون الحرب ضد الإسلاميين في بلاده “حرب دولة”.

ولم يساعد الأمريكيون بوتفليقة في عودته من سويسرا لحكم بلاده، لكنهم رفضوا اتهامات حول تحويل أموال من الجزائر إلى الخارج مع الشاذلي بن جديد، إذ قال في مذكراته، أن “بوتفليقة لم يرد سوى 10 في المائة إلى الخزينة الجزائرية من متأخرات حساب لوزارة الخارجية لبناء مقر آخر”، ومعروف عن بوتفليقة، اقتراحه منصب نائب الجمهورية، لكن بومديان رفض، لأنها ستذهب إليه، ولا يريد للعسكريين أن يختاروا خليفته، لكن الجيش اليوم لا يريد ترشيح أي اسم بمن فيه بوتفليقة، طبقا لـ”السي. آي. إي”.

 

+ الشاذلي بن جديد فضل أن يكون المخاطب مع الأمريكيين، هو الحسن الثاني، عوض عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجية بن بلة وبومديان

 

لقد أحس الشاذلي بن جديد، وهو رئيسا للجزائر، أن واشنطن تفضل أن تقدم وزيرا على الرئيس، ووافق على نقل الرسالة إلى ملك المغرب، لكن خلافا حدث، وتنازع قائدا الجزائر والمغرب حول من يكون رئيس اتحاد المغربي العربي، فانفجر غضب بن جديد، لكنه رفض توجيه رؤوس الصواريخ نحو المغرب، كما طالب بذلك الجنرال خالد نزار.

لم يرد بوتفليقة أن يكون بن جديد رئيسا لبلاده، على حد تعبير الوثائق المنشورة لثلاث أجهزة مخابرات عالمية، لكن بتفضيل الشاذلي بن جديد للملك الحسن الثاني أن يكون قناته مع الأمريكيين، دعم المغرب إبعاد بوتفليقة، وعاد الأمريكيون إلى ترشيح بوتفليقة مع استقالة بن جديد، لكن الجيش تخوف من أنصار الرئيس المستقيل، ولم تنجح محاولة اغتيال بوتفليقة واغتالوا عرابه ومهندس وصوله إلى الرئاسة، قاصدي مرباح.

وسعى بوتفليقة دائما إلى تسوية مباشرة مع جنرالات الجيش على أن يتقدمهم قاصدي مرباح، لكن تغليبه لـ “الحس الأمازيغي” لأن أصله من تيزي وزو، حال دون ذلك، وقد توصل الأمريكيون بتأكيد من باريس يقول “إن وصول مرباح إلى الرئاسة الجزائرية، سيكون إعلانا عن تغيير في خارطة المغرب العربي، وقيادة الجزائر للمنطقة”، لأن مرباح “قبايلي”، وأدار مكتبا للمخابرات الجزائرية في غدامس وفي جبال نفوسة بليبيا ومزداد بفاس المغربية، وقد اعتمد على العنصر الأمازيغي بنسبة 90 في المائة في إدارته للعمليات السرية.

وبشأن دعم مرباح لوصول بوتفليقة إلى رئاسة الجزائر، أوضحت هذه المصادر الاستخبارية، أن هذا الدعم كان مشروطا بموافقة “السي. آي. إي”، وتركت واشنطن الأمور تأخذ مداها، فاغتيل مرباح وأبعد الجنرالات بوتفليقة، وانتقل إلى سويسرا وبقيت لقاءاته كثيفة مع استخبارات البنتاغون من خلال الإمارات.

وبفعل متواصل من تياره الذي أنقذته “السي. آي. إي” من التحطيم، اقترح الجميع بوتفليقة رئيسا، وأتى بيزيد زرهوني وزيرا للداخلية، في فترة عصيبة، ليقود البلاد بحل جهاز المخابرات “دي. آر. إس” والعودة به إلى نسخة قاصدي مرباح، الذي قدم التوافق الجزائري مع أمريكا على كل شيء آخر، وهو الذي غادر في 15 يونيو 1980 الكتابة العامة لوزارة الدفاع الجزائرية، ليصبح نائبا لوزير الدفاع إلى 1982، ثم مكلفا باللوجستيك والصناعة الثقيلة، وقاد “لبرلة” القطاعات الزراعية بعد انتقاله إلى وزارة الفلاحة، لكن سرعته نحو “الأمركة” كانت أكبر من بوتفليقة، فاصطف إلى جانب الخط الليبرالي للرئيس الشاذلي والحسن الثاني، وراهنت الرباط على عدم تقدم بوتفليقة إلى رئاسة البلاد، وهو ما يعتقده بوتفليقة إلى اليوم، وهو يقول: “لم يستطيعوا أن يجعلوا مصيري، مصير قاصدي مرباح”.

 

+ الشيخ زايد رفع التحفظ الأخير لـ “السي. آي. إي” لوصول بوتفليقة إلى رئاسة الجزائر، والإمارات اليوم تدعم قايد صالح لإدارة المرحلة الانتقالية

 

رغم صلات بوتفليقة القوية باستخبارات البنتاغون التي حمت حياته لأكثر من مرة، فإن “السي. آي. إي” التي تقرأ الأمور من توازنات وليس من الصداقات والولاءات فقط، وجدت تحفظا واحدا على الأقل في وصوله إلى رئاسة بلاده، لكن تدخل الشيخ زايد في تبرير الأموال التي لدى بوتفليقة، وكفاءته وإعادة تسويق اسمه مستشارا في الديوان الأميري، قلب الكفة، وسكت المغرب عن هذا التطور، وأسقطت “السي. آي. إي” أي تحفظ عن رغبة الجيش الجزائري والاستخبارات الغربية في وصول بوتفليقة إلى الرئاسة.

لقد نزلت أموال ضخمة لتمويل حملته الانتخابية، وانتهى الوضع الجديد إلى اتفاق إقليمي يتجاوز اغتيال بوتفليقة، كي لا يتكرر سيناريو صديقه قاصدي مرباح، أو سلفه بوضياف.

ومن المهم، أن نعرف أن الأمريكيين حافظوا على حياة بوتفليقة، وكشف الفرنسيون محاولتين انقلابيتين زادتا من تقارب الرئيس الجزائري وفرنسا، حين اختارها مكانا لعلاجه، قبل أن يتراجع لرفض باريس إقالة الجنرال مدين.

وتوضح “السي. آي. إي” أن حياة الملك المغربي والرئيس الجزائري، خط أحمر في الأجهزة الاستخبارية، لقد كان بومديان واضحا في رفض انقلاب أوفقير، واتصل بالملك الحسن الثاني قائلا: “حياتكم خط أحمر، لن يقبل أحد تجاوزه”.

لقد حمى بومديان نفسه من أي انقلاب قد يديره الحسن الثاني، وتأكد الملك المغربي من عدم وجود أي يد جزائرية خسيسة تشارك في أي انقلاب ضده، ويحترم البلدان نفس الخطوط المرسومة إلى الآن.

 

+ بوتفليقة عالج ولا زال يعالج الثغرات لإنجاز علاقة جزائرية أمريكية استراتيجية انتهت بحوار استراتيجي بين واشطن والجزائر العاصمة، وقد قاتل في عهد بومديان كي لا تبيع واشنطن سلاحا قاريا إلى الرباط، وفور خروجه من وزارة الخارجية الجزائرية، قررت إدارة الرئيس كارتر في 1980 بيع أسلحة أمريكية للمغرب، واستمرت قناعته في وزارة الدفاع إلى الآن

 

إن العلاقات التي جمعت بوتفليقة واستخبارات البنتاغون، عرقلت بيع السلاح الأمريكي للمغرب، وبعد دخول الرباط لوادي الذهب سنة 1979، ضرب الحسن الثاني بهذه الخطوة عصفورين بحجر واحد: إبعاد بوتفليقة عن خارجية الجزائر، وإسقاط تحفظ “السي. آي. إي” بشأن بيع السلاح الأمريكي للمغرب.

ونشرت “واشنطن ستار” في 13 فبراير 1980، مقالا بقلم هنري ميلر، يؤكد على اهتمام الجزائريين بصفقة عسكرية بين واشنطن والرباط بـ 235 مليون دولار تضم مروحيات وقنابل موجهة للاستخدام ضد البوليساريو.

وكانت الصفقة ضربة قوية، وبقرار شخصي من مستشار الأمن القومي، بريجينسكي، لأنه رفض إقالة بوتفليقة، تبعا لما يراه من فائدة في عدم خلق أزمة صواريخ جديدة سوفياتية ـ أمريكية في الصحراء، وإثر مواصلة الجزائر لتصنيع صواريخ “سام” في مركز “كولومب بشار”.

وقبل أن يصل السفير السابق، أندرو يونغ، إلى تندوف، قابل بوتفليقة، وقال لأصدقائه: “يمكن بناء علاقات جيدة مع الجزائر، إن وصل هذا الشخص إلى القيادة”.

في هذه الأثناء، جاءت توقعات “السي. آي. إي” كما أوردها المقال، غير واقعية، وقد تنبأت بالسيناريو الإيراني في المغرب، وأن يكون مصير الحسن الثاني مثل مصير الشاه، لكن بوتفليقة عارض هذا التوصيف الأمريكي، وقال: “إن واشنطن تريد المزيد من المقارنات، وهي تشجع الجيش على حسم معركة الصحراء للالتفات إلى معركة أخرى، لكن الخارطة تغيرت كليا في داخل المملكة”.

وفعلا، اختلف تقييم استخبارات البنتاغون “دي. آي. إي” عن “السي. آي. إي”، وتخطى الملك الحسن الثاني فاتورة الحرب بأكثر من مليون دولار يوميا، وقال: “نحن أمام خسارة أكثر من مليون دولار يوميا، ولو سكتت البنادق، أي حوالي 500 مليون دولار سنويا، وكل طرف من أطراف الحرب أو الأطراف التي خسرت أموالها، لن نطلب منها خسارة موقعها”.

 

+ استخبارات البنتاغون تكتب تقييم بوتفليقة بعد شهر من خروجه من منصب وزير الخارجية، كما تكتب اليوم خروجه من الرئاسة، لكنها تريد هذا الخروج محترما

 

لم يكن بوتفليقة عدوا للمغرب أو ضد استقراره، لكنه منافس قوي للمملكة ودبلوماسيتها، فممارسة الضغوط، جزء من تكتيك أمريكي، لأن استخبارات البنتاغون سمحت ببيع أسلحة إلى المغرب، فيما “السي. آي. إي” تقول بسيناريو الشاه في المغرب، ولم تكن المسألة سوى مناورة لدعم القوات المغربية في وادي الذهب، بهدف وقف البرنامج الصاروخي الجزائري بشكل نهائي في بشار، ولم يعط الجيش الجزائري أي تعهد بإغلاق المراكز المثيرة للجدل، ومن جهته، لم يقم الحسن الثاني بأي اعتراض على التسليح الإضافي لجيشه، ولم يتخوف من أي رد شعبي أو عسكري على خطواته.

وبعد شهر من خروجه من مبنى خارجية بلاده، كتب بوتفليقة بشكل مطول، قائلا أن الحل في الصحراء، لن يكون غدا، لأن الأمريكيين قرروا دعم الحرب في عهد كارتر، والرئيس الأمريكي تخوف من مصير حلفاء أمريكا في المنطقة.

ولم يتغير الشيء الكثير في المنطقة، إلا بعد خروج الجزائريين إلى الشارع ، فالجزائر ما بعد بومديان تواصلت، كما تتواصل الملكية بعد الحسن الثاني، ولا علاقة لمصير الصحراء بمصير الملكية في المغرب، فالقصر قوي.

واعتمد الأمريكيون على رأي بوتفليقة وتقييمه في 1980، وتكرر بعدها مرتين على الأقل، ولذلك، فالفشل في الصحراء، ليس فشلا عسكريا جزائريا أو مغربيا، لأن البلدين لم يدخلا الحرب، ويديران معركة يومية.

 

+ الرئيس بوتفليقة يدرك أن تقييمات جيشه أصبحت مستقلة وأكثر موضوعية وغير ثورية، وأي حرب بين المغرب والجزائر، ستكون مدمرة وكارثية، لذلك لا يرغب أن يسقط جندي جزائري آخر في الصحراء، وبعد رفض مبادرته لتقسيم الإقليم المتنازع عليه بين البوليساريو والمغرب، قرر الرهان على الحرب، فانقلبت الصورة

 

وضع بوتفليقة كل الأوراق في يد قايد صالح، دون أن يسلمه منصب وزير الدفاع، وسلم بشير طرطاق نسخة أخرى من “دي. آر. إس” لخلق التوازن دون حماية أو استثناء بشأن العمليات الخاصة التي تدخل على خطها رئاسة الأركان، وقد حول الدرك والشرطة إلى جهازين بنواتين استخباريتين لإكمال المربع.

وحاليا، ينظر بوتفليقة بـ 6 عيون، ومن 7 تقارير مفصلة، فالصفقات العسكرية مع روسيا تحت “المراقبة التقنية”، وهو ما أزعج بوتين الذي وافق على فتح مكتب يرث الـ”كا. جي. بي” في العاصمة الرباط، وليس في العاصمة الجزائر، لكن بوتفليقة فضل التعاون السري مع استخبارات جنوب إفريقيا والـ”دي. آي. إي”.

وأهل بوتفليقة لاعبا جديدا في شمال إفريقيا، هي استخبارات جنوب إفريقيا، التي أخذ الرئيس الجزائري تكتيكاتها في مكافحة الإرهاب ومكافحة التجسس، وأيضا الوضع الداخلي، لأنها أسست عقب الانتخابات التشريعية لسنة 1994.

لقد عاش بوتفليقة 3 سنوات يقرأ عن هذه التجربة، ويسأل عن تفاصيلها وهيكلتها، لأنها أتت على إثر حل مكتب أو استخبارات “بوس” (مكتب أمن دولة جنوب إفريقيا).

وتسير الجزائر في نقل استخبارات “دي. آر. إس” إلى استخبارات مديرية الأجهزة الأمنية “دي. إس. إس” بنفس خطوات انتقال جنوب إفريقيا من “بوس” إلى “نيا”.

ويحيط الجزائريون ما يحدث، بكثير من السرية، إلى الحد الذي قال فيه بوتفليقة: إن نموذجه هو جنوب إفريقيا من المصالحة إلى محاربة التجسس، وكلما زاد التعاون الجزائري ـ الجنوب إفريقي، زاد تحالف جنوب إفريقيا والجزائر في موضوع الصحراء.

وأخذ بوتفليقة على عاتقه، أن يحول الجزائر إلى لبنان ديمقراطية، وانتقال من بعده يسعف آمال الأجيال الأخرى، لأن أنصاره اهتموا بالتحالف مع الولايات المتحدة، ولكن بنفس المسافة التي تتركها جنوب إفريقيا في علاقتها بواشنطن.

ومع ذلك، لم ينجح الرئيس الجزائري في هذا الرهان، لأن استخبارات جنوب إفريقيا “نيا” فتحت مكتبا في العاصمة الجزائرية ثم أغلقته، تبعا لقانونها التنظيمي، إذ لا يسمح إلا بالعمل داخل الحدود.

وبعد جدل، أرسلت مستشارين منها إلى الرئيس الجزائري الذي يرى نفسه مدافعا أخيرا عن المغرب العربي، لأن المغرب غير اسم المنطقة إلى المغرب الكبير، وتتواصل حرب الزعامة بين الملكية الوحيدة في إفريقيا، وعلى الحدود الغربية للجزائر وبين رئيس المغرب العربي كما سمى نفسه في أعقاب اقتراحه لـ”تقسيم الصحراء على ضوء اتفاقية مدريد، على أن يعترف المغرب بالاتفاقية الموقعة بين موريتانيا والبوليساريو”، وفي لقاء مع مسؤول أمريكي قال: “إن الجزائر لن تسمح في المستقبل بمواصلة توازناتكم التي تجمد المنطقة، فالجزائر ستدافع عن رؤيتها، والمغرب في الصحراء لا يختلف عن حضور فرنسا في مالي، وحضوركم في ليبيا، وأي تسوية، تبدأ من هذه النقطة”.

وحسب وثيقة أمريكية، فإن بوتفليقة لا يحمل نظرة الجيش الجزائري إلى مشكل الصحراء، وباقي مشاكل المنطقة، ويريد أن يكون الوحيد الذي لديه نظرة في الاستخبارات والبترول والتجارة، قد لا تكون فعالة، لكن القوى الغربية لا ترى في الساحة الجزائرية من لديه رؤية أخرى، وقد خلط الأوراق بحل جهاز استخباري حكم الجزائر لربع قرن، صنع فيها الرؤساء وعينهم وفرض عليهم القرارات، وحاليا، يدير الرئيس القرار، ومن دون مناورات وصراع للمكاتب، يعيش بمعلومات وافرة، تنقل له تفاصيل لا يهتم بها في الغالب، وينتقل إلى تأمل من الثامنة والنصف صباحا إلى الساعة الحادية عشر والنصف في اليوم الواحد، وبعد العصر، يكون القرار منتهيا، لكن الرئيس الجزائري محاصر بالمرض المميت، والتظاهرات، فيما طاقمه يريد إكمال مشواره والوصول إلى أهدافه، فتدخلت فرنسا لتؤكد دعمها لخطة بوتفليقة دون بوتفليقة، ويواصل الأمريكيون دعم موقف قايد صالح، والجزائر مؤهلة لطي صفحة بوتفليقة وإلى الأبد.

 

هوامش

  • Affaibli, Bouteflika est sous menace vitale permanente, monde / Afrique, Bouteflika nécessite soins constants – révélations /story / 23175743.
  • C72659 décembre 1964.
  • Ces archives de la DGSE qui éclaboussent la réputation Bouteflika, liberté – Algérie, 28/2/2019.
  • Le nouvel obs suggère que Bouteflika serait derrière l’assassinat de Karim belkacem, le matin d’Algérie.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!