في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | مارس.. عندما ورط الاتحاديون المرأة المغربية في صراع دموي مع النظام

ذكرى آخر محاولة حزبية للانقلاب على الملكية

إعداد: سعيد الريحاني

ككل سنة، تستغل الأحزاب السياسية، يوم 8 مارس، للاحتفاء بالمرأة وتنظيم أنشطة ذات طابع نسوي، حيث يتم تجديد المطالب بتمكين المرأة والنهوض بوضعيتها(..)، علما أن هذا اليوم حتى في معناه التاريخي لا يرتبط بالاحتفالات، بل يرتبط بأسوإ الأزمات(..)، وكما هو الشأن في أمريكا حيث يحيل تاريخ 8 مارس على أول مظاهرة نسائية شاركت فيها آلاف النساء وسط نيويورك احتجاجا على ظروف العمل والاستغلال في معامل النسيج.. فإن الأمر نفسه ينطبق على حالة المرأة المغربية، بل إن شهر مارس، الذي تتلقى فيه النساء الورود، هو نفسه الشهر الذي تعرضت فيه المرأة المغربية لأبشع أنواع التعذيب، بعد توريطها في آخر محاولة انقلابية ضد الملك الحسن الثاني يوم 3 مارس 1974، وكان المغرب قد شهد في بداية السبعينات محاولتين انقلابيتين، الأولى قادها الجنرال محمد المذبوح والكولونيل امحمد عبابو سنة 1971، فيما قاد المحاولة الثانية الجنرال محمد أوفقير سنة 1972.

ولا شك أن كثيرا من النساء المغربيات، سواء المدافعات عن المساواة أو الريع السياسي المتمثل في الكوطا، لا يتذكرن النساء اللواتي تعرضن للتعذيب سنة 1973، عندما تورط “الاتحاديون” في محاولة الانقلاب المسلح على نظام الحسين الثاني، والتهمة هي التستر على الأزواج.. من تعرف اليوم فظمة أمزيان، الملقبة بأم حفيظ، والتي اختطفت ولم يفرج عنها إلا بعد أربعة أشهر، ومن تعرف عيدة بوقويبة واحدة من الصامدات، التي ظلت واقفة إلى أن وافتها المنية بعد معاناة مريرة مع المرض، وهي زوجة محمد أومدا وشقيقة أحمد بوقويبة، أحد قادة أحداث مولاي بوعزة، التي تم تهديدها برمي ابنتها من الطائرة.. من تعرف فاطمة أعساري ابنة محمد أومدا بالتبني، تم صلبها في شجرة بأرض خلاء، من سمعت عن أمينة سلاك زوجة موحى أوحمو أمحزون الذي سقط رميا بالرصاص، بعدما اعتقلت هي وابنها الرضيع.. لقد كان أكثر ما يستفز المحققين، والمتدخلين في قضية “أحداث مولاي بوعزة”، هو أن الرجال المتورطين(..) كانوا يبيتون في منازلهم، تحت حماية زوجاتهم، وفي الصباح يصعدون للجبل هربا من قوات الأمن..

حتى الاتحاديون لا يتذكرون اليوم هذه الأحداث، بل إن منظمة المرأة الاتحادية اكتفت بإصدار بلاغ روتيني بمناسبة 8 مارس، ولم تكن هناك أية إمكانية لقراءته في موقع الحزب، بسبب المشاكل التقنية التي رافقت نشره.. وربما لا يعرف “اتحاديو اليوم” أن الصيغة الناعمة لحزب الاتحاد الإشتراكي التي تحولت إلى آلية حكومية(..)، لم تظهر إرهاصاتها الأولى إلا بسبب تداعيات شهر مارس لسنة 1973.

ففي سنة 1973، تم حضر حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (جناح الرباط) بسبب تداعيات أحداث مولاي بوعزة، بعد الاجتماع الذي دعا إليه كل من عبد الرحيم بوعبيد واليازغي والشاوش والحبابي، وقتها قرر الاتحاديون الرباطيون، التحرك لمنافسة فرع الدار البيضاء الذي كان ينشط في صفوفه عبد الله إبراهيم والمحجوب بن الصديق، غير أن هذه التطورات لم تكن لتروق الجناح الثوري للحزب في الخارج، خاصة الفقيه البصري، الذي عمل على بعث مجموعة مسلحة من الأراضي الجزائرية، كان من بينها محمد بنونة، كان هدفها الشروع في الانقلاب على النظام..

وساهمت الأحداث السالفة الذكر، في الفصل التاريخي بين جناحين داخل الاتحاد الاشتراكي، جناح يؤمن بالثورة حتى وإن تطلب الأمر التعاون مع قوى خارجية، وجناح يؤمن بالتغيير من الداخل بقيادة عبد الرحيم بوعبيد، لذلك وضع المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 حدا فاصلا مع عبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري، اللذين وجدا نفسيهما خارج التنظيم، وها هو الزمان يدور دورته ليجعل الاتحاديين كلهم في نفس الكفة، بعد عودة الفقيه البصري واليوسفي..

وسبق أن روى شاهد عيان لـ”الأسبوع”، أن الفقيه البصري كان قد عقد لقاءا مع معمر القذافي، من أجل التهييء لإطلاق شرارة الثورة ضد نظام الحسن الثاني، وقد كان البصري متفائلا جدا بإمكانية تحقيق النجاح، حتى أنه أكد للقذافي أن المواطنين سينخرطون كلهم في الثورة مباشرة بعد إطلاق النار ضد قوات النظام.. وقد كان محمد بنونة (المعروف بمحمود)، القائد الميداني وأحد أعضاء التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي كان يقوده الاتحادي الفقيه البصري.

يمكن الوقوف على القصة المؤلمة لمحمد بنونة، من خلال الاطلاع على كتاب “أبطال بلا مجد” لمؤلفه المهدي بنونة، ابن محمد بنونة، وهو الكتاب الذي تمت ترجمته إلى اللغة العربية من طرف الكاتب علي أيت حماد، لكن إعادة ترتيب شريط الأحداث، قد يقود إلى بعض الخلافات في الرواية، لكنها رواية بنفس الأشخاص، فكل من محمد بنونة ومحمد بنيحيى ومحمد أيت قدور ومحمد أوشن ولحسن مختبر والحسين المانوزي ومحمد الفلاحي وعبد الغني السرايري وعبد الله الدامون، وإبراهيم التزنيتي ومولاي سليمان العلوي وعمر دهكون وعبد الله أمحزون ولحسن تاغجيجت ومحمد بن الحسين الملقب بـ”هوشي منه”، اتحاديون ارتبطت أسماؤهم بـ”الثورة” عن طريق كوماندوهات مسلحة، كان يقودها المهدي بنونة قبل أن يلقى حتفه في قرية أملاكو، والحكاية كلها تفرض التساؤل عن النسوة اللواتي رافقن هؤلاء الرجال، سواء كن أمهات أو زوجات أو حالمات بالثورة(..).

كان هدف الثوار الثائرين في منطقة مولاي بوعزة، هو الهجوم على منزل قائد المنطقة، للحصول على السلاح(..)، وكانت مولاي بوعزة مدينة صغيرة وهادئة ينقطع عنها الكهرباء يوميا عند حدود الساعة الثانية عشر ليلا، عندما يصدر أمر السلطات المحلية بإيقاف مولد الكهرباء الضخم الذي كان يزود المنطقة بحاجياتها من الكهرباء.. وفي ليلة 2 و3 مارس 1973، كان التخطيط قد وصل إلى أوجه.. وقبل تنفيذ الهجوم، كانت خلية خنيفرة قد شرعت في التدريب منذ حوالي شهرين بضيعة موحى أولحاج، في مكان يسمى “الكعيدة”، بالمقابل اختارت خلية محمد بنونة، المسير الرئيسي، الاستقرار بـ”أملاكو” (دائرة كلميمة)، غير أن التقارير المخابراتية، لم تكن لتعرف ذلك إلا بعد فوات الأوان، ليظهر للمحققين أن من بين المتورطين، عون للسلطة المحلية(..).

جاءت ساعة الصفر، وكان الهدف هو مهاجمة مركز القوات المساعدة بغرض الاستيلاء على السلاح، وبالموازاة مع ذلك، كان المطلوب هو تنفيذ هجوم على منزل قائد المنطقة، غير أن الهجوم فشل فشلا ذريعا، وكل ما حصل، هو مقتل رجل القوات المساعدة (السي موح)، الذي كان يحرس منزل ممثل السلطة.. بينما ساهم دوي الرصاص في إيقاظ سكان القرية، ليهرع رئيس الجماعة، الحاج بوعزة، لنجدة ممثل السلطة المحلية، مصحوبا بعدد من المواطنين الذين كانوا يحملون البنادق ويطلقون الرصاص في الهواء، كدليل على الاستعداد للمواجهة..

((كان محمود واثني عشر رجلا من رجاله قد اجتمعوا لتناول وجبة العشاء، وهم أولائك الذين دخلوا من الجزائر، أمثال السي إبراهيم الصغير والنجار وفريكس وسليمان العلوي، ومسيري خلايا المنطقة (أملاكو) عدي شان وأومهرير، وأسكونتي، وسعيد أوخويا وموحى أوحمو وسي حمو علا.. وواحد مدسوس بينهم.. لم تكن وجبتهم قد انتهت عندما أعلن الراديو الهجوم على مولاي بوعزة، جمد الخبر الحاضرين  في صمت يملؤه الهول، وبقي الرجال مشدوهين.. ومحمود (بنونة) نفسه بقي مذهولا.. لأن هذه الانطلاقة المعزولة، كانت تورط كل التخطيطات التي تم التحضير لها منذ شهور..)) حسب ما يحكيه المهدي بنونة في كتابه “أبطال بلا مجد”.

نتيجة ذلك، كان من الطبيعي أن تشرع قوات الأمن في تمشيط المنطقة، ذلك أن إطلاق الرصاص في مغرب السبعينات لم يكن ليمر هكذا، دون حاجة لقانون الإرهاب(..)، وقد كان القدر المحتوم ينتظر محمد بنونة في منزل “المقدم” حيث كان يختبئ رفقة رفقائه.. لأن سر الخلية كان قد افتضح.. داخل منزل المقدم واثنين من رفقائه، مستعدون للمواجهة الأخيرة، هما سليمان العلوي وفريكس.. كلهم كانوا مستعدين لإطلاق النار في مواجهة فرقة القوات المساعدة التي كان يقودها الملازم أوعرجي.. واستمر تبادل إطلاق النار لما يزيد عن 5 ساعات، ولم يكن الحوار لينفع بعد أن أيقن محمد بنونة أنه أمام موت حتمي.. ولكن المشكلة الوحيدة، كانت هي زوجة المقدم التي كان يختبئ عندها بنونة ورفقاؤه، وكان من اللازم أن تعيش من أجل أبنائها، حسب ما قاله لها بنونة الذي قال لها أمام شجاعة الموت: ((نحن سنموت وأنت يجب أن تعيشي من أجل أبنائك.. خذي طفليك واخرجي، لن يحدث لك شيء..)) (نفس المصدر/ كتاب المهدي بنونة).

هذه المرأة التي لا يتحدث عنها المحتفلون بـ8 مارس، والمهتمون بأحداث 8 مارس، لم تكن سوى واحدة من القصص الأليمة، لنساء الأطلس اللواتي ورطتهن محاولة انقلاب اتحادية فاشلة في مواجهة مباشرة مع النظام، وكل ما تم تداوله فيما بعد على لسان المؤرخين، هو تفاصيل الحملات التمشيطية بالجيش والكلاب.. ليمثل يوم 25 يونيو 1973 أمام المحكمة العسكرية بالقنيطرة، 159 معتقلا، تتراوح أعمارهم بين 30 و60 سنة، وتطالب النيابة العامة بإعدام 139 منهم، لأن أصغر تهمة، كانت هي حيازة العتاد والسلاح بطريقة غير قانونية.. لتعرف القضية بقضية عمر دهكون ومن معه.. وهي المجموعة التي حكم عليها بالإعدام من طرف المحكمة العسكرية بالقنيطرة، وتم إعدام أعضائها يوم الفاتح من نونبر 1973 على الساعة السادسة صباحا و38 دقيقة بالسجن المركزي بالقنيطرة، بحضور رئيس المحكمة ووكيل الملك ومحامي الدفاع، بالتزامن مع يوم عيد الأضحى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!