في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | إشكالية تقاعد بن كيران بين اللؤلؤ والمرجان.. كشفت عن الوزير الذي اشمأز من العمل مع الملك

بقلم: مصطفى العلوي

إشكالية تقاعد الوزير الأول، أو رئيس الحكومة، ظاهرة جديدة بالتأكيد، لأن منصب الوزير الأول في عهد الحسن الثاني، وعلى مدى السنوات الطوال التي قضاها في الحكم، كانت تكاد محصورة في أقطاب لا حاجة لهم بالتقاعد، زمان كان فيه رؤساء الحكومة، بلافريج، وعبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم، والحسن الثاني نفسه، لا يأخذون التقاعد، ليتأكد أن ما نشر عن تقاعد عبد الله إبراهيم، مجرد تلويح سياسي، أما الرؤساء الذين دخلوا الحكومات من بوابة الأحزاب السياسية، وعلى رأسهم أحمد عصمان، صديق الملك وصهره، وكان وزيرا أولا في سنة 1972، ثم وزيرا أولا في 1977، وربما كان الكلام في حقه عن تعويض التقاعد، يعتبر تنقيصا من قيمته، مثلما أن عز الدين العراقي، البورجوازي بطبيعته وكان رئيسا في سنة 1986، وأحمد العراقي قبله كذلك في سنة 1969، مثلما لم يكن الرئيس إدريس جطو في حاجة للتقاعد طبعا.

وحتى المحامي المقرب من العائلة الملكية رئيس الحكومة سنة 1979، المعطي بوعبيد، وكان نقابيا، ليس في حاجة إلى تقاعد، وهذه حكاية عبد اللطيف الفيلالي الذي كان وزيرا أولا في حكومة 1994، وبعد التعديل، عاد وزيرا أولا في 1995، ثم وزيرا أولا في سنة 1997، ورغم هذا، فهو الذي كشف في مذكراته أنه بعد أن أقيل لترك المهمة لعبد الرحمان اليوسفي، الذي أسس حكومة التناوب في سنة 1999، بقي معروفا عن الوزير الأول المغوبش، عبد اللطيف الفيلالي، أنه اجتاز أزمة مع الحسن الثاني، جعلته يصارح الزمن مرة عندما استدعاه الملك، ويكتب في مذكراته: ((وبالرغم من اشمئزازي، عدت إلى العمل بجانب الملك))، ويحكي أنه بعد إقالته، كان قد جمع أمتعته وذهب ليسكن مع زوجته “آن” في بيتها بباريس، ليكتب غاضبا(…) مرة أخرى: ((حملت حقائبي، وتوجهت إلى باريس، مع ولديّ اللذين كانا يدرسان بثانوية “لوكانال”، وأنا أقول: إن هذه الفترة انتهت، وأنه لم تعد لي علاقة بالدولة المغربية(…)))، ليشرع في البحث عن عمل، ربما ليتعيش به، فيكتب: ((بدأت في البحث عن عمل بمساعدة بعض أصدقائي، وكان من بينهم الوزير الفرنسي “أندري مالرو”، لقبول شغل بشركة “شال”)).

فلا تقاعد إذن، ولا هم يحزنون، خصوصا وأن هذا الوزير، فيلالي.. من قبيلتنا مدغرة(…)، نحن الذين يتطابق اسمنا مع الكثير من أجدادنا الذين كانوا دائما يقولون لا.. لا.. ومن ذلك انطلق تعبير فيلالا..

ويكرس الوزير الأول الفيلالي ويفسر انعدام ظاهرة التقاعد، بالمزيد من التفسير، عندما جاء مرة لزيارة أخيه “ماو محمد” الذي كان مديرا في فندق حسان بالرباط، ليحكي أن التلفون سرسر في بيت أخيه، ليقول المتكلم أنه الحسن الثاني يريد مكالمته، فيكتب: ((كنت مصرا على عدم الاستجابة لهذه الدعوة، لكن أخي أقنعني بالرد على المكالمة))، وذهبت إلى الموعد الملكي في السادسة مساء، حيث استقبلني الملك بحضور الوزير الأول، كريم العمراني، ليعرض علي الحسن الثاني مهمة أجبته عنها بالرفض(…) ((لأني وجدت عملا بباريس، فتوجه الحسن الثاني نحو كريم العمراني غاضبا وقائلا له: يبدو أن صديقك الفيلالي وجد عملا بباريس، ليجيبه الوزير الأول، إنه يمزح، فلن يستطيع الامتناع عن العمل لحماية بلده)) (المغرب والعالم العربي. مذكرات عبد اللطيف الفيلالي).

وتبقى ظاهرة تقاعد رئيس الحكومة، جديدة في هذا الزمن، بدأت مع الذي أصبح وزيرا أولا بعد الفيلالي، رئيس حكومة التناوب، عبد الرحمن اليوسفي، الذي لم يترك له نضاله الطويل فرصة ليفكر في الثروة، فلم يجن من هذا النضال الذي طال أكثر من ستين عاما، حتى مسكنا يسكن فيه، وهي الإشكالية التي فكر فيها أصدقاؤه في هيأة الإنصاف والمصالحة، وربما أرادوا تخصيص تعويض، حولته القوات الخفية(…) التي كانت تعارض بقاءه في الحكم، لتشيع أنه تلقى رقما خياليا كتعويض، وهي دعايات تفهم اليوسفي خطورتها على ما تبقى من حياته السياسية(…)، ليدرج هذه الواقعة في مذكراته المنشورة مؤخرا ويكتب: ((سجلت بتقدير، موقف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي أصدر بلاغا ينفي فيه جملة وتفصيلا ما راج من أني طالبت بتعويض من هيأة الإنصاف، وكذا خبر تعويضي بما قدره أكثر من مليار سنتيم(…)، بينما نشرت يومية الاتحاد توضيحات أكدت أنني لم أتلق من هدايا الدولة سوى هديتين من الحسن الثاني، ومحمد السادس، عبارة عن ساعتين يدويتين، مثلما أنني كنت أرفض دوما الحصول على أية تعويضات غير مبررة(…) قانونيا أثناء ممارسة مهامي الحكومية، واتخذت قرارا إداريا لم ألزم به باقي الوزراء، هو أنني كنت دوما أحيل تعويضات مهامي بالخارج على صندوق التضامن مع العالم القروي)) (أحاديث في ما جرى. عبد الرحمان اليوسفي).

تبقى إشكالية ما نشر على هامش حادثة تقاعد بن كيران من أن اليوسفي حصل على تقاعد، منعدمة لحد الآن، مادام لم ينشر عنها أي بلاغ رسمي، مثل البلاغين اللذين أصدرهما رئيس الحكومة العثماني ووزير المالية الذي أصدر بيانه تحت عنوان ظهير ملكي(…).

وأخيرا، كتب اليوسفي عن آخر عطاءات محمد السادس، لغاية 2016: ((شملني رعاه الله في شهر أكتوبر 2016 برعايته الإنسانية إثر الوعكة الصحية التي ألمت بي، حيث أمر جلالته بنقلي إلى مستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء، وكان يتابع بدقة تفاصيل وضعيتي الصحية، كما قام جلالته بزيارتي شخصيا في ظرف أسبوع واحد مرتين، ليطمئن علي قبل أن يسافر في مهمة إلى الخارج، وعين إلى جانبي مساعدة طبية تشرف على حالتي الصحية والسهر على متابعة العلاج، وأنا شاكر له هذه الالتفاتة الإنسانية السامية)) (نفس المصدر).

أكيد مؤكد، وهذه مذكرات اليوسفي التي صدرت في فبراير 2018(…)، لا تلمح إلى تقاعد اليوسفي لا من قريب ولا من بعيد، رغم أن قانون تقاعد رؤساء الحكومات، صدر في إطار تقاعد الوزراء، وحدد في تسعة وثلاثين ألف درهم، ليبقى التقاعد الذي أثار ضجة باعتراف عبد الإله بن كيران، ظاهرة جديدة تتناقض مع ماضي أقطاب أثرياء كانوا رؤساء حكومات، أمثال المرحوم كريم العمراني، مثلما يتناقض مع المستقبل في حالة ما إذا أصبح ثري مثل عزيز أخنوش رئيسا للحكومة، وهو الذي كتب في استجواب صحفي مؤخرا(…)، أنه لا يأخذ أجرة عن منصبه الوزاري.

ولنكن صرحاء أكثر، فإن الإعلان الرسمي والاعتراف البنكيراني بالحصول على تقاعد سبعة ملايين في الشهر، إنما تم التشهير به من أجل حل إشكالية الحاضر(…)، حاضر الفراغ السياسي الذي أصبح يمهد لمستقبل حكومي يجعل عباد الله يتخاطفون على منصب رئيس الحكومة، إضافة إلى أنه تشهير ذكي إنما يقصد منه حل إشكالية سياسية من الحجم الكبير.. فكر فيها داهية من حجم أكبر(…).

وإذا كان مؤرخ شؤون المخزن، الفرنسي “أوجين أوبان” «le maroc dans la tourmente» قد كتب ((أنه من التقاليد المصونة للمخزن، أن الوزراء لا يأخذون أجرا على الإطلاق))، فإن زمن الدستور الذي كان مفروضا فيه أن يلغي زمن المخزن، زج بالناس الذين على بالكم، في وضعية التحصن بالحسابات الانتخابية، وقد أصبح التلاعب بالأصوات كما كان يجري أيام إدريس البصري، زمنا غابرا، كما أفلست صناعة الأحزاب المخزنية لتبقى الأغلبية الأولى لفائدة الاتحاد الاشتراكي سنة 1999، ويصبح العدو الأكبر، بائع السلاح كما سماه الحسن الثاني، عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أولا، وحصل الإسلاميون الأعداء(…) في سنة 2011 على الأغلبية الانتخابية، ليتولى حزب العدالة والتنمية كما نرى رئاسة الحكومة في شخص عبد الإله بن كيران، والتخلص منه عبر انقسام غير معلن في صفوفه، رشح الدكتور العثماني باسم نفس الحزب لرئاسة الحكومة، فإن الوضع أصبح مخيفا بالنسبة للمستقبل(…)، وقد ذاق الإسلاميون طعم الحكم، وأصبحت حلاوة الشوكولاتة، شوكولاتة الكروج، تتسرب إلى حلق المصوتين، بدأت الإرهاصات الحسابية تخاف من النتائج المستقبلية، وقد أصبحت المؤشرات كلها تلمح إلى ضعف وانقراض الأحزاب التقليدية، وفراغ المجال أمام الإسلاميين، وظهرت في الأفق آفاق رجوع عبد الإله بن كيران، بعد هيمنته الخطابية على الآفاق المستقبلية، فكان لابد من التفكير الذكي في إلجام حلقه(…) بملايين التقاعد.. وهو الذي لو تصرف بنبل الأولياء الصالحين، لأعلن رفضه للتمتع بالملايين، على حساب شعب الجائعين، لكن السي عبد الإله سمع في إحدى خلواته بالمحراب، صوت فقيه يقرأ عليه ((ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فكلا من حيث شئتما…)) (الأعراف)، ولنترك الرجل يحل إشكالية الآية المذكورة في القرآن بين ((… اللؤلؤ والمرجان…)) أو ((كأنهن الياقوت والمرجان)).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!