الحقيقة الضائعة | بوتفليقة عدو المغرب وقد أخذه الله أخذا وبيلا

بقلم: مصطفى العلوي

ليس الشعب الجزائري وحده الذي استشاط غيظا من إعادة ترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، وإنما الموضوع يحتم التساؤل عن هذا الموقف السلبي، الصامت من طرف المغرب، تجاه الأزمة التي يعانيها نظام بوتفليقة، وقد كان من واجب المغرب أن يتحرك، ولو قليلا، لاستغلال مرض بوتفليقة وتدهور النظام الجزائري، ولماذا لا.. لاستغلال ضعفه للتخلص من مشكلة الصحراء بصفة نهائية، حتى الصحف والسياسيون المغاربة سكتوا، والعياذ بالله.

وقد كان بوتفليقة، منذ أيامه وزيرا للخارجية الجزائرية، قد مارس سياسة عدائية ضد المغرب، لا يعرف أحد لماذا.. ولماذا أكثر لا يدعم المغرب، سياسة الإطاحة بهذا المريض المتنكر لأفضال المغرب على الجزائر، منذ أيام حرب التحرير الجزائري من الاحتلال الفرنسي، وقد قدم المغرب للجزائر من التضحيات ما جعل بوتفليقة يرفض كل إنصاف للشعب المغربي.

أكيد، أن بوتفليقة بدهائه وحنكته لم يقبل يوما أن يبتلع حسده ومكره تجاه المغرب، وهو الذي كتب عنه وزيره، الطالب الإبراهيمي، أنه كان مهووسا بأن يحمل لقب ولي العهد.. هكذا (مذكرات الطالب الإبراهيمي. الجزء الثاني).

وتعتبر كل تصرفات بوتفليقة تجاه المغرب، مشحونة بالحقد والكراهية المدفوعة بميولاته الفاجرة، في مسار حياته الذي جعله يوم موته، لن يجد أحدا يبكي عليه.. فلا زوجة، ولا ولدا، وأخوه وحده الذي ينتهز فرصة رئاسة بوتفليقة للاستغناء.

وهذا الكاتب المتتبع لمسار كثير من الأقطاب الجزائريين، محيي الدين عميمور، وهو يصف المسار الانتقامي لبوتفليقة، بعد أن كان يتوق إلى خلافة بومدين بعد موته، لكن الجيش الجزائري فضل عليه الشاذلي بن جديد.

ولم يكن المغرب وحده كبير ضحايا بوتفليقة، الذي كان ماضيه يربطه بالحقد على المغرب، الذي رباه منذ صباه في شوارع مدينة وجدة، فهو الذي خطط للانقلاب على الرئيس السابق بنبلة، حيث كتب المؤرخ عميمور: ((يعتبره كثيرون مهندس تغيير 19 جوان 1965، الذي قام بعزل الرئيس بنبلة حين كان بوتفليقة على صلة بالعقيد بومدين، وكان بنبلة قد قرر عزله من وزارة الخارجية، نقطة الانطلاق بوتفليقة للانقلاب على بنبلة)) (مذكرات عميمور. أنا وهو وهم).

ليتوسع عميمور في الطريقة التي بنى عليها بوتفليقة أيامه في الخارجية: ((أخطر ما عشناه، حالة الانتظار سنة 1979، حين كان عدد من المسؤولين يواجهون عمليات الاستقطاب، حين كان أذكى الأذكياء، هم الذين وظفوا علاقاتهم، وعلاقات أسرهم، وزوجاتهم(…)، للحصول على منصب دبلوماسي يبعدهم عن الساحة الداخلية)) (نفس المصدر).

بينما قضية الصحراء، التي عرفت تصعيدا رهيبا من طرف الدولة الجزائرية، عندما كان بوتفليقة على رأسها، عرفت منذ هزيمة جيشها في معركة “أمغالا” التي انتهت بتصريح الرئيس بنبلة الذي كان قطبها، بقوله: ((المغاربة حكرونا))، عرفت تحولا واعترافا من طرف جميع الرؤساء الجزائريين، وأقواهم كان هو الرئيس بومدين، الذي كتب وهو على فراش الموت، رسالة إلى الملك الحسن الثاني يقول فيها: ((أذكركم بأن الجزائر تبقى وفية لاتفاقية إيفران واتفاقية 1972، اللتين تكرسان التزامنا الأبدي بتحقيق وحدة المغرب العربي)) (مذكرات الطالب الإبراهيمي).

وحتى قبل موت بومدين، كتب مستشاره المؤرخ عميمور: ((المغرب دولة عريقة، كان لها بريقها الجهوي، إنه كان يمتد إلى تخوم السنغال، وربما كان المغرب العربي يشكل بالنسبة لجيلنا، حلما ضائعا، يشبه الحب الأول، ولقد قلت يوما ما أخذه علي البعض، وهو أن المأساة الحقيقية للقضية الصحراوية، تكمن في أن كل الفرقاء على حق)) (نفس المصدر).

بل إن المستشار عميمور، يتوسع بعيدا عن رأيه الشخصي هذا، ليشرح للتاريخ أن الرئيس بومدين، كان يتعاطف مع الحسن الثاني.

((علي أن أسجل للهواري بومدين، أنه كان صاحب الخطوة الأولى في السير نحو الحسن الثاني بعد جفاء الستينات، ويوم حدوث محاولة انقلاب الصخيرات، رفض بومدين كل محاولة لتأليبه على العاهل المغربي، وهي جزئية عشتها حين ظل بومدين جالسا طول نهار ذلك السبت 10 يوليوز 1970 في مكتبه لا يبارحه، حتى اطمأن على وضعية الحسن الثاني حين قال: إن العرش المغربي هو ضمان للاستقرار، لا في المغرب وحده، وإنما في المنطقة كلها)) (نفس المصدر).

وكان بجانب الرئيس بومدين، الرجل الأول في الدبلوماسية الجزائرية، الطالب الإبراهيمي، الذي كتب: ((إن لفظة احتلال المغرب للصحراء، يجب أن تنتهي(…)، وعلى المغرب بالمقابل أن يوافق على الحدود مع الجزائر. إنني خلال كل الاجتماعات التي حضرتها، اكتشفت أن المجموعة التي تؤيد المغرب، تمثل الأغلبية لدرجة لم تبق فيها معارضة للتواجد المغربي على أراضي الصحراء الغربية)).

وهذا وزير خارجية العراق يبرر هذا الموقف بقوله: ((إننا لا نقبل تواجد دول ميكروسكوبية، ووزراء الخليج يقولون، هل يمكن لما يسمى بالدولة الصحراوية أن تعيش؟)) (مذكرات الطالب الإبراهيمي).

وعندما أصبح الرئيس الذي نصبه الجيش على رأس الدولة الجزائرية، الشاذلي بن جديد، وبعد المقابلة التاريخية التي جمعته في مكة المكرمة مع الحسن الثاني، وبعد أن قام الحسن الثاني بزيارة للجزائر في 7 جوان 1988: ((نشرت المنظمة الاستخبارية الأمريكية “سيا” تقريرا كتبت فيه: إن الرئيس الشاذلي بن جديد دعا إلى إمتاع الصحراء الغربية بتسيير ذاتي تحت حكم الدولة المغربية، نفس المؤسسة الأمريكية، كتبت أن الجزائر عاجزة عن تحقيق أي انتصار عسكري على المغرب.

وفي سنة 2009، استمرت مؤسسة “السيا” في نشر أسرارها، حين صرح المندوب الأممي “والسوم”، بأن الاستقلال الصحراوي غير ممكن، ولا يمكن إنجازه، والحكم الذاتي هو البديل الوحيد للتخلص من هذا الملف)) (عناصر مكتوبة في كتاب الحسن الثاني. إنياس دال).

وهكذا هيمنت على الواقع الجزائري، منطقية تجاوز مخطط استقلال الصحراء عن المغرب، وصرح كاتب الدولة الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، “مارتن أنديك” أيام الرئيس كلنتون ((بأن الملك الحسن الثاني استدعى رئيس حكومته عبد الرحمان اليوسفي، بحضور ولديه والوزير إدريس البصري، ليقول لهم: خلاص اخترنا الحكم الذاتي في قضية الصحراء، ولكن الحسن الثاني توفي شهرا واحدا بعد هذا الاجتماع)) (نفس المصدر).

هكذا كان وضع الملف الصحراوي، حينما استولى بوتفليقة على حكم الجزائر، ورسم مخططا تراجعيا بدافع انتقامي لأسباب مجهولة، إنما يظهر منها ذلك العداء الدفين الذي ينخر أعماق هذا الرئيس الذي استطاع ملأ بطون الأقطاب العسكريين بمصالح جعلته يحكم الجزائر، سواء عندما كان واقفا على رجليه أو عندما أصيب بجلطة دماغية، أفقدته الوعي، وربما انتقاما من العلي القدير على كراهية بوتفليقة للمغرب، ومن يدري، ربما كان يعرف خبايا الحكم المغربي العاجز عن ممارسة اللعبة السياسية(…) أو الاستمرار في انتهاج سياسة الانتظار، حتى وزير الخارجية المغربية المطلع، عبد اللطيف الفيلالي، كتب في مذكراته بالحرف: ((لكن بوتفليقة يدعي العكس، فماذا يريد؟ وأنا أستحضر مقولة الرئيس الفرنسي ميتران الذي قال: بخصوص بعض المشاكل، يجب أيها السادة أن نترك للزمن زمنا. وهذا هو الحل لمشكلة الصحراء، أن نترك للزمن زمنا، وأن نبقى فوق ترابنا)) (مذكرات عبد اللطيف الفيلالي).

وها هو الزمن ينصفنا.. ويأخذ الرئيس بوتفليقة أخذا وبيلا وهو على كرسيه المسرحي، جالس ساكت مشلول، وإن كان أكثر منه شللا، أولئك الذين يخافون منه وهو على هذا الحال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!