اللغة لم تكن يوما ما سببا في إنتاج البطالة ولا مفتاحا لنجاح الاقتصاد

عبد الغاني بوز. الأسبوع

مؤخرا، صدر عن وكالة الأنباء العالمية “رويترز”، مقال شبه مطول، خصص للحديث عن وضعية التعليم بالمغرب في ارتباطه باللغة العربية الفصحى، كلغة معتمدة في التدريس، ثم مدى تأثير ذلك على سوق الشغل وما يعرفه من ركود مقرون بنسبة البطالة الجد مرتفعة في صفوف الخريجين الجامعيين.

هذا المقال، وهذا الاهتمام، من طبيعة الحال، وروده في هذا الوقت بالذات، لم يكن بلا سبب، أو أنه جاء في وقت غير مناسب، وإنما أتى بمناسبة الجدل القائم اليوم حول هذه المسألة، مسألة استعمال اللغة العربية الفصحى كلغة تدريس، وفرضية استبدالها باللغة الفرنسية، خاصة فيما يتعلق بالمواد العلمية، وهو المقترح الذي يروج له اليوم داخل أروقة البرلمان، والذي أحدث جدلا بين فريق موافق وآخر معارض.

وقد كانت المعطيات التي جاءت في أحد التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي بهذا الخصوص، المنهل الأساسي الذي اعتمد عليه في صياغة هذا المقال، كما أنها هي نفسها التي ارتكز عليها المناهضون، ضد اعتماد اللغة العربية الفصحى كلغة تدريس، حيث أجمعت أمرها على التأكيد بأن اللغة العربية هي السبب الرئيسي وراء ما يعرفه المغرب من أزمة في سوق الشغل، كما أنها هي أيضا، وراء ذلك الارتفاع الكبير لعدد العاطلين عن العمل.

 فحسب التقرير/الحجة، الشركات الموجودة على أرض المغرب، خاصة كبرياتها، جنسيتها تعود إلى الدولة الفرنسية، كـ”بوجو” و”رونو”.. ولأنها كذلك، فهي توفر العديد من فرص الشغل، لا توفرها غيرها من الشركات الصغيرة والمتوسطة، لكن من طبيعة الحال، لا يمكن أن تقوم بتشغيل أفراد لا يتقنون لغتها الفرنسية.

فاستعمال اللغة العربية في التدريس بشكل أولي، ثم اعتماد اللغة الفرنسية في التعليم الجامعي، خاصة في المواد العلمية، يضع الطالب أمام ارتباك، سببه عدم إتقانه للغة الفرنسية، وأمام هذا، ولأن التخصصات العلمية الجامعية، بعد الحصول على شواهد، هي التي تتيح إمكانية الحصول على عمل، فإن الطالب يجد نفسه أمام خيارين، إما أن ينقطع عن الدراسة، وهذا هو الحاصل في غالب الأحيان، وإما أن يتبع تخصصات أخرى، تدرس باللغة العربية، لكنها لا تضمن  بشكل كبير، فرصة الحصول على عمل ما، ثم إن هناك خيارا ثالثا، لكنه حكر فقط على أبناء الأثرياء، وهو الدراسة في المدارس والجامعات الخصوصية، من البداية إلى النهاية.

غير أن هذه الحجج، حتى وإن كانت صحيحة في أحد أوجهها، فهي تبقى محدودة زمنيا، إذ أن صحتها، تبقى مقرونة بعمر افتراضي، لذلك المكون الاقتصادي، الذي يتأثر بظروف الزمان والمكان، ولا يستقر على حال من الأحوال مهما طال الزمان، ولا يمكن والحالة هذه، أن يتم اعتمادها والاستناد إليها، للقول بطمس لغة حية، كانت في وقت ما، مهد كل العلوم، ومن رحمها تولد علم الخوارزميات، ومنها وبها أتى ابن سينا وابن الهيثم، وغيرهم من العلماء كثير، ثم إن هؤلاء، الذين ننتظر منهم اليوم أن يوفروا لنا فرص شغل، حتى لا نذل أمام مذلة البحث عن لقمة عيش، بأن نفرض على أنفسنا  لغتهم، وليتنا فعلنا ذلك فقط وانتهى الأمر، بل تعداه إلى الدرجة التي أردنا فيها أن نطمس لغتنا بشكل نهائي، فقد كانوا في زمن تخلفهم، يستجلبون وينقلون علوم كل الحضارات، ويجتهدون في ترجمتها إلى لغاتهم، فأصبحوا على الحال التي نراهم عليها اليوم.

إن الفشل أو النجاح في السياسة وفي التدبير والتسيير والاقتصاد.. لم يكن في يوم ما بسبب اتباع أو عدم اتباع لغة معينة في التدريس والتعليم، أو أننا إذا ما غيرنا لغة بلغة أخرى مختلفة عنها، سنضمن لأنفسنا النجاح والتوفيق، والقضاء على البطالة والأمية التعليمية، فكم من تجارب عالمية أثبتت عكس ذلك، وإلى وقت قريب، كانت هناك دول بعينها، ترزح تحت نير التخلف، لكنها أصبحت في وقت وجيز، في مصاف الدول المتقدمة، وهذا لم يتأت بسبب أنها استبدلت لغتها بلغة أخرى، لكنه أتى حينما أتى الرجال المناسبون في الأمكنة المناسبة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!