في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | الخبايا الخفية لمهام المستشار الهمة.. والتشابه بين مهام محمد السادس وفيليبي السادس

بقلم: مصطفى العلوي

لأول مرة في تاريخ الملكية المغربية، كانت جنازة كونط باريس، فرصة ليحضرها الأمير مولاي الحسن نيابة عن أبيه.. ولكنها سابقة، أخذت أهميتها من مرافقة المستشار الملكي فؤاد الهمة لأول مرة(…)، الذي لم تمنعه التزاماته السياسية(…) وكان آخرها تدخله في قضية رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، الذي استدعاه المستشار الملكي ليبلغه قرار الملك بإعطائه تقاعدا ملكيا، أثار موجة من الاهتمام(…) الذي قضى على حظوظ بن كيران في أن يبقى مطلق الأيدي، في مستقبل العدالة والتنمية.

وصدر الإعلان بأن المستشار الملكي فؤاد الهمة، سيرافق ولي العهد، لحضور هذه الجنازة الحدث، الذي جعل المعلقين الصحفيين يرون بالعيون المفتوحة، هذا التكامل المستقبلي، بين ولي العهد الشاب، وهذا المستشار القوي، لينطلق واحد من الصحفيين الفرنسيين المطلعين كثيرا على خبايا التسلسل الملكي، ويسمى “ستيفان بيرن” الذي كتب في استجواب مع مجلة “تيل كيل” (عدد 8 فبراير)، بأن ولي العهد مولاي الحسن، ظهر بجانب المستشار فؤاد الهمة ((وكأنه جاهز لتحمل مسؤوليات الحكم.. ويصبح ملكا)).

ليعود الحديث إلى التشابه بين ملك إسبانيا فيليب السادس، مع ملك المغرب محمد السادس، في جوهر تعاملهما المخالف في عدة حالات لما كان عليه أبويهما، الحسن الثاني وخوان كارلوس، الذي تنازل عن العرش لفائدة ولده فيليب السادس(…)، الذي استقبله الملك محمد السادس في الرباط، وهو الذي عندما تسلم الملك من أبيه، لم يحتفظ من الملك إلا تقريبا(…) بالجانب البروتوكولي، كوسيلة وحيدة ليبقى العرش الإسباني محافظا على مكانته بين الملكيات القليلة المتبقية في العالم.

وكما أن ملك إسبانيا الحالي، فيليب السادس يعتبر أقل نفوذا من أبيه، وأكثر احتراما لما ينص عليه الدستور(…)، فإن محمد السادس، بالتأكيد، يبحث بجميع الوسائل كي يترك للدستور الكلمة الأخيرة، طبعا، لم يدرك محمد السادس بعد(…) ذلك التقليد الملكي الإسباني الذي يجعل ملك إسبانيا في خطبه يردد النصوص التي يكتبها له رئيس الحكومة الإسبانية(…)، ليحصل التشابه بين الملكين، الإسباني والمغربي، في رغبة الشعبين الإسباني والمغربي في أن يتصرف الملكان بحرية أكثر، مع البقاء على الالتزام بما ينص عليه دستور البلدين، ليعطي الصحفي الفرنسي حالة مصيرية في تصرف العاهل الإسباني، عندما أبعد من محيطه أخته التي تلاعب زوجها في ملفات مالية، فلم يقبل منه الملك، علنا، ولم يحمه، لأنه يحرص على إبعاد الملكية عن كل العمليات الغير طبيعية(…).

وقد فاجأ الملك الإسباني الذي زار المغرب، فيليب السادس، العالم أجمع، حينما خاطب الشعب الإسباني وهو يعرف أنه مليء بالمعارضين، الذين يزدادون بعدا من الملكية، ففاجأ فيليب السادس في خطابه الذي ألقاه في إقليم كاطالونيا، التي يهيمن عليها الانفصال الجمهوري(…)، بأن حافظ في خطابه فقط على مبدأ الوحدة الإسبانية مادام الواجب الملكي هو توحيد الأمة.

ويفرض الحديث عن الملكية الدستورية في إسبانيا والمغرب، إشكالية الملكية البرلمانية، حيث يغلب على المقارنة(…) مبدأ الانشغال الحتمي لكل ملك بالعمل لفائدة الشعب، في اتجاه أن يكون محميا من طرف الشعب، لتحقيق الغاية المنشودة بالنسبة لكل ملك، عبر الاختيار الذي يقول بأن الملك يملك ولا يحكم.

وقد رأينا خلال إقامة الملك الإسباني بالمغرب، على مدى يومين، كيف كان رئيس الحكومة الإسبانية الشاب، يتحرك في مدريد وكأنه لا وجود لملك البلاد، ولا تحدث عن استضافته في المغرب، بل أدهى، هو أن الملك الإسباني وهو في قصر الضيافة بالرباط، سمع بلاغ رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز، وهو يعلن حل البرلمان، وإعادة الانتخابات.

ويبقى هذا التشابه بين وضع ملكي في إسبانيا والمغرب نموذجيا، تتوق إلى تحقيقه شعوب أخرى، مثل الشعب الفرنسي، الذي حضر ولي العهد المغربي جنازة أحد أقطابه، كونت باريس، في وقت كشفت فيه الإحصائيات الرسمية أن سبعة عشر في المائة من سكان فرنسا يرغبون في رجوع الملكية إلى فرنسا، وهذا كونت باريس، ابن كونت باريس هنري، يعلن تأييده للمتظاهرين ذوي القمصان الصفراء في باريس، ليقول المعلق الفرنسي بأن الأمراء يكونون دائما بجانب الشعب.

ويرجع بنا الاهتمام الفرنسي، المؤشر إلى رغبة الشعب الفرنسي في رجوع الملكية، إلى مغزى حضور ولي العهد المغربي في جنازة الأمير الفرنسي، مرفوقا بكبير المستشارين، فؤاد الهمة، الذي كان بالتأكيد يوصي ولي العهد(…) بما يعمله وما لا يعمله، إلى تلك الارتباطات التاريخية القديمة والحديثة، المنطلقة من ذلك الارتباط السليلي بين الملكية الفرنسية، المرتبطة تاريخيا بالتراث الإسلامي في فرنسا، والتي لازالت أسرتها الملكية معجبة بهيمنة فصيلة البوربون على الملكية الفرنسية، لننقل عن الصحفي الفرنسي “ستيفان بيرن”، الخبير بدون منازع في شؤون التاريخ الفرنسي، بأن إحدى الملكات الفرنسيات، وتسمى “بلانش دوكاستي” زوجة الملك لويس الثالث عشر، كانت تعتبر نفسها متأصلة من السلالة المحمدية(…)، لأن أجدادها كانوا ينتمون لدولة المرابطين المغربية، حيث تتكاثر نماذج الزواج بين عائلات ملكية فرنسية، وأقطاب من دولة المرابطين المغربية التي كانت تحكم الأندلس. وليس غريبا إذن، أن يكون كونت باريس، هنري دورليان، مولودا في المغرب، حتى كان والد محمد السادس، الملك الحسن الثاني مهووسا في شبابه بهذا الارتباط العائلي(…) بين العائلة الملكية المغربية، وأجداد الأسرة الملكية الفرنسية المتأصلين من دولة المرابطين، حين كان قاب قوسين أو أدنى من الارتباط عائليا بإحدى سليلات الدولة المرابطية، وكاد في شبابه أن يتزوج بأميرة تنتمي لعائلة بوربون، وكان اسمها إيزابيل، وهي أخت كونت باريس هنري، الذي كان هو أيضا مولودا في المغرب، وقالت كتب التاريخ أن ولي العهد المغربي مولاي الحسن، أغرم بها عندما التقى بها في بيت أخيها هنري بمنطقة “لوفيسيان” لدرجة اختارت فيها عائلة البوربون بين الدافع الغرامي(…) والمشكل الديني، حتى تغلب المشكل الديني على غرام ولي العهد مولاي الحسن، ليتدخل أقطاب التاريخ الملكي الفرنسي، ويفصلون بأن أمير المؤمنين المقبل، لا يمكن أن يدخل في حمى أميرة مسيحية، رغم أنها متأصلة من جذور عائلة تنتمي أصلا إلى أسرة كانت في التاريخ العريق تسمى السلالة المحمدية.

ترى، هل كان السلطان مولاي إسماعيل يرى أبعد مما كان يراه ولي العهد المغربي مولاي الحسن، وهو الذي خطب ابنة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، وكانت تسمى ماري آن دوبوربون، والتي عارض الملك الفرنسي في زواجها بسلطان مغربي، فقط، لأنه كان متزوجا بالعشرات من النساء.

وهكذا نفهم لماذا كان الحسن الثاني في إحدى خطبه، يتمنى أن لو كان السلطان مولاي إسماعيل ملكا على فرنسا، وكان الملك لويس الرابع عشر ملكا على المغرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!