في الأكشاك هذا الأسبوع

الاتحاد الاشتراكي الذي كان …

عبد الغاني بوز. الأسبوع

بما أن مطلب الملكية البرلمانية، الذي لا زال يتمسك به ما تبقى من أطلال حزب الاتحاد الاشتراكي، كبديل للملكية التنفيذية، قد عاد ليبرز من جديد، فإنه لا بأس  من سرد بعض المشاهد، التي لازالت راسخة في الذهن، كدليل وبرهان قوي، على الشموخ  الذي كان يتمتع به هذا الحزب من قبل. هذه المشاهد، بدت لشخص قد عاشها وهو صغير، مثل حلم جميل، في ليلة مطيرة، لكنه انتهى بسرعة، على وقع صاعقة تركته محتضرا.

كان الأوان صيفا، وكانت الرطوبة على أشدها، وكانت محطة القطار بالرباط تعج بالمسافرين، الذين تحرروا لتوهم من عبء المسؤوليات، والكل متجه نحو تمضية العطلة الصيفية، في أحد الأمكنة، لكن الذي يروي هذا الحديث، لم يكن يعرف أين يذهب، فلحداثة سنه، سلم أمره لأخيه الأكبر، الذي كان بمعيته بعض  أقرانه.

سار القطار زمنا طويلا، أو هكذا بدا له، وفي نهاية الرحلة، لما ترجل رفقة أخيه ومرافقيه من على متن القطار، علم آنذاك، أن هذه المدينة الكبيرة، ذات الكثافة السكانية “الصينية”، التي حل ضيفا غير مدعو عليها، هي مدينة الدار البيضاء، وبعد أن استقلوا سيارتي أجرة، ساروا مدة من الزمن، قطعوا خلالها الطرق، واخترقوا العديد من الشوارع، وبينما هم كذلك، بدا له وهو بداخل السيارة التي كانت تسير بسرعة، أن المنازل وناطحات السحاب، وأعمدة الإنارة الكثيرة المتلاصقة، ذات الأضواء الملونة، تسير نحو الخلف، بنفس السرعة التي كانت تسير بها سيارة الأجرة.

وفضلا عن ذلك، فالمواضيع المتنوعة التي تناولها أخوه ومرافقوه، طيلة زمن الرحلة، والتي كانت تتناسل من بعضها البعض من دون نهاية، إذا ما أضفنا عليهما ضجيج المدينة، وصوت محركات السيارات، كل ذلك، جعله يكتفي بالصمت، في انتظار نهاية لهذه الرحلة المجهولة والمتعبة.

أمام باب بناية كبيرة، محاطة بسياج حديدي، عليه طلاء أخضر، توقفت أخيرا سيارة الأجرة، فتقدمت الرفقة أمامه، دالفين إلى داخل هذه البناية، بشكل يوحي على أنهم، إما على موعد، أو معرفة مسبقة بما يحصل داخلها، أما هو، فكان لا يزال يتخلف إلى الوراء، وبغثة، وجد أن البناية التي تبدو صامتة من الخارج، على الرغم من اتساعها وكبر مساحتها، مملوءة عن آخرها بالشباب، أعمارهم  كانت تتراوح بين العشرين والثلاثين، أو ما يزيد، ثم ما لبثوا أن نهضوا من أمكنتهم، وانطلقوا يهتفون بصوت واحد وهم يحيون الوالجين الجدد، ويخصون بالهتاف، اسم أخ الراوي هذا.. لكن هذا، الذي لم يكن قد تجاوز بعد سن التمييز، تسمر واقفا عند أول خطوة خطاها داخل البناية، وهو لا يدري ما الذي تراه عيناه.

وفي اليوم الموالي، كانت المفاجئة: العديد من الشخصيات التي لم يكن يعرف عنها شيئا، إلا من خلال قنوات الأخبار الوطنية، ها هو الآن يراها بالعين المجردة، عندئذ، اختلطت عليه الأمور، لكنه علم فيما بعد، عن طريق بعض الشباب، الذين انسجم معهم، أن الأمر يتعلق بورش، نظمته شبيبة حزب الاتحاد الاشتراكي.

استمر الورش لمدة ثلاثين يوما، وكان في كل يوم يحضر أساتذة كبار، يلقون الندوات، ويلهمون الشباب، وكان من بين الأمور التي لا زالت عالقة بذهن صاحبنا، هو ذلك الشعار الذي مذ أن سمعه، حفظه غيبـا وعن ظهر قلب، وكان كلما صدحت به حناجر ذلك الكم الهائل من الشباب، كهدير قوي، إلا وتملكته رعدة ساخنة، سرت في جميع أنحاء جسده.

لم يكن يعلم معاني ذلك النشيد، ولم يكن يعرف أولئك الأشخاص الثلاثة، المذكورين فيه، وسبب ذكرهم دون غيرهم، ولم يكن يعلم السبب الذي جعل هؤلاء المنشدين الشباب، تزداد أوداجهم انتفاخا، ويرتفع صوتهم أكثر فأكثر، كلما انتهوا إلى السطر الذي يضم أسماء هؤلاء الثلاثة، حتى يخيل إلى المستمع، إما أن هؤلاء قديسون، أو أن لهم في أعناقهم دين، وعليهم أن يردوه لهم.

 وبعد ما مرت سنوات عن تلك المشاهد، واشتد عود صاحبنا الفكري، علم جيدا تلك المعاني، وعرف من يكون أولئك الثلاثة. عرف معنى الاشتراكية، وعرف معنى الديمقراطية، وعرف معنى التحرير، كما علم أن المهدي، هو المهدي بنبركة، ذلك الحاضر/ المختفي، وأن عمر، هو عمر بنجلون، الذي اغتيل بسبب أفكاره، وأن “كرينة”، هو محمد كرينة المناضل الصغير الذي أهمله سجانوه، فسقط صريعا.

لقد شهد تلك اللحظات، في وقت بدا له فيما بعد، أنه وقت كان فيه حزب الاتحاد الاشتراكي، يقام ولا يقعد له، وشبيبته تستوعب الكفاءات، وتنتج الإطارات، وتكون القادة، لكنه شهد أيضا في هذه السنوات، كيف انهار طود كبير من عليائه، وصار من كثرة القعود، مصابا بالتخمة، لا يستطيع قياما ولا نهوضا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!