في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | جطو جاهز لخلافة العثماني كما خلف اليوسفي

بقلم: مصطفى العلوي

عجيب.. وغريب، ونحن نودع شهر يناير في العام الجديد 2019، أنه تم فيه الاحتفال بذكرى 11 يناير، ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال، وقد صادفت هذا العام، يوم الجمعة، عطلة رسمية، ممهدة لأيام الأسبوع، المعفاة من الشغل(…) ليزيد المغاربة ابتعادا عن مغزى 11 يناير، ومن مدلول هذه المناسبة التي أصبحت تعني هذا العام، بداية لعطلة مطولة..

حتى الصحافة الوطنية، انقضّت بإجماع وطني(…) على هذه المناسبة، لا لتكتب عنها.. ولا لتحللها، وإنما للامتناع عن الإصدار خلال الثلاثة أيام، علما بأن الصحف أصبحت تبحث عن أية مناسبة للامتناع عن الصدور، خصوصا وأنها، أي الصحافة، أصبحت تعاني من غلاء ورق الصحف، الذي يكاد يبلغ درهما من الورق في كل جريدة، تباع بثمانين ريال، ثمن أربع خبزات(…) وإن كانت 11 يناير هاته، ذكرتنا مرة أخرى بالحسن الثاني، بعد أن أصدر في ذكرى 11 يناير 1995 بلاغا يعلن فيه إخفاق المفاوضات مع أحزاب المعارضة، التي كانت مصرة على توقيف الوزير القوي إدريس البصري من عضوية الحكومة، وهو الذي كان قد أصبح وزيرا للداخلية والإعلام، والذي نص في بلاغ 11 يناير 1995 رسميا ((أن الملك لا يستطيع أن يرضخ لهذا المطلب)) ليطلق العنان إلى وسائل الإعلام التي كانت في خدمة النظام(…) كي تعلن أن المعارضة هي المسؤولة عن هذا الإخفاق، في المفاوضات بين النظام والمعارضة.

المعارضة كانت تعتبر إدريس البصري يشكل المتكلم باسم النظام المخزني، الذي كان ولازال لا يقبل اقتسام السلطة، وأنه يجب تعديل الدستور الذي يتناقض مع اقتسام السلطة الباقية في يد الملك، وبمقتضاها يسيِّر الحكومة، بل إن تاريخ 11 يناير هذا، تقطعت به الحبال، وجرده الزمن من مغزاه، حتى لا يهان، كما تمت إهانة هذه الذكرى في هذه السنة، الحالية(…).

ويتدخل هذا الصراع الحامي الذي أثير في 11 يناير 1995 لمقارنته مع الجمود الذي عرفه المغرب في العالم الحالي، حيث انعدم كالسنوات السابقة كل مدلول للحوار أو النقاش بين المعارضة والمخزن(…) لسبب بسيط.. وهو أنه لم تبق هناك معارضة، ولم يعرف النظام في أيام الحسن الثاني هذا الخنوع والخضوع والسكوت، الذي يعرفه المغرب هذه الأعوام. لنلاحظ حسب قاعدة الهدوء والعاصفة أن حركات شعبية أصبحت تتحرك خارج الأحزاب وتتكلم بذلك المنطق المثير لغضب الدولة، والداعي إلى تحريك قواتها البوليسية.. عودا على بدء، وكأن القدر في ذلك الزمن، زمان الحسن الثاني، أراد أن يفرض تخليص هذا الشعب من هذا الصراع(…) وقد كان المستشار أحمد رضى جديرة، هو صاحب الخطوط الأولى لوضعه، فأعلن بلاغ رسمي يوم 11 دجنبر 1995 عن وفاة المستشار جديرة في باريس، ودفنه في الرباط، عنوانا عن تدخل القدر في الأزمات السياسية، وربما التهم الخوف من الموت طموحات الوزير القوي إدريس البصري، الذي أراد استقطاب التعاطف الشعبي، عبر جر أعداء الشعب ممن سماهم المفسدين(…) إلى المحاسبة والمتابعة، وأطلق الأجهزة الإعلامية للتوسع في محاسبة وتنفيذ ما أسماه حملة التطهير(…) وهو ما لم تطلع على إطلاقه لا أحزاب المعارضة، ولا حتى رئيس الحكومة عبد اللطيف الفيلالي، الذي كان يعلن في كل فرصة أنه لم يكن له علم بما يفعله إدريس البصري، حتى عندما منع جريدة “الأسبوع الصحفي” ببلاغ باسم الوزير الأول، لأنها كتبت افتتاحية بعنوان “رحم الله الجنرال مولاي حفيظ”، بعد أن انتقدت استقبال الحسن الثاني لبعض التجار المشكوك في صفاء تجارتهم(…) وأنه لو كان الجنرال مولاي حفيظ حيا، لما سمح للحسن الثاني باستقبالهم.

وعندما شكلت النقابة الوطنية وفدا للاحتجاج على منع “الأسبوع الصحفي”، وقدموا احتجاجهم لرئيس الحكومة الفيلالي على قراره بمنع هذه الجريدة، أجابهم بقوله بأنه لا علم له بهذا القرار الذي صدر باسمه(…) وهو طبعا أسلوب من أساليب المخزن(…) الشريف.

وإذا كنا هذه الأيام نستغرب تغلب اللبناني الحريري وتشكيله لحكومة لبنانية في هذه الأيام، منذ عجز عدة شهور، فإنها ظاهرة عرفها المغرب سنة 1998 بعد الانتخابات التشريعية في 12 يناير 1998 حين تم تنصيب البرلمان بدون أن يكون هناك رئيس للحكومة في المغرب لمدة ثلاثة شهور، لأنه كانت هناك مفاوضات سرية جارية، لتنصيب زعيم المعارضة، عبد الرحمان اليوسفي رئيسا للحكومة، وكان المعلقون يستغربون فراغ كرسي رئيس الحكومة، ولم يكونوا يتوقعون أن يصبح اليوسفي رئيسا للحكومة، وهم يجهلون(…) أن اليوسفي نفسه كان يبحث عن تشكيل الأغلبية التي ستسند ترشيحه في البرلمان.

واحد من المقربين إلى اليوسفي، الباحث عبد الله العروي، كان يعرف، حسب ما كتبه في مذكرات “خواطر الصباح” عن قطب الاتحاد الاشتراكي: ((أن أوراقه كانت قليلة.. لأنه تحيط به جماعة لها خبرة تقنية، لكن تنقصها الحنكة المخزنية)).

ومن عجائب الماضي وأسئلة الحاضر، أن المستشار(…) إدريس جطو، الذي طبع زماننا هذا بفتح الملفات الضخمة ومحاسبة المخربين في زمن الفساد(…) هو الذي سبق أن استدعاه الحسن الثاني ليعرض عليه رئاسة الحكومة، حين كان وزيرا للمالية، ولاحظوا كيف كان جطو حاضرا قبل حكومة التناوب وهو الذي خلفها.. فقد كتب اليوسفي في مذكراته: ((بداية سنة 1998 اتصل بي وزير المالية السيد إدريس جطو وأخبرني بأن الملك الحسن الثاني هو الذي كلفه بلقائي، لقاء دام أربع ساعات لنتدارس موضوع كيف أنه بالرغم من الصعوبات الاقتصادية فإن المغرب يمكنه الخروج بسلام، وأنه (الملك) يؤمن بأن التناوب الحقيقي يتمثل بالضبط في شخص عبد الرحمان اليوسفي)) (أحاديث في ما جرى. عبد الرحمان اليوسفي).

ليتنازل الحسن الثاني عن الأساليب المخزنية ويضحي بها لأول مرة وهو يقول لليوسفي يوم استقباله في 4 فبراير 1998: لك أن تختار فريقك الحكومي كما تشاء(…) ثم قدم إلي المصحف لنقسم عليه ((أن نعمل معا لمصلحة البلاد وأن نقدم الدعم لبعضنا البعض)).

طبعا، لم يكن رجال المخزن، المرئيون وعدم المرئيين، لدرجة أن اليوسفي كرئيس لحكومة التناوب بدأ في بداية حكومته يتحدث عما سماه ((جيوب المقاومة))، هذه الجيوب الخفية المتواجدة في كل الأزياء المخزنية(…) والتي تجعل قرارات الدولة معلقة بين أيدي السميع العليم(…).

نفس الإشكالية المطروحة هذه الأيام(…) حيث نشرت الصحف إمكانية تشكيل حكومة وطنية بدل حكومة العثماني – الذي تشن عليه القوات الخفية هجوما شنيعا بوضع الحكومة المتواجدة فعلا في الكوكوت مينوت – حكومة جديدة مكونة من جميع الأحزاب، ومنطقي أن يرأسها رئيس مجلس المحاسبة إدريس جطو، مثلما ترأس حكومة ما بعد عبد الرحمان اليوسفي، الذي كان هو أيضا رئيس الأغلبية(…) إضافة إلى أن بلاغات مجلس إدريس جطو هي التي يقرأها الرأي العام بالكثير من الاهتمام عندما يتعلق بهيأة المتخصصين في إفراغ صناديق الدولة من الملايير.

أما تعبير رئاسة اليوسفي للأغلبية، فهو الذي أشر إليه في مذكراته عن ظروف استقالته(…) وما أشبهها بإقالته(…) مستدلا بمقال جريدة “لوموند” وهي تنتقد التجربة المغربية(…) ((وحصول الاتحاد الاشتراكي على المرتبة الأولى))(…) في الانتخابات، وهو يعني انتخابات 27 شتنبر 2002.. أولى انتخابات جرت في عهد الملك محمد السادس الذي ترأس مجلسا وزاريا يوم 9 أكتوبر 2002، أحد عشر يوما بعد الانتخابات، ليعطي رئاسة الحكومة لإدريس جطو.

المعتقد أنه في زمان المواقع الإلكترونية، وحرية الصحافة المنشودة(…)، لم يبق مجال لا للقوات الخفية ولا للمناورات السياسية، وربما حتى للتقاليد المخزنية(…)، وإذا تتبعنا مثلا ما يجري حول البلاد النموذجية في التقاليد الأزلية، المملكة العربية السعودية، لدفعنا الخوف إلى تدارك ما ضاع من وقتنا وما أخّر زماننا.

وإذا كنا محتارين متسائلين كيف تحل مشاكل مغربنا الذي يبلغ عدد سكانه خمسين مليونا بالتأكيد، فإن عاصمة اليابان طوكيو، وحدها يسكنها أربعون مليونا من اليابانيين، المصنفين في عداد الدول المتقدمة الغنية، بينما نعترف في إحصائياتنا، أن أغلب سكان المغرب فقراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!