في الأكشاك هذا الأسبوع

الحرية الفردية بين القانون والفوضى

جميلة حلبي. الأسبوع

طفى على سطح الأحداث مؤخرا، الحديث عن الحرية العامة أو الحرية الفردية مع ما يحمله هذا المصطلح من قيمة انتماء الفرد إلى مجتمع يضمن له جميع الحريات، كحقوق تخول له العيش ضمن منظومة ذلك المجتمع بكل حرية وكرامة، علما أن مفهوم الحرية الفردية ظهر ملازما لتاريخ البشرية، وتعني بالمفهوم العام، حرية قول وإبداء وجهة نظر خاصة، واختيار مكان العيش، والعمل، وحرية التعبير عما يفكر فيه الشخص، لذلك، فهي تعبر عن شخصية الفرد بشكل مجرد عن المجتمع الذي ينتمي إليه، وبالمقابل، فهي تتضمن حقوق الفرد وواجباته في المجتمع الذي ينتمي إليه، وبموجب هذه الحقوق والواجبات، يستطيع أي شخص أن يتخذ قراراته بشكل مستقل تماما عن القضايا الرئيسية في حياته كما عن باقي الأشخاص المحيطين به، ونتيجة لذلك، يكون الشخص مسؤولا بشكل تام أمام المجتمع عن عواقب قراراته ونتائج أفعاله.

وبما أن الحرية الفردية تتمثل في مستويات ثلاثة: حرية الفكر والرأي، وحرية السياسة وتكوين الجمعيات، وحرية العمل والمبادرة الاقتصادية، مع ما تشتمل عليه هذه المحاور الكبرى من تفاصيل حياتية كثيرة، فإن كل دولة على حدة، تضع قوانين خاصة بها تنظم هذه الحريات، والمغرب واحد من هذه البلدان، حيث تم تقنين الحريات في إطار الظهير الشريف رقم 1.58.377 الصادر في الجريدة الرسمية عدد 2404 bis بتاريخ 27/11/1958 الصفحة 2853، لكن مع تطور مستويات العيش وتسارع الأحداث المجتمعية والسياسية، وأيضا مع اختلاف أنماط العيش المستوردة، زاغ مفهوم الحرية عن سكته الصحيحة، حتى بات كل فرد من هذا المجتمع يشتغل على هواه، ويقرر على هواه، ويبيح ويستبيح ويعلن على مسمع الجميع، أن هذا القول حرية شخصية، وأن هذا الفعل حرية فردية، ولا أدل على ذلك، الموجة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة لأشخاص ارتدوا عن الدين الإسلامي واعتنقوا المسيحية بمبرر حرية المعتقد، متناسين أن أحد نصوص الدستور ينص على أن “دين الدولة هو الإسلام”، وجماعات أخرى تظهر بين الفينة والأخرى تمجد المذهب الشيعي، وأفرادا يتبجحون بالمثلية ويدافعون عنها ويقولون بأنه حقهم الشخصي الذي لا دخل لأحد فيه، ناهيك عن مظاهر العري المستفحلة التي لا تنم إلا عن عري الفكر من أي تقدم ورقي، لتظل المشاهد المقززة والتي تبعث الحنق في النفوس، بعض الفيديوهات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهي تظهر أشباه “الرجال” بلباس نسائي يرقصون في الأعراس التي تحضرها عائلات بأبناهم وبناتهم ويقدمون للراقص(ة) نقودا هدية على “الاختراع العظيم” الذي يقدمه أمام الملإ، غير واعين بخطورة ذلك على أبنائهم بالدرجة الأولى، وعلى المجتمع ككل، وغير ذلك من الظواهر العوجاء لمفهوم الحرية.

من خلال ما سبق، يتبين أن الكثيرين يخلطون بين الحريات والحقوق، عن وعي أو بغير وعي، المهم أن هذا الانفلات الفكري، بات خطرا عويصا يتهدد المجتمع، وبالأخص الطبقة المتوسطة والفقيرة، في ظل غياب الوعي وانتشار تعاطي جميع أنواع المخدرات، حيث يصبح المتعاطي جاهزا لتقبل كل شيء، وتبني كل يقدم له دون إدراك تام بخطورة تلك الأفعال أو تلك المواقف، مستغلا في ذلك عدم صرامة القوانين والأحكام.. لكل هذا وذاك، بات تغيير المنظومة المؤطرة للحريات والحقوق، ملحا أكثر من أي وقت مضى، لعلاج هذه الأورام المجتمعية المستفحلة، التي باتت عبارة عن قنابل موقوتة وألغام، عدم احتوائها في القريب العاجل، سيؤدي حتما إلى ما لا يحمد عقباه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!