في الأكشاك هذا الأسبوع

من أجل حوار وطني حول إشكاليات القراءة في المغرب

يوسف بورة. الأسبوع

مثل الكائنات الحية تماما، تتعرض المهن أيضا لمخاطر الانقراض، وإذا كانت الأولى تنقرض بفعل الاستغلال المفرط أو الصيد الجائر، فإن الثانية تنقرض بفعل التقدم العلمي والتكنولوجي والتوسع الاقتصادي الناتج عنهما، إلا مهنة الكتبي، فإنها معرضة لخطر الانقراض وأن تصير أثرا بعد عين بالمغرب، بسبب الجهل والتهميش.

فإذا ما اعتبرنا التقدم العلمي سببا في الانقراض الحتمي لبعض المهن، فإن المفارقة هنا ستكون هي أن مهنة الكتبي- وهي القائمة على رسالة نشر العلم- ستتعرض للقتل المنهجي أو للانتحار في أحسن الأحوال، ولأسباب  كثيرة أغلبها خارجة عن إرادة الكتبيين، وتقع على كاهل المسؤولين عن الشأن التربوي والتعليمي والثقافي، وأخرى يتحمل الكتبيون أنفسهم مسؤوليتها من قبيل ضعف التواصل بينهم من جهة، وبينهم وبين المجتمع من جهة أخرى، إضافة إلى ضعف تكوينهم في أغلب الأحيان.

وبخصوص الأسباب الأولى التي لا دخل للكتبين فيها، هناك المسطرة المتبعة في إصدار المقررات المدرسية والتي أغرقت سوق هذا المنتوج بمئات العناوين المختلفة بشكل لا يهدد الكتبيين وحدهم، بل يمس أيضا صناعة الكتاب برمتها، من ناشرين وموزعين صغار ومتوسطين يجدون أنفسهم غير قادرين على مسايرة هذا المسلسل الذي يصب في مصلحة المضاربين الكبار والمحتكرين الجشعين، أما بالنسبة للكتبيين البسطاء، فحدث ولا حرج، إذ صار متعينا على الكتبي، أن يتوفر على سيولة مالية ضخمة من أجل الاستمرار في نشاط ترويج الكتاب المدرسي، مع ما يعنيه ذلك من مساعدة الفئات الهشة ذات الدخل المحدود، من اقتناء الكتب المدرسية بأثمنة مناسبة، هذا مع العلم أن الكتاب المدرسي يشكل الفرصة السنوية الوحيدة للكتبي من أجل تحقيق نوع من التوازن قي تجارته، ولذلك، فإن الكتبيين يدعمون فكرة مشروع العودة إلى نظام الكتاب المدرسي القديم الموحد بقوة، لما سيكون له من أثر إيجابي عليهم وعلى التلاميذ، وآبائهم بشكل عام.

أما بالنسبة للشق المتعلق بالكتب اﻷدبية والثقافية العامة، فإن أزمة العزوف عن القراءة وتراجع اﻹقبال عليها، يجعل التعويل عليها في استمرار المهنة، بمثابة التعويل على الوهم والسراب، وانتظار بعض المعارض والتظاهرات النادرة من أجل ترويجها.

إلى جانب هذه اﻷسباب، هناك مسألة في غاية اﻷهمية، تتعلق بجاذبية الفضاءات التي يمارس فيها الكتبيون مهنتهم، فأغلبهم مستقرون في أسواق عشوائية وداخل محلات لا تليق بالوضع الاعتباري للكتاب، مما يجعل اﻹقبال عليهم يقتصر على فئات معينة، وليس مثلما كان عليه اﻷمر في الماضي، عندما كان الغني والفقير يقبلان على حد سواء على اقتناء الكتب من محلات الكتبيين، أما عندما تم “الفصل النهائي” بين الطبقات الاجتماعية بين التعليم الخصوصي والعمومي، فقد انعكس ذلك أيضا على أنواع القراء وعلى أذواقهم وعلى الفضاءات التي يرتادونها.

لقد آن الأوان لفتح نقاش عمومي موسع حول إشكاليات القراءة بالمغرب، ليس لمناقشة أوجهها الاقتصادية فقط، وإنما من أجل تسليط الضوء على الأثار العميقة التي تخلفها على جميع مناحي الحياة الاجتماعية، لتحديد حجم ما نخسره من رأسمال لامادي بفعل العزوف عن القراءة، وبفعل السياسات العشوائية المتبعة في المجال الثقافي، ولعل الكتبيين يتوفرون على ما يكفي من التجربة ومن الاحتكاك بهذا المجال، ما يؤهلهم ليكونوا في طليعة من يدعو إلى هذا الحوار الوطني ويغنيه، فما لم نوقف النزيف الحالي، فإنه لا مستقبل لنا ضمن عالم يسير اليوم بمنطق اقتصاد المعرفة والمعلومة والثقافة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!