في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | المغرب “دوار كبير” حسب الصحفيين… يحتاج إذن إلى إدريس البصري…

بقلم: مصطفى العلوي

((المغرب دوار كبير، وعلى الملك أن يتدخل سريعا، لأن المغرب تجب متابعة الأمور فيه عن قرب)).

هكذا ولم يكن الوزير إدريس البصري، هو أول من وصف المغرب بالدوار الكبير، بعد أن فرضت القوانين الفرنسية، أيام الحماية(…) على كل “دوار” مقدم للحومة، ليكون هو عيون السلطة، إذن عيون السلطان، وقد قالها البصري إدريس للصحفيين الفرنسيين: “نيكولا بو”، و”كارتين كراسي”، الذين نقلوا عنه أنه هو الذي قال هذا التصريح في كتابهم “عندما يصبح المغرب إسلاميا”

(Qnand le Maroc sera Islamiste).

وبمناسبة الذكرى العشرين لجلوس الملك محمد السادس على العرش، عشرون عاما إذن، على غياب إدريس البصري، كتب الصحفي الفرنسي “فرانسوا سودان” في “جون أفريك” (عدد 12 يناير 2019) حرفيا: ((إن الدواوير التالفة في هذه المملكة))، وهو طبعا يتحدث عن مملكة محمد السادس، وهو يؤكد كلام إدريس البصري عن وصف المغرب بالدوار(…)، ضخم هذا الصحفي من حجم المشاكل المتشابكة في مملكة محمد السادس(…)، ليرجع بالمغرب وتعقيداته المعهودة في كل دوار(…) مغربي، إلى حجمها كما كانت أيام الوزير القوي إدريس البصري (انظر الفقرة المصور

ة مع هذا الموضوع).

الحسن الثاني، بعيد النظر، نفسه، بعد حوالي عشرين عاما على تسلمه الملك، وبعد تجربة ناجحة في اختيار كبار المستشارين ما بين أحمد رضى جديرة، وإدريس السلاوي، والجنرالات: مولاي حفيظ، وأوفقير، والكولونيل الدليمي، والآخرين من الذين بقيت أسماؤهم في سجل أقطاب حكم الحسن الثاني، الذي بعد تعرضه لمحاولة الانقلاب الأولى سنة 1971، والثانية سنة 1972، قرر تسليم شؤون مملكته الأمنية والسياسية إلى مدير الديستي الذي يقدم له تقارير يومية(…)، إدريس البصري، الذي كان مجرد بوليسي في كوميسارية الرباط، وتصرف في إدارة حماية التراب الوطني، الديستي، تصرف البوليسي المطيع، الذي لم يجعل منه الحسن الثاني، حوالي عشرين عاما على تجربته كملك قوي للمغرب، مجرد وزير للداخلية، محل وزير الداخلية المثقف، الدكتور إدريس بنهيمة، وإنما اختار الحسن الثاني إدريس البصري ليجعل منه شريكا في إعادة المغرب إلى استقراره(…)، واختاره أكثر للتدخل في الشؤون السياسية الحزبية والخارجية، بعد أن لاحظ قرب إدريس البصري من أقطاب حزب المهدي بنبركة في الاتحاد الاشتراكي، صديقا لعبد الواحد الراضي، وفتح الله ولعلو، واليازغي، وسي ناصر، لدرجة أن صديقه لحسن بروكسي، وكان مستشار البصري المفضل، قال له، كما كتب في مذكراته: ((يا سي إدريس، أرى أنك أوسيفبييست أكثر من الاتحاديين، فأجابه إدريس البصري: وأنت ابتداء من الآن، يجب أن تكتب تقاريرك لي بيدك اليسرى)) (حياتي مع الحسن الثاني وإدريس البصري. كتاب لحسن بروكسي).

إدريس البصري، الذي ارتفع حتى جعل ولد مدير ديوانه بنحربيط، صهرا للملك الحسن الثاني بعد أن زوجه ابنته الأميرة. منتهى الثقة في إدريس البصري، الذي لاحظ يوما غضبة الحسن الثاني على الرئيس الفرنسي شيراك، الذي كان كل مرة يطلق تصريحا معارضا لملك المغرب في قضية الصحراء، فقال البصري للملك: سأذهب عند شيراك لأسكته، وفعلا كتب الصحفيون الفرنسيون: إن الرئيس شيراك سكت عن ملف الصحراء، بعد اجتماعه بوزير الداخلية المغربي، إدريس البصري.

وأصيب الحسن الثاني مرة بأكثر من الغضب، بعد أن تعرض لخيانة من ولد كان يعتبره كولده(…)، هشام المنظري، الذي استولى على الكثير من ممتلكات الحسن الثاني، وهرب إلى أمريكا، حيث اشترى صفحات من جريدة “الواشنطن بوسط”، ليكتب فيها رسالة مفتوحة يهدد فيها الملك المغربي بنشر كل أسراره، وهي التفاصيل التي كانت تخيف الحسن الثاني عندما كان المنظري لازال في باريس، مقربا من المسؤولين الفرنسيين الكبار(…)، فأرسل وزيره إدريس البصري إلى وزير الداخلية الفرنسي “شوفينمان” ليضغط عليه من أجل اعتقال المنظري، لولا أن اللوبي الأمريكي(…) كان أقوى وأسرع(…)، حيث سمح للمنظري بالخروج من فرنسا عندما كان البصري مجتمعا بوزير الداخلية الفرنسي الذي قال للصحفيين: لقد كاد البصري أن يصاب بالجنون عندما قلت له: لا يمكنني أن أسلمك المنظري، لأنه ذهب إلى الولايات المتحدة.

قضية المنظري جعلت إدريس البصري يتقوى في فرنسا، ويخصص الميزانيات الكبرى لتكليف ثمانية محامين فرنسيين كبار، بالدفاع عن مصالح الحسن الثاني.

وتعرض إدريس البصري في صراعه هذا، لانتقادات بعض الصحفيين الفرنسيين، فأجابهم بتصريحه المنشور: ((أنا جندي للحسن الثاني، أنا مجرد خدامة(…) في خدمة الحكومة، جلدي مدبوغ، ومهمتي إبعاد المشاكل.. أنا “السوي كلاص” في سيارة الدولة، أنا المتعرض لتلقي الضربات)) (استجواب جون أفريك. عدد 16 نونبر 1999).

وحتى بعد وفاة الحسن الثاني، وقبل انقضاء السنة الأولى على خلافة ولده محمد السادس، حين اضطر إدريس البصري إلى مغادرة المغرب والاستقرار في باريس، وبعد شروعه في إطلاق تصريحات ملتهبة، كان أحد أولاد إدريس البصري، صديقا لأخ الملك، مولاي رشيد، حيث التزم إدريس البصري كتابيا بالتوقف عن تصريحاته بوثيقة مؤرخة بسنة 2005.

ظاهرة الوزير القريب(…)، بل المفضل عند الملك الحسن الثاني، متناقضة مع وضعية الوزراء في الحكومة اليوم.. وهم كلهم يرتعدون من الزلزال الملكي(…)، بينما كان إدريس البصري، الوزير، السفير، المتصل بالأحزاب، وبأقطاب الأحزاب، وقد تكاثروا.. وكثرت مشاكلهم، حتى أصبح الملك عاجزا عن التدخل في كل القضايا لدرجة أن إدريس البصري كان يدفع مستشاره – مؤلف المذكرات – لحسن بروكسي إلى تقديم تقارير يومية للملك نفسه، حيث كان هناك مكلفون من طرف الملك نفسه، لتسلم تلك الرسائل، وتقديمها للملك، ويذكر بروكسي: ((أن بعض المشاكل نتجت عن شكايات مدير الضرائب ببعض الأقطاب الذين لا يدفعون الضرائب، ليكتب بروكسي وكان الملك عندما يستقبل تلك التقارير عن الرافضين لبعض الضرائب، يلمح إلى الجنرال مولاي حفيظ والجنرال الدليمي لدفع واجباتهم تجاه الضرائب، دون أن أشعر بأية مضايقة أو انزعاج من طرف الحسن الثاني)) (مذكرات بروكسي).

طبعا، إن للملك، أي ملك، حسابات مع المقربين إليه، فكان الوزير المقرب إليه(…) يدفع في اتجاه حل تلك المشاكل بطريقة أو بأخرى(…)، وهو الدور الموكول إلى أقرب الوزراء إلى الملك، مادامت مشاكل الشخصيات الكبرى تتعاظم بعظمتهم، فيسهم الوزير القوي بجانب الملك، في الضغوط الضرورية لحماية مصلحة الدولة، حين يعتبر ذلك الوزير، أن المسألة تتعلق بالتعامل مع الدوار(…) وأقطاب الدوار، ولذلك سمى البصري منذ بداية هذا الموضوع، واقع المغرب بالدوار، كما أن الصحفي الفرنسي المعاصر في “جون أفريك”، وهو يكتب عن عهد الملك محمد السادس، يذكر بوصف المغرب بالدوار، وكأنه يذكر بأهمية الوزير القوي بجانب الملك، وكان إدريس البصري يشخص هذا الدور في عهد الملك الحسن الثاني، ولازال هذا الموقع فارغا، في عهد الملك محمد السادس، حيث أسندت الأمور كلها إلى الحكومة المكلفة، والبرلمان المختلط، وأحزاب الأغلبية التي أصبحت أغلبية مهزومة(…)، وهي الوضعية التي اختار الحسن الثاني أن يحلها عبر تواجد هذا الوزير الذي كان أقرب إليه من قربه إلى رئيس الحكومة الشريفة، ففي عهد الحسن الثاني القوي، يحكي المقرب للوزير البصري، بوركسي، أن الحسن الثاني، كان عندما يجمع أقطاب حكمه، يقول لهم: ((أنا وحيد في مركب الدولة، والملوك مفروض عليهم أن يعيشوا الوحدانية))، ولابد من أن يتواجد بجانب الملك، من يحل هذه الإشكالية، ويتفادى الكوارث الممكنة(…) في العلاقات بين شعب فوضوي، بكباره وصغاره، وملك لا يلقى هذا الشعب إلا في التدشينات والرسميات، رغم أن الدستور يحمله مسؤوليات كبرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!