في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | مخاطر الترويج لـ”حكومة الوحدة الوطنية” على استقرار الدولة

إعداد: سعيد الريحاني

((إن النموذج المؤسسي المغربي، من الأنظمة السياسية المتقدمة، إلا أنه يبقى في معظمه حبرا على ورق، والمشكل يكمن في التطبيق على أرض الواقع، وإني أحرص كل الحرص على احترام اختصاصات المؤسسات، وفصل السلط، ولكن إذا تخلف المسؤولون عن القيام بواجبهم، وتركوا قضايا الوطن والمواطنين عرضة للضياع، فإن مهامي الدستورية تلزمني بضمان أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم، وفي نفس الوقت، فإننا لن نقبل بأي تراجع عن المكاسب الديمقراطية، ولن نسمح بأي عرقلة لعمل المؤسسات، فالدستور والقانون واضحان، والاختصاصات لا تحتاج إلى تأويل.. وعلى كل مسؤول أن يمارس صلاحياته دون انتظار الإذن من أحد، وعوض أن يبرر عجزه بترديد أسطوانة “يمنعونني من القيام بعملي”، فالأجدر به أن يقدم استقالته، التي لا يمنعه منها أحد.. فالمغرب يجب أن يبقى فوق الجميع، فوق الأحزاب، وفوق الانتخابات، وفوق المناصب الإدارية)).
هذا التشخيص الصارم لواقع السياسة في المغرب، لم يصدر عن فاعل سياسي، أو محلل سياسي، ولكنه صدر قبل عامين عن الملك محمد السادس نفسه في الذكرى 18 لخطاب العرش، ورسالته واضحة، لجميع المسؤولين بمن فيهم الحكومة، ((إما أن تعملوا أو تستقيلوا.. فلا أحد يمنعكم))..

نفس الخطاب الذي تزامن مع الاحتجاجات الاجتماعية(..)، شخص الوضع الحزبي في المغرب قائلا: ((إن بعض الأحزاب تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية.. ولم يخطر لي على البال، أن يصل الصراع الحزبي، وتصفية الحسابات السياسوية، إلى حد الإضرار بمصالح المواطنين)) (المصدر: الخطاب الملكي في الذكرى 18 لعيد العرش).

بغض النظر عن الهيئات السياسية، التي لا تؤمن بالمشاركة، وبغض النظر عن الفترة الانتقالية التي عجز فيها رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران عن تشكيل حكومته الثانية(..)، فهذا الخطاب الذي يرجع إلى سنتين، لم يكن مدخلا للإصلاح السياسي، فلا حكومة العثماني توقفت عن الحديث عن التحكم(..)، ولا الأحزاب السياسية قامت بإصلاح نفسها(..)، بل إن الخطاب الملكي تحول إلى مدخل للحديث عن ضرورة إنشاء حكومة وحدة وطنية، وكأن الفساد الحزبي والسياسي سيقضى عليه بتجميع جميع الأحزاب السياسية في سلة واحدة(..).

التحديات المفروضة على المغرب في قضية الصحراء، وباقي القضايا الاستراتيجية، في ظل المتغيرات الدولية، تفرض عليه أن يكون قويا من الداخل، لكن الأساتذة الباحثين انجرفوا في الفترة الأخيرة نحو الحديث عن نموذج “حكومة الوحدة الوطنية”، وقد يكون ذلك بحسن نية، كأن نقرأ للأستاذ محمد الزهراوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، أنه ((أمام كل هذه التحديات الداخلية والخارجية، فتحقيف الرهانات وتجاوز الإكراهات، يتطلب خلق جبهة داخلية قوية، وهذا الأمر لن يتأتى إلا بتدخل الملك، باعتباره رئيس الدولة، لحل البرلمان وتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة كفاءات وطنية، تعمل على اتخاذ خطوات عملية وإجرائية لامتصاص الاحتقان الموجود في أفق الإعداد لانتخابات سابقة لأوانها)) (المصدر: موقع فبراير).

وكانت الدعوة إلى نموذج حكومة وحدة وطنية، قد بلغت أوجها مع الاحتجاجات التي شهدتها بعض مناطق المغرب، ومنها الريف، وقد صدر ذلك في صحف دولية(..)، لكن ما معنى حكومة وحدة وطنية؟ الجواب يمكن الوقوف عليه ببساطة في مطالب بعض الهيئات، التي طالبت بحكومة وحدة وطنية ((يساهم فيها سياسيون وحقوقيون وأكاديميون وكبار نشطاء المجتمع المدني، برئاسة ‏شخصية وطنية يشهد لها بالكفاءة والحياد والنزاهة..)).

طبعها مثل هذه المطالب، لا تتعب نفسها في تحديد الشخصية المشهود لها بالنزاهة، ولا تتعب نفسها في تحديد عدد أعضاء هذه الحكومة، ولكن يهمها فقط الترويج لمشروع “حكومة وحدة وطنية”، والواقع، أن هذا النموذج لا يتم العمل به، إلا في مناطق النزاع، ومعلوم أن هذا النوع من الحكومات، هي الحكومات التي لا تحكم، أو تحكم من الخارج، وأحد أبرز عناوين سرقة الإرادة الشعبية والنظام السياسي معا(..).

بغض النظر عن لعبة بعض “الخونة” وهم موجودون داخل جل الأحزاب السياسية المغربية (يمكن الوقوف على ذلك من خلال مشاريع ومقترحات القوانين التي تهدد السيادة)، وبغض النظر عن حسن النية من سوئها(..)، فإن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، التي تبدأ بإطلاق مهرجان وطني لتوزيع الحقائب الوزارية، وهو ما يعني، في المغرب، جمع حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، و”العدل والإحسان”، واليسار الراديكالي، داخل حكومة واحدة.. لن يكون مدخلا للوحدة، بل سيكون مدخلا للفتنة، فعدم اتفاق الأحزاب، بعد “تكبيل النظام” بهذا النموذج السياسي، سيجعل الحقل السياسي مستباحا، أمام التدخل الأجنبي، ولم لا تشكيل “حكومة منفى” مقابل حكومة المركز، ما يعني الدخول في تلك المتاهات التي عرفتها مناطق النزاع، مثل الحديث عن حكومة الوحدة الوطنية في مواجهة الحكومة الغير معترف بها، والبرلمان الشرعي والبرلمان غير الشرعي(..).

فهل يمكن الوثوق في الأحزاب المغربية، بينما الواقع يشهد أن بعضها حصل على تمويل أجنبي(..)؟ ومعلوم أن التمويل الأجنبي لا يدخل في إطار الصدقة، بل هو آلية من آليات التغيير(..)، وهل يمكن الوثوق في الأحزاب المغربية، وهي التي قامت بإعدام مشروع الجهوية الموسعة؟ ثم كيف يمكن الوثوق في أحزاب عاجزة عن تشكيل مجالس جماعية ومجالس الجهات، لتعطى لها الكلمة من أجل تأسيس “حكومة الوحدة الوطنية”.. ألا يعني الحديث عن “الوحدة” أنها في عز الخلاف(..)؟

قد يقول قائل إن الترويج لحكومة وحدة وطنية هدفه تعويض ضعف الحكومة التي يترأسها سعد الدين العثماني، هذه الأخيرة، أصبحت في الآونة الأخيرة تشرعن الاحتجاج، عبر بعض القرارات المثيرة للجدل، ومنها الإجراءات الضريبية، التي جعلت أصحاب الحوانيت يغلقون أبوابهم في إطار الاحتجاجات الإنذارية(..)، غير أن فشل الحكومة، لا يعني بالضرورة تأسيس حكومة وحدة وطنية، بقدر ما يعني ضرورة البحث عن بديل سياسي لقيادة الحكومة، حتى لو تطلب الأمر إعادة الانتخابات، وهنا لا مجال للحديث عن تكلفة تنظيمها، لأننا نتحدث عن تكلفة الاستقرار(..).

كيف يمكن القول بوجود وصفة تجمع كل الأحزاب المغربية، وفيهم من يدعو لحجاب المرأة، ومن يتحدث عن الحرية الشخصية؟ كيف يجتمع من يدعو للمساواة في الإرث مع المتشبث بتعاليم الشريعة؟ وكيف يجتمع الفقيه والسكير(..)؟

قد يكون من حسن حظ المغاربة، أن قضية مثل قضية الصحراء، لم ترتبط في يوم من الأيام بالحسابات السياسية، فبعهد غياب الوطنيين، الذين كانوا يفضلون السجن على الخنوع أو الوقوع في شراك خيانة الوطن(..)، لم يصدر أي رأي أو موقف عن الأحزاب المغربية في ما يتعلق بتدخل القضاء الأوروبي في قضية الصحراء، عبر إصدار أحكام مخدومة لصالح البوليساريو، فبأي صفة يتدخل القضاء الأوروبي المخصص للدول الأوروبية، في نزاع خارجي؟ هل المغرب عضو في الاتحاد الأوروبي؟ هل ميليشيات البوليساريو عضو في الاتحاد الأوروبي؟ إنها الحيلة التي انطلت على الجميع، وفاتورتها الحقيقية ستظهر مستقبلا(..).

لحسن الحظ، أن النظام السياسي المغربي يتوفر على هامش كبير للمناورة، فإثبات مغربية الصحراء، يكفي الرجوع فيه إلى تاريخ البيعة، ((فلا تقف أهمية البيعة عند حدود كونها نصوصا بالغة الأهمية من حيث بلاغتها اللغوية وقيمتها التاريخية، بل يمكن اعتبار نصوص البيعة، من بين الوسائل التي تؤكد مغربية الصحراء، من خلال نصوص بيعتها لقبائل السلاطين والملوك العلويين، ومنها بيعة أهل الساحل وأولاد دليم، وبربوش والمغافرة، وأولاد مطاع واأولاد جرار.. وغيرها، للمولى إسماعيل سنة 1089م، وذلك بواسطة حركته لناحية سوس وصحرائها، حيث تزوج خناتة بنت بكار المغفرية، وتندرج في نفس السياق، بيعة أهل توات للسلطان مولاي عبد الملك بن مولاي إسماعيل سنة 1140 ميلادية، وبيعة الشيخ المختار الكتاني للسلطان مولاي عبد الرحمان، وبيعة ابنة الشيخ أحمد البكاي للسلطان نفسه، وبيعة إمام تندوف، الشيخ محمد بن المختار بن العمش الجنكي، التي يعلن فيها عن بيعة هذا الإقليم للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، إلى غير ذلك من البيعات الصحراوية التي ظلت مسترسلة)) (المصدر: البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب/ بهيجة سيمو).

البيعة إذن، هي المخرج للمعضلة السياسية المغربية في عدد من الحالات، ومنها بيعة الملك محمد السادس التي تعطيه مجموعة من الاختصاصات والصلاحيات(..)، رغم أن المغرب يشهد بين الفينة والأخرى، نقاشا حول الطقوس وليس المضمون(..).

وسبق للأمين العام السابق للأمم المتحدة، أن وصف المغرب بـ”البلد المحتل للصحراء”، فكيف يمكن لأي إنسان مغربي أن يجيب عن هذا السؤال؟ الجواب بسيط: ((بالنسبة لي كباحث متخصص في التاريخ، هذه أرضنا والتاريخ والأجانب يشهدون على ذلك.. من أين جاءت خناتة بنت بكار، زوجة السلطان مولاي إسماعيل، السلطان الذي حكم المغرب 57 سنة، وكانت فرنسا تطلب وده.. ألم تأتي من أعماق بلاد شنقيط.. ألم يئن الأوان ليعرف المغاربة أن الشيخ بكار، هو الذي حضر تزويج ابنته من السلطان، وجدد البيعة أمام الملأ.. ألا يعرف المغاربة أن هذه المرأة أنجبت سلطانا للمغرب اسمه عبد الله بن مولاي إسماعيل، ألا يعرف المغاربة أن هذه المرأة هي جدة السلطان سيدي محمد الثالث.. ألم يحن الوقت ليعرف المغاربة أن بلادا مثل السويد اعترفت بمغربية الصحراء في معاهدة موثقة مع ملك المغرب محمد الثالث والملك السويدي غوستاف سنة 1764؟)) (المصدر: الباحث نور الدين بلحداد).

فالبيعة إذن، تلعب دورا حاسما في قضية الصحراء، وينبغي تفعيل تاريخها في مواجهة المناورات السياسية، وقد تكون حلا لمواجهة التلاعبات السياسية الداخلية، ومنها الدعوة لحكومة وحدة وطنية، قد تكون مدخلا للتفكيك(..).

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!