في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | مؤشرات إحياء أسلوب “شهداء كوميرة” بشراكة بين وزارة الداخلية وإدارة الضرائب

إعداد: سعيد الريحاني

السترات الصفراء، حركة احتجاجية ولدت في فرنسا، احتجاجا على الزيادات في الأسعار والضرائب، أما عواقب الأمور، فهي “مستورة” حتى الآن من عند الله بالمغرب، في ظل وجود حكومة لا تأخذ بعين الاعتبار المعطيات الدولية في قراراتها، فبينما تمكنت إدارة الضرائب من إخضاع الأطباء وجزء من المحامين لإجراءاتها الضريبة مع مطلع سنة 2019، فإن الأمور لم تكن كذلك بالنسبة للتجار، خاصة التجار الصغار الذي فهموا أنهم معنيون بزيادات كبيرة في الضرائب، بينما هم في الواقع، يساهمون في صناعة “السلم الاجتماعي” باعتبارهم جزءا من نسيج القرب الذي ينتج دورة تضامنية تتحدى أعتى الحسابات الاقتصادية(..)، فكم صاحب دكان صغير في شارع منسي يقرض زبناءه حتى نهاية الشهر، وكم من مخبزة “تقرض” الخبز لزبنائها حتى إشعار آخر؟ ماذا لو أغلق هؤلاء أبوابهم فجأة، ألن نكون وجها لوجه أمام “انتفاضة اجتماعية” قد تعيد إحياء المشاهد المؤلمة من الأمس القريب؟  

المكان: مدينة الدار البيضاء الكبرى، الزمان: 20 يونيو 1981. المدينة التي عرفت برواجها وبكثرة تجارها، ظهرت ذلك الصباح وكأنها مدينة مهجورة، خالية من حركة المارة ووسائل النقل، بل إن المتاجر أغلقت أبوابها، قبل أن تتحول المدينة إلى وديان من الدم، فماذا حصل؟ الجواب كما دونته الصحافة أكثر من مرة، يقول: ((لقد كانت هذه المرة الثانية التي تنزل فيها دبابات الجيش إلى شوارع الدار البيضاء من أجل القضاء على احتجاج رأت فيه الدولة تهديدا لمصالحها.. فبعد أحداث 23 مارس 1965 التي راح ضحيتها المئات ممن تظاهروا ضد سياسات تعليمية لوزارة التربية الوطنية، أتت سنة 1981، وبالضبط يوم العشرين من يونيو، ليفتح جرحا جديدا في الذاكرة المغربية، بعدما اخترق رصاص الجيش وقوات الأمن صدور عدد ممن شاركوا في إضراب هز أركان الاقتصاد المغربي.. “انتفاضة الكوميرا” (شهداء كوميرا) كما أسماها وزير الداخلية الراحل إدريس البصري، كنوع من التهكم على ضحاياها، الإضراب الناجح كما اعتبرته قيادات حزبية يسارية ونقابية، والثورة التي لم تنجح كما وصفها بعض المحسوبين على اليسار الراديكالي. تتعدد التسميات، لكن يبقى يوم 20 يونيو 1981، حدثا سالت فيه دماء مغربية بغزارة، بعدما احتج أصحابها على الزيادات المرتفعة في الأسعار)) (المصدر: هسبريس/ 21 يونيو 2014).

تلخص هذه الفقرة، المسار الدموي لدعوة من أجل الإضراب العام، أطلقتها نقابة فتية، يترأسها القيادي النقابي نوبير الأموي، هي نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، القوة العمالية الصاعدة وقتها، ولا مجال للحديث عن أوجه للتشابه بين نقابات اليوم ونقابات الأمس، ولكن الحديث عن “إضراب التجار” من جديد، مع مطلع سنة 2019، يفرض المقارنة بين الأمس واليوم.. فمنذ سنوات، لم تتوحد صفوف التجار ضمن أي شكل من أشكال الاحتجاج، ولكن هذا الأمر حصل مؤخرا، والبداية من تيزنيت، تشبهت بما حصل في الدار البيضاء سنة 1981، وقد كتبت الصحافة ما يلي: ((شل أصحاب المحلات التجارية بالجملة والتفسيط، ومحلات الحرفيين والمقاهي والمخابز.. يوم الخميس، الحركة الاقتصادية بمدينة تيزنيت، إثر قرارهم المشاركة في الإضراب العام الذي دعت إليه شبكة فعاليات الاقتصاد والتجارة والحرفيني، احتجاجا على البنود الجديدة التي أقرتها المديرية العامة للضرائب، التي تعاقب بالغرامات في حق التجار المخالفين لمقتضيات المدونة.. وامتد هذا الشكل الاحتجاجي ليشمل مجموعة من المراكز التجارية القروية بالجماعات الترابية التابعة للإقليم (الركادة، رسموكة وجان، بونعمان، أنزي تيغمي، إداوسملال، تافراوت..) التي عرفت صباح اليوم بدورها، شللا تاما للحركة التجارية بعد إغلاق جميع محلاتها التجارية)).

هكذا كان المشهد في تيزنيت مع بداية شهر يناير 2019، حسب ما نقلته المواقع الإلكترونية، التي عززت مقالاتها بصور تؤكد تحول المدينة إلى مدينة شبح(..)، لكن الأمور لم تتطور، لحسن الحظ، بعد أن تحركت بعض الجهات لتنبيه التجار إلى خطورة الموقف، الذي جعل أعين السلطة لا تنام في عدد من المدن، حتى أن السلطات في الرباط العاصمة، استنفرت كل الوسائل للحيلولة دون وقوع إضراب مشابه، وقد تدخل أمين التجار ليقنع عددا كبيرا منهم بعدم المشاركة في إضراب كان من المزمع تنفيذه يوم الخميس الماضي، ومع ذلك، فإنه لم يتوصل سوى إلى حل مؤقت، ضمن من خلاله تأجيل الإضراب وليس إلغائه(..).

لماذا يحتج التجار؟ الجواب بسيط، ويمكن الوقوف عليه من خلال بياناتهم التي تداولتها الصحافة، حيث يقولون إن هذا الإضراب، يأتي احتجاجا على بنود جديدة أقرتها المديرية العامة للضرائب، خاصة الفقرة الثالثة في المادة 145 من المدونة العامة للضرائب، والتي تنص على أنه ((يجب على الخاضعين للضريبة، أن يسلموا للمشترين منهم أو لزبنائهم فاتورات أو بيانات حسابية مرقمة مسبقا ومسحوبة من سلسلة متصلة أو مطبوعة بنظام معلوماتي وفق سلسلة متصلة)).

“نظام الفوترة” إذن، هو المشكل، ولاشك أن الحكومة أحست بخطورة قرار من هذا النوع، لاسيما مع قرار رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، للخروج عن صمته، حيث كتبت الصحاف أن ((العثماني يطمئن مول الحانوت ومول المحلبة والتجار الصغار بخصوص قضية الفوترة))، فأثناء جوابه عن سؤال في موضوع الفوترة مؤخرا بمجلس النواب، قال سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة: ((إن قانون مالية 2019، ليس فيه تغيير في قضية التعامل مع التجار، وأن المعني بالفوترة، هم التجار الذين يشتغلون بالنظام المحاسباتي وليس أصحاب المحلات الصغيرة))، ويا له من جواب غريب، ألا يعلم رئيس الحكومة أن لعبة المصالح تضع التجار الكبار والصغار في سلة واحدة؟ وهل سيقبل التاجر الكبير المعني بكلام العثماني، نظام الفوترة دون أن يورط معه تاجرا أصغر منه؟

ليس هذا فحسب، فإن ما يزيد الطين بلة، هو أن رئيس الحكومة يتحدث في موضوع لم تعد له به أية علاقة، فقد تنازل عن صلاحياته في قيادة الحوار الاجتماعي، لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، الذي شرع منذ مدة في الحوار مع النقابات، بل إن ما يصدر عنه من التزامات، يتعدى اختصاصات رئيس الحكومة، الذي ربما لم يقرأ له مستشاروه ما ورد في جريدة “العلم” الناطقة باسم حزب الاستقلال، والصادرة يوم 13 يناير 2019، والتي تحدثت عن “وساطة جديدة تكلف بها وزير الداخلية”.. ((فقد كشف النعمة ميارة، الكاتب العام للشغالين بالمغرب خلال تصريح هاتفي لـ”العلم”، أن اللقاء الذي جمعه مع عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية زوال يوم الخميس 10 يناير الجاري بمقر وزارة الداخلية، هو بداية لوساطة جديدة يقوم بها الوزير الذي أعلن عن تفهمه للمذكرة المطلبية التي قدمها له الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وكذا الأشواط التي مرت منها جلسات الحوار الاجتماعي السابقة والتي انتهت إلى الباب المسدود.. وعن مدى تفاعل وزير الداخلية مع المطالب المعلنة، أعلن عن تفهمه لما آل إليه الحوار الاجتماعي، مؤكدا أنه لا يمكن قبول الوضعية الحالية التي يميزها الجمود، وأنه سينظر في جميع القضايا المطروحة، واعدا بخلق مؤسسة حول الحوار الاجتماعي حتى تتم مأسسة الحوار بشكل مضبوط ونهائي، وتكون الجلسات خاضعة لتواريخ محددة)).

بأي حق يحل وزير الداخلية محل رئيس الحكومة؟ ألا يعني ذلك أننا أمام إعادة تحجيم لمنصب رئيس الحكومة، وعودة عملية لتجربة “أم الوزارات”، التي يرجع العمل بها إلى زمن إدريس البصري، حيث شكلت آلية من الآليات التي استعملتها المؤسسة الملكية للدفاع عن سياستها، إلى جانب الجيش والعدل، بتعبير الصحافة، حيث كان الوزير القوي الراحل، يضطلع بدور أساسي في ملفات حساسة، بصفته أكبر من الحكومة، مثل تدخله في قضية الصحراء وشبكات المخدرات، والحوار مع أحزاب المعارضة.. بل إن البصري، على سبيل المثال، هو الذي قاد الحملة التطهيرية.. ((فقد ختار الملك الراحل الحسن الثاني، أن يضع حدا للتهريب في منتصف سنة 1995، بعدما استشعر خطورة الوضع على الاقتصاد المغربي، وقبل انطلاق الحملة بأشهر قليلة، تم إصدار دورية بتاريخ 17 دجنبر 1994 بهدف وضع حد للتهريب وممتهنيه، وقبل الإعلان عن فشل هذا الإجراء، تم تشكيل لجنة تضم ممثلين عن السلطات العمومية والجمارك ومصالح قمع الغش، لكنها لم تسجل النتائج المرجوة.. ورغم الضجة الإعلامية التي أحدثتها الحملة التطهيرية، إلا أن وزير الداخلية إدريس البصري، خرج في غير ما مرة للرأي العام، للتأكيد على أن لا شيء سيفرض وقف الحملة التي أطاحت بمئات التجار الصغار والمتوسطين، وجرت معها كذلك شخصيات بارزة، من ضمنها المدير العام للجمارك علي عمور، والمدير العام السابق وممثل الإدارة في اللجنة الوطنية لمحاربة التهريب، ووصل عدد الموقوفين في وقت قصير، لأزيد من 1200 موقوف)) (المصدر: أصوات مغاربية/ 1 شتنبر 2017).

هكذا إذن، انتقلت الإجراءات الضريبية في عهد إدريس البصري إلى مواجهة بين التجار ووزارة الداخلية، وها هو “التطهير” الذي يتخذ عنوان “المراجعة الضريبية” يجعل الوزير عبد الوافي لفتيت، في مواجهة مباشرة مع التجار، فمن الذي يضمن عدم تكرار تجربة الأمس، خاصة وأن لفتيت يقود اليوم الحوار الاجتماعي، وهو مجرد من الوسائل الرهيبة التي كان يستعملها البصري لتطويع خصومه النقابين والسياسين؟

يذكر أن حملة الإجراءات الضريبية وما رافقها من زيادة في الأسعار، هي التي تسببت في اندلاع شرارة “السترات الصفراء” في فرنسا، أما في المغرب، وبغض النظر عن كون إدارة الضرائب تواجه تمردا غير مسبوق من المحامين “أصحاب البدلات السوداء”، فإن طبيبا مغربيا، وجه رسالة إلى الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي لم ينج بمنصبه الرئاسي حتى الآن، إلا بعد التخلي عن الإجراءات الضريبية (وجه) رسالة لا تخلو من حديث عن البدلات السوداء، حيث قال: ((أتوجه إليكم بصفتي طبيبا مغربيا، نيابة عن جميع زملائي في هذه المهنة، وكلهم اختصاصيون وصيادلة، يعتبرون من الطبقة الواعية، هذه الطبقة ضربت بعنف بكل أسف، يجعلنا نفكر في لبس الأزياء السوداء(..)، لهذا نطلبكم أن تخصصوا لنا فرصة لمقابلتنا بعد أن وضعتنا النخبة الإدارية في مرماها، رغم أنكم تعرفون أن الأقطاب كلهم وضعوا أموالهم في سويسرا، بينما هم يخططون لإفقارنا، الشيء الذي جعلنا نفكر في اللجوء إلى وطنكم)) (المصدر: الأسبوع / عدد 10 يناير 2019).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!