في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | عشرون عاما من حكم محمد السادس تحتم إعادة النظر في التركيبة التنفيذية

بقلم: مصطفى العلوي

بدأ الكثير من الصحفيين والمعلقين، أمثال رئيس تحرير “جون أفريك”، في الاحتفال بالذكرى العشرين لتنصيب الملك محمد السادس على عرش المغرب، والكثير من الصحفيين، مدفوعون أو مدفوعين(…) للاحتفال بالتواجد الملكي رغم أنه أصبح عدد الملوك قليلا في هذا العالم، رغم أن أنجح الأنظمة العالمية هي التي حافظت على الملكية، مثل إنجلترا وبعض الدول الأروبية، وخاصة إسبانيا، حيث يزداد الاستقرار النظامي(…) كلما حافظ الملك أو الملكة على الحدود المنطقية، كما سطرتها القوانين الدستورية التي حدت من الجبروت الملكي المعتاد، والذي عرفه مثلا سلاطين المغرب، وسلاطين تركيا.. وحتى في المغرب الذي حد فيه الدستور، مسطريا، من نفوذ الملك، وإن كان بعض المقربين(…) لا يتمتعون بنفس القناعة التي يتوقف عندها الملك المغربي محمد السادس، وهو الذي أصبح يعاني أكثر من الكثيرين، من الحملات الإلكترونية الداسرة، التي تتعدى حدود الاحترام، أو حدود المجاملة المفترضة في حق رئيس الدولة.

والحقيقة، ونحن دائما في المغرب، هي أن العشرين سنة التي يكاد ينهيها الملك محمد السادس، على عرش أبيه(…) عرفت فرقا شاسعا، بين ما كانت عليه الملكية سنة 1990، سنة تأسيس حكومة التناوب(…)، وما أصبحت عليه سنة 2020، أو ما ستصبح عليه عند حلول هذه السنة، رغم الحقائق الصارخة(…) التي تجعل ذوي النوايا الإيجابية، يتأسون على الطريقة التي كان بها الملك الحسن الثاني، يحكم المغرب، أيام كان الإجماع الشعبي يحترم الملك الحسن الثاني، في مزيج من الخوف والتقدير(…) وهو الذي وصف الخارجين عن القانون بالأوباش، ووضع الزائغين الرافضين في السجون والمعتقلات، والذين هددوه بالسلاح والانقلاب في معتقلات تازمامرت، رغم أن الملك الحسن كان يجرح ويداوي، على طريقة ملوك زمان وسلاطينهم، وهو الذي عندما أدرك السنة العشرين في ملكه، كان لازال بصدد وضع الأسس البناءة حين قال في خطاب بالمناسبة: ((لقد فرغنا من وضع المخطط الخماسي الذي سيجري به العمل في السنة الجارية، واضعين أسس المناظرات الوطنية الخاصة بالتعليم والاقتصاد الفلاحي)) (خطاب 3 مارس 1981).

ثم أن ميزة الحسن الثاني في الجمع بين الضعف والقوة(…) كانت تنطلق من ثقافته العالية، وخبرته النموذجية، والتزامه بحكم الفيلسوف ابن خلدون، الذي قال: ((أعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه وحسن شكله، أو ملاحة وجهه أو عظم جسمانه، أو اتساع علمه أو جودة خطه، أو ثقوب ذهنه، لأن حقيقة السلطان هي أنه المالك للرعية القائم بأمورها، فالسلطان من له رعية، والرعية من لها سلطان)) (مقدمة ابن خلدون).

ومادمت قد نوهت بنجاح الملك الإسباني، في عصرنا هذا، فلأن الملك الإسباني كما قال عنه مؤلف لحياته: ((إن الملك خوان كارلوس يفتح أبواب قصره، لكي لا يوجد أحد يجرؤ على الدخول عليه)).

وكان الوضع يتعلق بامتداد لضخامة ملك أقوى وأعظم هو ملك فرنسا، لويس الرابع عشر، الذي كتب في مذكراته: ((ليس هناك أخطر من ضعف الملك، لأنه يعرف أنه كي يحكم الآخرين، فإنه يجب أن يكون أعلى منهم)) (مذكرات لويس الرابع عشر).

وأهمية الاستدلال بطريقة الملك لويس الرابع عشر الذي تمنى الحسن الثاني أن لو كان هذا الملك الفرنسي ملكا على المغرب، وأن يكون مولاي إسماعيل ملكا على فرنسا، كامنة في أن ارتباطه بالنساء مثلا، كما هو مسجل عنه، فإنه حرص (لويس الرابع عشر) في تعليماته المكتوبة على تفادي الطغيان النسوي على ملكه، وكتب في تعليماته: ((ليعلم أصدقائي المقربين الذين أقدرهم أكثر، ويحظون باحترامي، أن النساء اللواتي تدركن معي مكانة عليا، ونفوذا يتضخم مع سني(…) فإني أوصيكم إذا ما لاحظتم أن إحدى السيدات تعدت حدودها معي(…) وأصبحت تشاركني الحكم، فعليكم تنبيهي لوضع حد لهذا النفوذ)) (مذكرات لويس الرابع عشر).

ليظهر الفرق بين الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، وبين السلطان العلوي مؤسس الدولة، مولاي علي الشريف، الذي ربما كان اضعف أمام النساء من الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، حيث كان للسلطان مولاي علي الشريف ((ثلاث زوجات، هن: نجمة الحبشية، وفاطمة العامرية التادلية، وفاطمة الزهراء السجلماسية لأن الشرفاء وهم أهل الحل والعقد يحلون مشكل التنافس القبلي عن طريق المصاهرة)) (كتاب مدغرة. أحمد عبد اللاوي العلوي).

قاعدة واحدة جمعت ملوك وسلاطين المشرق والمغرب، واتفق عليها كل المخبرين، قديما وحديثا تلخصت في الحكمة الأزلية: ((إن وزراء صاحب الجلالة، عليهم أن يتعلموا أنه كلما ارتفعوا في المكانة، كلما اقترب سقوطهم)). وهي القاعدة التي بقيت سائدة منذ الأيام القديمة للتاريخ إلى يومنا الحاضر، حيث نلاحظ أن صحفنا المغربية التي تعلمت حدود الكتابة ومواقف الأخبار، إلا وتهافتت ليل نهار على التسابق نحو الحديث المتكرر، عن الغضبة الملكية، والزلزال الحكومي، واقتراب سقوط الوزير الفلاني، وإن كانت الحسابات الحزبية والمزايدات البرلمانية تحول عادة دون وقوع الزلازل وسقوط الوزارات، لنعود سريعا ونحن على أبواب الذكرى السنوية العشرين في عهد الملك محمد السادس، وكلنا أمل في تعديل الخريطة السياسية البالية(…) التي أصبحت وبالا على حاضر المغرب، ومستقبله، مادام الإجماع حاصلا لدى الرأي العام الوطني على ضعف التركيبة الحزبية التي صنعت في بنائق القصر الملكي فحولت التشكيلات السياسية إلى مؤسسات تعمل من أجل الحصول على الدعم المخصص للأحزاب(…) كغاية مبررة لاستمرار الضعف الحزبي، والتفكك الديمقراطي الذي أصبح يشكل خطرا حقيقيا على مستقبل المغرب، وقد أصبحت هذه الأحزاب يمينها ويسارها ووسطها مجرد هياكل مجردة عن كل مصداقية، وها نحن على أبواب تفكك الحزب الأصالي(…) الذي طبع السنوات الأخيرة التي نعيش فيها بالتأكيد، تفكك الحزب الذي نما وترعرع في السنوات العشرين الأخيرة، رغم تأسيسه كما قيل لنا غير بعيد من القصر الملكي، عل القلة القليلة من ذوي النيات الحسنة، تبحث عن حل جديد لتأسيس هياكل حزبية جديدة تبنى على أسس أكثر جدية من هذه الأحزاب المتواجدة فقط، من أجل إرضاء المصالح المادية المتناقضة أصلا مع المصلحة الوطنية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!