في الأكشاك هذا الأسبوع
العثماني

رئيس الحكومة و”دون كيشوط” حزب العدالة والتنمية

عبد الغاني بوز. الأسبوع

من المتعارف والمصطلح عليه، أن الرواية العالمية “دون كيشوط”، تعود إلى الأديب الإسباني “سيرفانتيس”، غير أن هناك رأيا مخالفا، ينسبها إلى  العربي الأندلسي، سيدي حامد الإيلي.

وأيا كان صاحبها ومؤلفها، فهو يتمتع بموهبة فذة، إلى درجة تجعل القارئ وهو يقرأ فقرات هذه الرواية وفصولها، وما تحويه من أحداث عجيبة غريبة، يعجز عن إخفاء الابتسامة التي ترتسم على محياه بين الفينة والأخرى، لا لشيء، إلا لإعجابه بشخصية بطل الرواية، النبيل الشجاع: “دون كيشوط”.

تحكي الرواية عن شخص (دون كيشوط) عاش في بداية الزمان، في بلد طاله الظلم والنسيان، و لنبله وشجاعة قلبه، احتار كثيرا في إيجاد حل للأزمة التي كان العالم يتخبط فيها حينذاك، كان كثير الحب للقراءة والمطالعة، فتصادف أن وقعت يداه على كتب تحكي عن حياة وعمل “الفرسان الجوالة”، ومنذ تلك اللحظة، أصبح منغمسا كليا في البحث والقراءة، وما إن بدأت فكرة “الفرسان الجوالة”  تتسرب إلى قلبه رويدا رويدا، حتى استقرت في أعماق روحه، فاقتنع قناعة تامة على أنها الفكرة المناسبة لتخليص العالم من آلامه وشروره، وبلسما شافيا للمعذبين فوق سطح الأرض.

وبعد أن حسم أمره، قام فورا لتوفير ما يحتاج إليه تطبيق الفكرة من عدة، ومد يد المساعدة، تماما كما كانت تفعل “الفرسان الجوالة”.

وللإشارة، فقصة “الفرسان الجوالة”، لم ينسجها مؤلف الرواية من خياله، بل هي حقيقة واقعية، والتاريخ لا يزال يحتفظ بها في ذاكرته.. ففي زمان معين من تاريخ البلاد الاسكندنافية، كانت الكنيسة تعمل على تعميد بعض المترشحين من الرجال للقيام بهذه المهمة، وبعدها يجوبون مشارق الأرض ومغاربها، يحاربون الفساد ويطاردون قطاع الطرق، ويقدمون الخدمة لمن يحتاج إليها، ومن جملة الشروط المتطلبة لبلوغ رتبة “فارس جوال”، أن يتمتع المترشح بالنبل، ويحرص على القيام بالعمل الجاد.

وكصورة واضحة (لروعتها)، ولوجه الشبه بين أحداثها الخيالية وبين أحداث المغرب الواقعية، هو ما صدر عن “دون كيشوط حزب العدالة والتنمية”، فحينما انطلق “دون كيشوط سيرفانتيس” في عمله كفارس جوال، ممتطيا جواده ومسلحا بسلاحه، وفي إثره حامل سلاحه، راكبا ظهر حماره، كان يتصرف وكأن الزمن الذي يعيش فيه، غير الزمن الحقيقي الذي يعاصره، بل زمن الفرسان الجوالة، الذين تحكي عنهم الكتب والمؤلفات التي أثرت في عقله وغيرت مجرى حياته، أما “دون كيشوط” حزب العدالة والتنمية، فقد اعتقد أيضا نفس الاعتقاد عن رجعية الزمان لما انطلق  ذات يوم نحو مدينة فاس، حيث المحكمة التي كان مزمعا أن يمثل أمامها أحد أذرعه في الحزب، المتابع بتهمة “المساهمة في ارتكاب جريمة قتل”. عندها خطب في أتباعه ومريديه بما مفاده: “من قبل، كنتم تقولون: في سبيل الله ما أحلى المنون.. واليوم، أصابكم الرهاب لمجرد استدعاء من المحكمة..”، فقد قال هذا وكأنه لا يعلم أن زمن الشهادة قد ولّى وأدبر.

هذه “الخرجة”، لم تكن الأولى بالنسبة له، فقد سبق أن قال كلاما أشد وطئا وتناقضا من سابقه، فأمام حشد غفير من أتباعه ومريديه، صرّح بالحرف الواحد كما ورد في جريدة “هسبريس” الإلكترونية بتاريخ 8 نونبر 2018، وكأنه يقدم لهم ما يشبه الوعظ والإرشاد في السياسة: “انتقدوا الحكومة، وانتقدوا الأحزاب، ولكن الملك وقروه. يجب أن يظل موقرا، وأن تحفظ له مكانته الخاصة”.

وفي تناقض تام لهذا القول، أضاف، والعهدة دائما على “هسبريس”: “أنا الذي كنت سببا في نزع القداسة عن الملك في الدستور، لأنها جاءت من الأوروبيين الذين كانوا يعتقدون أن الملك مقدس من عند الله، ونحن لا يوجد شيء كهذا في تراثنا الإسلامي”.

ثم إن وجه الشبه بينه وبين “دون كيشوط”، لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى أكثر من ذلك، خاصة في العلاقة التي تربط الأول بحامل سلاحه، وتربط الثاني بأتباعه ومريديه.

“دون كيشوط”، رغم يقينه بعدم صوابية أفعاله وتصرفاته التي تجافي العقل والمنطق، كان يضع لها تبريرات حتى تبدو صادقة.. ويصدقها حامل سلاحه، الذي كان كلما أبدى امتعاضا مما يحصل له من مطبات، كان  سيده يساومه ويعده في نهاية النصر المبين، بالتتويج على رأس أكبر مقاطعة من مقاطعات الأرض التي سيغزوها، تماما كما هو الشأن عند أتباع “دون كيشوط” حزب العدالة والتنمية، الذين يصدقون كلامه الذي لا يمت لواقع المغرب بصلة.

بدوره، خليفته في الأمانة العامة للحزب، وفي رئاسة الحكومة، لا يشذ عن خرجات “دون كيشوط”، ففي عز الأزمة التي سببها حزبه للمغرب، وأصبحت الأرض تترنح بما تحمله، أطلق الكلام على عواهنه، مشيدا  بالأوضاع، في تفضيل تام عما هي عليه في فرنسا، بلاد الأنوار.

قد لا يسعف المقام لذكر كل التفاصيل، لأنها تحتاج إلى مؤلف كبير، لكن ومهما يكن، فـ”دون كيشوط سيرفانتيس”، رغم كل ذلك، كان مدفوعا بدوافع إنسانية محضة، وكان سبب همه واهتمامه، نابع من نبل شخصه، أما هنا في المغرب، فالكل يعلم أن السياسة أصبحت بالدرجة الأولى، لعبة تمارس من أجل قضاء المآرب الخاصة على حساب مصلحة الشعب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!