في الأكشاك هذا الأسبوع

الحقيقة الضائعة | هل بدأ الملك في فتح الأبواب أمام المقتدرين؟

بقلم: مصطفى العلوي

الذين راجعوا مذكرات “الملك الحسن الثاني”، وقد لاحظنا هذه الأيام التهافت الإلكتروني على مخلفاته من خطب وحكم، يكتشفون في مذكراته التي أملاها قبل وفاته على صديقه المؤلف الفرنسي “إيريك لوران”، أنه بعد أن خصص مئات الصفحات للكلام عن سياسته ومخططاته، لم يخص إلا خمس صفحات للحديث عن رفيق عمره أحمد رضى جديرة، وثلاث صفحات للحديث عن شريكه في الحكم ثلاثين عاما إدريس البصري، ومعناها بصيغة المنطق السليم، أن الأشخاص، مهما علا شأنهم بجانب الملك(…)، لا يساوون شيئا(…)، لأن الملك مهما كانت بساطة أفكاره، يعرف أن المحيطين به، والمتمسحين بأعتابه، هم مجموعة من الانتهازيين المؤقتين(…)، من قبيل صديقه أحمد رضى جديرة، الذي عندما كان بين المدعوين في حفلة الصخيرات، ما إن سمع الرصاصات الأولى تنطلق حتى فر هاربا، وترك الملك لحاله.
وهي ظاهرة طبيعية من طبائع البشر، الذي يبيع صداقته في سوق النخاسة، حين يشعر بانقراض مبررات ذلك الارتباط بالملك، مهما كانت أهميته وارتباطاته.
وقد طبعت أيام الملك محمد السادس، منذ توليه عرش أبيه(…)، محافظته على نفس الكمامير الذين ارتبطوا به حتى منذ الفصول المدرسية التي كانت تعرف بالمدرسة المولوية، وها هم، والكثير منهم ابيضت ذقونهم رغم تحسينها(…)، وبقوا ملازمين للملك، في سفره وإيابه، وفئة منهم قنعوا برتبة مستشار في الديوان الملكي، استشارية أبدية(…)، اكتشف الرأي العام البئيس المتتبع، أنه لا فائدة ترجى منهم، إلا من رحم ربك، عندما يكلفه الملك بقراءة رسالة في مؤتمر نيابة عنه.
لذلك، لم يتميز المستشارون الملكيون، لا بالنبوغ في النصح، ولا بالتجديد في الأسلوب، إلا من رحم ربك، من قبيل المستشارين الذين التحقوا بربهم، ورحمهم الله برحمته الواسعة.
وذكر الله بالخير، واحدا من الصحفيين في مجلة “ماروك إيبدو” ويسمى وسام البوزدايتي، الذي علق على تعيين الإطار المتميز إدريس الكراوي بمقال عنونه: “إن تعيين الكراوي على رأس مجلس المنافسة، يعتبر نوعا من تحريك الكوكوط مينوت الاقتصادي”.
لننتقل فرحين نشطين(…) بهذا التحرك الملكي الذي طبع في الأيام الأخيرة، عندما خصص الملك محمد السادس على مدى أيام متتابعة، ففاجأ الرأي العام المتعطش باستقبالاته المتتالية، لتعيين نخبة من الشبان والشابات على رأس إدارات ومؤسسات، عرفت سنوات طويلة من الجمود(…)، تعيينات لا يعرف أحد مصدرها ولا من نصح بها، وإنما كانت مبادرات موفقة لمجموعة من التعيينات التي لم تكن بالتأكيد مملاة من أي واحد من هؤلاء المستشارين العاجزين، المتعبين(…).
وبصرف النظر عن الاختيار الملكي لمجموعة من الأطر الشابة، المقربة أغلبها من الشبيبة الاتحادية، وكان أهمها اختيار السفير المغربي الناشط في السوق الأروبية المشتركة، أحمد رضى الشامي، والذي سيكون من الصعب تعويضه في تمثيل المغرب بالسوق الأروبية، إلا أن الأسرار الخفية(…)، توحي بأنه في تعيينه رئيسا للمجلس الاقتصادي هو أفيد للبلاد من نفيه هناك في بروكسيل حين كان معلقا بالتقارير التي كان يرفعها عبر وزارة الخارجية، لتقرأ أو لا تقرأ(…)، فإن الرأي العام المغربي، اطمأن إلى أن القرارات الملكية الأخيرة باختيار عناصر شابة مقتدرة ونشيطة، مؤشرا على أن الملك محمد السادس، ربما قرر بجرأة متناهية(…)، تجديد هذه الأطر، لتحريك أجهزة الدولة، وتجديد عناصرها، وتحريك الكوكوط، كما قال الصحفي.
وكانت صحفية مغربية تسمى حسناء زوان، قد وضعت سبابتها على أهمية القرارات التجديدية الملكية، حينما عنونت مقالا لها كاتبة: ((الدراري خواو البلاد))، مفسرة أن ستة آلاف شاب مغربي غادروا البلاد بحثا عن العمل في الخارج، مفضلين الهروب عبر المراكب البحرية، بعد أن فقدت الآلاف المؤلفة من شباب المغرب الأمل في تقديم أية خدمة لبلادهم، لأن السنوات الطويلة الثمان عشرة التي مرت على الملك محمد السادس، كادت توهم الرأي العام المغربي بأن أبواب العمل في هذا المغرب أصبحت موصدة، ولم يبق للأطر المغربية إلا الفرار إلى الخارج، رغم أن المغرب محتاج إلى أبنائه، وأبناؤه أصبحوا يتوهمون أن أبواب العمل أصبحت موصدة في وجوههم، ولم يبق لهم إلا ركوب أخطار البحر.
مرة أخرى، يتم التنويه بالمبادرة الملكية في تغيير خريطة العمل، وتجديد أسلوب التجديد، وهذا المغرب يعطي كل سنة آلاف الخريجين ممن لا يجدون شغلا يقدمون به عملا لأوطانهم، ولا بابا مفتوحة لكسب عيشهم، حتى علقت جريدة “الأحداث” على القرارات الملكية الأخيرة بعنوان ضخم على ثمانية أعمدة، وصفت فيه التعيينات المغربية الأخيرة بعنوان: ((دماء جديدة في مؤسسات غير تقليدية)) وكأن الجريدة تخبر قراءها بأن القرار الملكي لم يكن شيئا تقليديا، وليس أبشع بالنسبة للمغرب من أن يبقى تقليديا في أساليب تسييره بعيدا عن التجديد والتشبيب.
وأهم ما في القرارات الملكية الأخيرة، هو تخصيصه شخصيا لاستقبال المسؤولين الجدد، محمد البشير الراشدي، وعمر السغروشني، وإدريس الكراوي، وأحمد رضى الشامي، ومحمد بنعليلو، وأمينة بوعياش، وأحمد شوقي بنيوب، ولطيفة أخرباش، ومجالسة كل واحد منهم لمناقشته في طريقة عمله، وهي مقابلة تحمل أكثر من مدلول، لأن كل من استقبله الملك أصبح مسؤولا أمام الملك، لا معينا من طرف زعيم، ولا مقرب، ولا ابن عم ولا صهر(…) ولا بوسيط مشترى(…)، وهو عنوان، ربما لعهد جديد يزرع في نفوس المغاربة، الأمل في دخول عهد جديد، يطوي ذلك الزمن القبيح، الذي كان فيه الاختيار ينطلق من رضى من رضي عليهم الملك، من مستشارين كان واجبا على كل من أدرك منهم سن الشيخوخة، أن يتنازل عن منصبه ليسمح باحتلاله لمن هم أكثر منهم استعدادا للعمل وللعطاء، لأن من أعطت تجربتهم بوادر الفشل، أن يذهبوا لحال سبيلهم.
وتكمن أهمية المبادرة الملكية الجديدة، في أنه تفتح المجال أمام الأجيال المتعطشة إلى العمل، والعطاء، بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية، أو العائلية، وهي المبررات التي كانت سببا أساسيا في ما أصبح المغرب يتعرض له من كوارث.. ومن سرقات، ومن جرائم، وكونطرباند.
وإذا استمر الملك في هذه الطريقة النموذجية في اختيار الأطر المقتدرة، لتحميلها مسؤولية على المستوى، فلا خوف على المغرب، لا من إجرام، ولا من إرهاب، ولا من ضياع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!