في الأكشاك هذا الأسبوع

تحليل إخباري | هل يتسبب “الإرهاب” في إلغاء “التجنيد الإجباري” لحماية الجيش الملكي من الاختراق؟

إعداد: سعيد الريحاني

((ستعرف الخدمة العسكرية تحولات كبيرة، بعد تحويلها إلى خدمة إلزامية تصل مدتها إلى ثلاثة أشهر، ولكن يمكن تمديدها إلى غاية اندماج الشخص المعني في خدمة مدنية.. والخدمة العسكرية الإلزامية، ستكون مفتوحة أمام النساء والرجال، وسيتم الجمع بين العمل العسكري والمدني، علما أن هذه الخدمة لن تحمل خزينة الدولة أموالا كبيرة، لأن الأمر لا يتعلق بإعادة بناء ثكنات ضخمة.. وسبق للناطق باسم الحكومة، أن أشار عبر إحدى المحطات الإذاعية، إلى أن الخدمة العسكرية ستكون إلزامية، مضيفا أن “اللحظات التي تمثلها الخدمة الوطنية العالمية، هي لحظات لقاء بين شباب البلد وجيش الأمة، وهي مشاركة مدنية تسمح لنا بمعرفة كيف نمنح الوقت المفيد للأمة”)).

الفقرة أعلاه، ليست من المغرب، ولكنها اختصار للكلام الذي نقلته وسائل الإعلام الفرنسية مؤخرا، على لسان الرئيس إيمانويل ماكرون، وعلى لسان الناطق الرسمي باسم حكومة فرنسا، وكانت تلك طريقتهما للرد على المحاولات الداعية لإلغاء الخدمة العسكرية، أما عندنا في المغرب، فإن “التجنيد الإجباري، تم التخلي عنه منذ سنة 2006″، بقرار من القائد الأعلى للجيش ورئيس أركان الحرب العامة، الملك محمد السادس، وتكلف وقتها الوزير السابق نبيل بنعبد الله، المكلف بمهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، بشرح خلفيات قرار التراجع عن التجنيد الإجباري خلال لقائه مع الصحفيين، حيث أوضح أن “إقدام الحكومة على حذف الخدمة العسكرية، ليست له أية علاقة بتفكيك بعض الخلايا الإرهابية.. وبعدما أوضح أن العديد من الدول أقدمت على حذف هذه الخدمة، أبرز أن المغرب اعتبر أنه آن الأوان للقيام بنفس هذا الإجراء وفق التطور العادي الذي تعرفه قواتنا المسلحة الملكية” (المصدر: موقع إيلاف/ 212 غشت 2006).

المفارقة الأولى، هي أن قانون الخدمة العسكرية الذي تخلى عنه المغرب سنة 2006، بعد محاولة اختراق الجيش من طرف تنظيمات إرهابية، يحاول المشرع العودة إليه اليوم بالتزامن مع تداعيات العملية الإرهابية الخطيرة التي شهدتها منطقة شمهروش، في ضواحي مراكش، وراحت ضحيتها سائحتان لا ذنب لهما، وهو الإرهاب الذي أساء إلى صورة المغرب خارجيا.. فهل يكون الإرهاب سببا في مراجعة حسابات التجنيد الإجباري والخدمة العسكرية الموجهة للشباب؟

المفارقة الثانية، أن المغرب تخلى عن التجنيد الإجباري، ويحاول إعادة فرض نظام الخدمة العسكرية، وينشغل محللوه بإقناع المتتبعين بهذا الإجراء، بينما دول تفوقنا تقدما، تحاول أن تجعل الخدمة العسكرية، عملا إلزاميا لتقوية مشروع الأمة(..)، وفي هذا الصدد، تكشف مصادر “الأسبوع” كيف أن الوزير المكلف بإدارة الدفاع، في عهد الملك محمد السادس، عبد اللطيف لوديي، جاء إلى البرلمان ليقنع البرلمانيين، بالتصويت على “قانون الخدمة العسكرية”، وكيف أن هذا الوزير حاول التقليل من أهمية “التجنيد الإجباري بالنسبة للجيش”، حيث ينقل نفس المصدر عن لوديي قوله بأن “الجيش المغربي، محترف جدا ومحترم في وسط كبار جيوش العالم، ومستعد وجاهز للدفاع عن حوزة البلاد دون حاجة إلى عملية التجنيد الإجباري التي لا تعد سوى عملية من الجيش للمساهمة بدوره في تكوين الشباب وتسهيل إدماجهم المهني”.

الهواجس التي فرضت جواب لوديي، جعلته يعتبر أن التجنيد الإجباري، مسألة مرتبطة بالجيش، والواقع، أن عملا ضخما من هذا النوع، يعتبر أحد الإجراءات الداعمة لمفهوم “التربية على المواطنة”، وما تدخل الجيش في هذه العملية إلا صمام أمان لضمان “عدم انحراف” مؤسسات أخرى، في زمن تعاني فيه جل الدول من معضلة الاختراق.

نفس المصدر، أوضح أن لوديي، أكد أنه لا خوف على تطبيق هذا القانون، فنحن جاهزون، وما يدور، هو مجرد تهويل في الموضوع، بحيث سننطلق بتجنيد الراغبين أولا، وسنعمل على ترك حرية الاختيار بالنسبة للشابات ولأبناء الجالية المغربية كي لا نمس بحقوقهم وبوضعياتهم القانونية، علما أن “مغاربة الجالية”، مجندون كذلك بدول المهجر للعمل على عائلاتهم هنا بالمغرب، والمساهمة في تحويلات مالية بالعملة الصعبة هامة بالنسبة للبلد.

وقال الوزير الذي حاول تبديد المخاوف بهذا الشأن، بأن الجيش جاهز لوجستيكيا وتقنيا لاستقبال الفوج الأول من المجندين، الذي من المنتظر أن يكون خلال شتنبر 2019، مشيرا إلى أن الجيش سينطلق بتكوين عدد لا يتعدى 9000 شاب سنويا، إضافة إلى 7000 منصب كمناصب للشغل نحصل عليها سنويا من وزارة المالية.

من جهة أخرى، أقنع وزير الدفاع ممثلي الأمة، بأن “القانون لم يأت للعقاب ولا لتخويف الشباب، ولا ليحل محل الحكومة أو الأسرة أو الأحزاب في التأطير وفي تكوين الشباب، ولكنه سيكون رافعة أخرى لتكوين الشباب رياضيا ومهنيا ونفسيا، وفي مهن مختلفة، منها البناء والكهرباء والصحة، وغيرها من المجالات التي ستسهل اندماج عدد من الشباب في سوق الشغل”.

المغرب إذن، بخلاف فرنسا وعدد كبير من الدول العربية، كان قد تخلى عن التجنيد الإجباري بالتزامن مع تفكيك خلية “أنصار المهدي” سنة 2006 التي اتهمت بمحاولة اختراق الجيش الملكي، بعد تورط مجموعة من الجنود في العملية، لذلك رأى كثيرون أن “التراجع المغربي عن التجنيد الإجباري، كان بهدف قطع الطريق أمام الجماعات الإرهابية لاختراق الجيش المغربي وتدريب عناصرها بعتاده العسكري”.

المغرب وبخلاف عدد كبير من دول العالم، وبخلاف الموجة العالمية التي تميزت بعودة نظام التجنيد الإجباري، ظل منذ سنة 2006 إلى حدود سنة 2018، معطلا لهذه الخدمة الحيوية ذات الأبعاد الوطنية، حيث أعلن الديوان الملكي عن عودة هذه الخدمة، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل إن الملك محمد السادس، قائد الجيش، خصص جزءا من خطابه خلال افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان هذه السنة، للحديث عن مشروع قانون الخدمة العسكرية، بالتزامن مع الجدل الذي خلقته هذه العودة، حيث قال جلالته: ((إن الخدمة العسكرية تقوي روح الانتماء للوطن، كما تمكن من الحصول على تكوين وتدريب يفتح فرص الاندماج المهني والاجتماعي أمام المجندين الذين يبرزون مؤهلاتهم، وروح المسؤولية والالتزام))، وأكد الملك محمد السادس في خطابه على أن جميع المغاربة المعنيين، دون استثناء، سواسية في أداء الخدمة العسكرية، بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم الاجتماعية وشواهدهم ومستوياتهم التعليمية.

إلى هنا، يطرح سؤال: لماذا رجع المغرب إلى التجنيد الإجباري بعد أن تخلى عنه في وقت سابق؟ فلاشك أن الجواب الأولي، يقتضي الإيمان بأن جزء كبيرا من المغاربة، كانوا يدعون إلى عودة الخدمة العسكرية كحل لإعادة نشر الوعي بالمواطنة، حتى أن المواقع الإخبارية كتبت أن “المغاربة يحنون إلى أيام التجنيد الإجباري”، وربطت المصادر بين هذا الحنين، وبين تطورات قضية الصحراء، “فقد عاد نشطاء ومواطنون مغاربة إلى المطالبة بإقرار خدمة التجنيد الإجباري على الشباب المغاربة، من أجل دعم أفراد القوات المسلحة الموجودة في الصحراء، ضد أي حرب محتملة مع عناصر جبهة البوليساريو للمطالبة بانفصال أقاليم الصحراء عن سيادة المملكة..”.

بعيدا عن الحنين الشعبي للخدمة العسكرية، يمكن الحديث عن مبررات أخرى سبق أن أحاط بها عدد كبير من الباحثين، حيث يقول عبد الرحمان مكاوي، الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، بأن “المغرب مستهدف ومهدد بالكثير من المخاطر، من بينها الإرهاب والشبكات الإجرامية العابرة للقارات، وهناك أيضا أجندات أجنبية تعمل على إثارة الفوضى والبلبلة، وتسعى إلى استغلال الشباب في هذا الاتجاه”، ويشرح نفس الباحث: “أن الخدمة العسكرية، لن تهم الحدود المغربية، بل سيجري توزيع الشباب المغربي المعني على الثكنات العسكرية في جميع المدن المغربية وفي مختلف القطاعات العسكرية، البرية منها والبحرية والجوية”، ثم يضيف: “إن التجنيد الإجباري، مدرسة، وأتمنى أن تعمل الدولة على تحقيق مسألتين أساسيتين فيها، أولاهما: أن تمنح شواهد التخرج في الخدمة العسكرية للشباب المعني حسب التخصص، وثانيهما: إصدار قانون يفرض على المقاولات المغربية والمؤسسات العمومية وشبه العمومية توظيف نسبة من هؤلاء الشبان الذين سيتخرجون من الخدمة بمختلف تخصصاتهم التي تكونوا فيها خلال مدة سنة كاملة، كما أطالب بأن يتحمل الإعلام الرسمي مسؤوليته في تفسير وشرح هذا القانون وتبسيطه للشباب” (المصدر: موقع اليوم 24 / 3 شتنبر 2018).

إن عدم شرح حقيقة التجنيذ الإجباري، والخوف من تداعيات هذا الإجراء، هي التي جعلت بعض الجهات تؤسس ما سمي بـ”التجمع المغربي ضد الخدمة العسكرية الإجبارية”، وتعلن رفضها لقانون الخدمة العسكرية الإجبارية الذي صادق عليه المجلس الوزاري الأخير، موضحين أن “الأولوية التي تهم الشباب، هي الولوج إلى التعليم، والصحة، والثقافة، والشغل، مثلما نص على ذلك الدستور في فصله الـ33″، مضيفين أن “مشاكل الشباب والشابات التربوية، سببها استقالة المدرسة العمومية من دورها”، كما اعتبر هذا التجمع، أن “تجنيد 10 آلاف شخص سنويا، سيكلف الدولة على أقل تقدير، 300 مليون درهم سنويا، وهو ما يساوي ربع ميزانية الثقافة، وهو ما يكفي لفتح 20 مدرسة لـ12 ألف تلميذ وتلميذة سنويا أو بناء 5 مستشفيات سنويا”، لافتا إلى أن “أولوية الصحة والتعليم، مجرد شعارات فارغة للحكومة”.

ودعا “التجمع المغربي ضد الخدمة العسكرية الإجبارية”، إلى “إلغاء مشروع القانون الخاص بالخدمة العسكرية الإجبارية وسحبه”، مؤكدا على “أن خدمة المجتمع واجب على كل مواطن ومواطنة، وليس فقط الفئة الشابة، ونعتبر الخدمة المدنية أحد أرقى أشكال التضامن بين الطبقات الاجتماعية، وهي ليست مطلبا وليد اليوم، وإنما مجهودا يقوم به الشباب كل يوم عبر اشتغالهم في المنظمات والجمعيات والعمل التطوعي في رفع التهميش عن القرى والفئات الفقيرة والمهمشة”، مطالبا الدولة بـ”المساهمة المادية واللوجستيكية لتمكين فئات أكثر من الخدمة المدنية”، كما دعا إلى “تحويل الأموال المخصصة لهذا المشروع، إلى مشاريع أكثر أولوية بالنسبة للشباب تتعلق بالتعليم (الحفاظ على المجانية)، الصحة، الثقافة وتشجيع المقاولات الذاتية وفتح فرص الشغل” (المصدر: موقع العمق المغربي: 30 غشت 2018).

بغض النظر عن الموقعين عن البيان سالف الذكر، وبينهم نشطاء لا يؤمنون بالثوابت الوطنية(..)، فإن الحديث عن استقالة المدرسة، والمؤسسات التي يملؤها النشطاء المدنيون، هو ما يفرض تدخل مؤسسة الجيش عبر تفعيل آليات التوعية الوطنية، لأن تكوين المواطنين لا يمكن حصره على جهة دون أخرى، ولا يمكن ربطه بمؤسسة دون أخرى، غير أن عودة الإرهاب، من بوابة شمهروش مراكش، هي التي قد تفرض إعادة ترتيب قانون التجنيد الإجباري، لأن الإرهاب الذي فرض إلغاء قانون التجنيد الإجباري، هو نفسه الذي فرض عودته اليوم، غير أن عودة الإرهاب إلى استقطاب الشباب والمهمشين، قد تفرض أيضا مراجعة ضوابط وحسابات التجنيد الإجباري(..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Open

error: Content is protected !!